ينظر  الإسلاميون المتشددون إلى الديمقراطية على أنها “حكم الشعب مقابل حكم الله”، بينما يراها "المعتدلون على أنها “حكم الشعب مقابل تغلب الفرد"
ينظر الإسلاميون المتشددون إلى الديمقراطية على أنها “حكم الشعب مقابل حكم الله”، بينما يراها "المعتدلون على أنها “حكم الشعب مقابل تغلب الفرد"

يطفح الخطاب الديني للجماعات الإسلامية المتطرفة بالعداء الشديد للديمقراطية، التي تطلق عليها “صنم العصر”.

“لا يمكن للمسلم أن يكون مسلما مع وجوده في ساحة الديمقراطية والديمقراطيين”، يقول الشيخ السلفي المغربي محمد الفيزازي، في محاضرة سجلها قبل سنوات بعنوان “الديمقراطية ذلك الصنم”.

كتاب "الديمقراطية صنم هذا العصر" لأستاذ العقيدة السوداني الأمين الحاج أحمد محمد

​​واعتبر الفيزازي، الذي قضى ثماني سنوات في السجن عقب هجمات الدار البيضاء (16 أيار/مايو 2003)، “الديمقراطية دينا قائم الذات بمعنى الكلمة”.

وأضاف: “التوحيد في الإسلام يقابله الشرك اللعين في دين الديمقراطية”!

ويتفق منظرو الجماعات المتشددة على أن الديمقراطية “كفر بواح مناقض للإسلام مخرج من الملة”.

وتستند الجماعات الجهادية إلى تنظيرات مفكرين معاصرين، مثل المصري سيد قطب (1906-1966م).

ويرفض قطب الاعتراف بأية إمكانية للتوافق بين الديموقراطية والإسلام، متعللا بـ“إن الحكم إلا لله”.

لكن في المقابل، بدأت كثير من الجماعات إسلامية القبول بالمشاركة الديمقراطية باعتبارها أحد أساليب “التداول السلمي للسلطة”، كما يقول الشيخ السلفي المغربي عبد الكريم الشاذلي.

وقضى الشاذلي هو الآخر ثماني سنوات في السجن، قبل أن يفرج عنه بعفو ملكي سنة 2011.

ويعد الشادلي أحد أبرز وجوه السلفية الجهادية المناهضة الديمقراطية والمشاركة السياسية، قبل أن ينقلب على مواقفه السابقة وينخرط في العمل السياسي بدءا من سنة 2011.

وهو يبرر اختياره الجديد بأن “في المشاركة السياسية المصلحة لأمور الدين والدنيا”.​

​​يقول في تصريح لموقع (ارفع صوتك): “الجماعات الإرهابية تعادي الديمقراطية لجهلها بحقيقتها، وبأنها مسلك يحقق للإنسان بعض مطالبه الاجتماعية والاقتصادية”.

حكم جاهلي

إجمالا، ينظر الفريق المتشدد من الإسلاميين إلى الديمقراطية باعتبارها “حكم الشعب مقابل حكم الله”، بينما يراها الفريق الآخر “حكم الشعب في مقابل تغلّب الفرد واستبداده”.​

ويذهب سيد قطب، الذي يعد المنظر الأيديولوجي لطيف واسع من التيار الجهادي، إلى أنه “ليس هناك سوى نوعين من الحكم. إما حكم إسلامي تكون الحاكمية فيه لله، أو حكم جاهلي تكون فيه الحاكمية للبشر”، كما ورد في كتابه الشهير “معالم في الطريق”.

وحسب مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية، “الحاكمية” أحد ستة مفاهيم رئيسية صارت تسوق لشرعنة الأعمال الإرهابية.

في إحدى رسائله، يقول زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن: “الإسلام دين الله، ومجالس النواب التشريعية دين الجاهلية”.

وفي كتابه، “نور اليقين: شرح عقيدة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين”، يعتبر أبو مارية القرشي، وهو منظر جهادي معروف، من يدعو إلى الديمقراطية “محاربا لأهل التوحيد”.

وبدوره، عبّر تنظيم داعش مرارا عن مواقفه الرافضة للديمقراطية. وقال زعيمه أبو بكر البغدادي في رسالة صوتية موجهة للسوريين “إياكم أن تتخلصوا من ظلم الديكتاتورية، لتذهبوا إلى ظلم الديمقراطية”.

“كل حكم لا يستمد سلطانه من الله هو حكم جاهلي نهجره ولا نسلكه”، يقول سامي العريدي وهو جهادي بارز في جبهة النصرة السورية قبل أن ينشق عنها عقب انفصالها عن تنظيم القاعدة.

لكن الشيخ عبد الكريم الشاذلي يرفض هذه المزاعم.

يقول لموقع (ارفع صوتك) “من رؤيتنا المقاصدية للشرع، نجد أن الإسلام دعا لتداول السلطة وأجاز للشعب حكم نفسه انطلاقا من منظومة مرجعية هي الكتاب والسنة”.

إسلاميون ديمقراطيون!

“دولة علمانية ديمقراطية هي الحل”. هكذا كتبت الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان على حسابها في “تويتر” منتصف آب/أغسطس الماضي، ضمن سلسلة تدوينات دعت فيها إلى تبني “ديمقراطية معلمنة” للخروج من حالة الاقتتال الداخلي في البلاد.

وتعد كرمان محسوبة على حزب “التجمع اليمني للإصلاح” ذي المرجعية الإسلامية، وهو ثاني أكبر الأحزاب اليمنية تمثيلا في البرلمان.​

دعوة كرمان أثارت ردود فعل متباينة داخل حزب الإصلاح. ورأت قيادات راديكالية بارزة بينها النائب البرلماني محمد الحزمي في تصريحاتها حربا على الإسلام ودعوة “للإباحية والكفر والإلحاد”.​

​​وفي أكثر من مناسبة، أعلن الشيخ عبد المجيد الزنداني وهو من مؤسسي حزب الإصلاح رفضه قطعياً لأي مرجعية لا تقر بـ “الشريعة الإسلامية مصدرا لكل التشريعات”.

لكن في المقابل، لا يتردد إسلاميون آخرون في التأكيد على قبولهم الكامل للديمقراطية.

وعبر رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي عن "فخره" بدستور بلاده الذي شاركت حركته في صياغته. ووصفه بأنه دستور يوافق بين الإسلام والديمقراطية والحداثة.

وفي تشرين الأول/أكتوبر2017، قال الغنوشي “نحن لم نستورد الديمقراطية من الغرب، فهي من أصل الدين الإسلامي الذي فرض مبدأ الشورى”.​

​​​​الحكم للإمام وحده

رغم التباينات والخلافات العميقة بين جماعات الإسلام السياسي السنية والشيعية، إلا أن كثيرا منها يجتمع في رفضه للديمقراطية.

في خطاب متلفز نهاية آب/أغسطس الماضي، أكد زعيم جماعة الحوثيين في اليمن عبد الملك الحوثي أن ولاية أمر المسلمين ليست خاضعة للانتخابات.

“لو تركت المسألة إلى الاختيار البشري لكانت خاطئة جدا”، قال الزعيم اليمني من الطائفة الزيدية.

واستشهد الحوثي بمجتمع مكة في صدر الإسلام، قائلاً إن “الأغلبية كانت إلى جانب أبي جهل وأبي سفيان ومكذبين بالرسول (محمد)”.

وتابع “لو قيل للناس انتخبوا، لاتجهوا إلى انتخاب أبي جهل أو أبي سفيان وكفروا برسول الله”!

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لصف من جنود الجيش السوداني الذي يقوده عبد الفتاح البرهان ضد قوات الدعم السريع
صورة تعبيرية لصف من جنود الجيش السوداني الذي يقوده عبد الفتاح البرهان ضد قوات الدعم السريع

شنَّ رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، هجوماً عنيفاً ضد "كتيبة البراء" التابعة لجيشه، منتقداً "الروح الانفصالية" التي أظهرتها في معاركها الأخيرة ضد قوات الدعم السريع.

وخلال لقاء عُقد في الكلية الحربية، قال البرهان إن "تصرفات ناس البراء ما بنوافق عليه، ما بنوافق على كيانات موالية"، مشيراً إلى أن عددا الدول انصرفت عن دعم الجيش بسبب ممارسات هذه الكتيبة.

 

الإسلاميون والسلطة بعد الثورة

منذ اشتعال الحرب الدائرة في السودان، أظهرت فصائل عسكرية إسلامية دعمها لقوات الجيش في صراعها ضد مليشيات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، منها وحدات "الطيارين" و"البرق الخاطف"، لكنّ كتيبة "البراء بن مالك" كانت على رأسها بسبب قوة تسليحها وقسوة تدريب أفرادها.

بشكلٍ عام، فإن جميع هذه القوات تمتلك خبرة قتالية كبيرة بعدما أسهمت بشكلٍ كبير في حرب جنوب السودان التي خاضها نظام عمر البشير قديماً ضد المليشيات المتمردة.

ورغم أن كتيبة "البراء بن مالك" تعدُّ فصيلاً تابعاً للجيش السوداني إلا أنها طالما رُبطت بالحركة الإسلامية السودانية، الحاضن الأساسي لنظام البشير منذ استيلائه على السُلطة.

اسم الكتيبة مشتقٌّ من لقب أحد صحابة الرسول محمد الذي اشتهر ببسالته الكبيرة في المعارك التي خاضها المسلمون بعد وفاة الرسول، في العراق وفارس، حتى قُتل في إحداها، كما أن رايتها تحمل شعاراً إسلامياً هو "لبيك يا رسول الله".

#كتيبة_البراء ما علاقة كتيبة البراء بن مالك بالمقاومة الشعبية ؟! كتيبة البراء قوات خاصة تابعة لقوات الدفاع الشعبي...

Posted by ‎محمد السر مساعد - Mohamed Elsir Massaad‎ on Friday, March 29, 2024

لهذه الأسباب، حظيت مشاركة الكتيبة الإسلامية باهتمام إعلامي واسع بعدما نُظر لأنشطتها على أنها محاولة من الإسلاميين لاستعادة نشاطهم من جديد في الساحة السودانية أضعفته الثورة الشعبية عام 2018.

وعقب اشتعال القتال مع قوات الدعم السريع أطلق البرهان نداءً لكل السودانيين بحمل السلاح ومؤازرة الجيش في معاركه، تحت هذا الغطاء أعلنت كتيبة "البراء" دخولها المعركة ضد رجال حميدتي.

 

رجال البشير

بعد وصوله إلى السُلطة في عام 1989، أنشأ البشير قوات إسلامية موازية للجيش تخضع له بشكلٍ مباشر بهدف حماية سُلطته من أي انقلابٍ جديد، عُرفت باسم "قوات الدفاع الشعبي"، اعتمد عليها في حربه بالجنوب ضد المليشيات المسيحية المتمردة.

بشكلٍ عام، بلغ حجم قوات "الدفاع الشعبي" قرابة 100 ألف مقاتل. وجرى حل هذه القوة عقب الثورة السودانية لتتحوّل إلى "قوة احتياط" تابعة للوزارة في يناير 2020.

فور اشتعال الحرب الأهلية في السودان في أبريل الماضي، عاد اسم "البراء" إلى الواجهة مُجدداً، حيث كان مقاتلوها من أوائل المنخرطين في الحرب ضد رجال حميدتي.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر لواء مجاهدي كتيبة البراء بن مالك إدارة القوات الخاصة او (دقشك) كما يحلو لنا يستلم التسليح الان... سترون منا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت #براؤون_يارسول_الله #جيش_واحد #القوات_المسلحة #كتيبة_البراء_بن_مالك

Posted by ‎إدارة الإحتياط - القوات الخاصة‎ on Saturday, April 15, 2023

عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة تعدّدت الفيديوهات التي كشفت توسّع أنشطة "البراء" في جبهات القتال، فظهرت خلال معارك العاصمة الخرطوم ومدن القضارف شرقي السودان.

وفي منتصف العام الماضي قُتل محمد الفضل عبد الواحد عثمان، القيادي الإسلامي وهو يقاتل ضمن صفوف الكتيبة ضد قوات الدعم السريع.

وكان الفضل محسوباً على جماعة البشير؛ فهو ابن شقيق مصطفى عثمان أحد الذين تولوا وزارة الخارجية في عهد البشير، وسبَق للفضل أن التحق بالمليشيات الجهادية في العراق والشام قبل أن يعود إلى السودان.

خلال هذه الحرب ذاع صيت المصباح أبو زيد القائد الشاب لكتيبة "البراء" المعروف بانتمائه السابق للحركة الإسلامية السودانية، الذي يسعى لاكتساب شعبية بين صفوف السودانيين عبر القيام بزيارات ميدانية لمواقع القتال يحظى خلالها باستقبالٍ حافل وهو يستقل سيارات رباعية الدفع تحمل شعارات دينية مثل "براؤون يا رسول الله"، وهي أنشودة دينية يرددها مقاتلو الكتيبة بشكلٍ دائم حتى ارتبطت بهم بشكلٍ غير رسمي.

⭕️ كتيبة البراء بولاية الجزيرة ،،على بركة الله #القوات_المسلحة_السودانية #معركة_الكرامة | #جيش_واحد_شعب_واحد #سودان_واحد_موحد | #براؤون_يارسول_الله

Posted by Mohy Alden Alhadei on Tuesday, April 16, 2024

وتزدحم مواقع التواصل بعشرات الفيديوهات لأبي زيد يستخدم الخطاب الإسلامي. وفي أكتوبر الماضي التُقط له فيديو وهو يصافح المُصلين داخل أحد المساجد بعدما وضع على كتفيه رُتبة رائد رغم أنه لم يحظَ بمسيرة منتظمة في صفوف الجيش.

أظهرت هذه الوقائع تعمّق العلاقة بين "الجيش السوداني" و"البراء"، وحين أصيب  أبو زيد حرص البرهان على زيارته في المستشفى حيث يتلقى العلاج، معرباً عن دعمه له وامتنانه لدور الكتيبة الكبير في الدفاع عن الجيش السوداني.

كذلك، كثرت الشائعات في الساحة السودانية حول تلقّي الكتيبة دعماً مالياً من الخرطوم حتى سرت شائعة بأن وزارة المالية خصصت 270 مليون جنيه سوداني لكفالة أسر "شهداء الكتيبة"، وهي المعلومات التي نفاها أحمد محمود المستشار الإعلامي لوزير المالية السوداني.

 

التغريد خارج السرب

اتبعت كتيبة "البراء بن مالك" نهجاً متطرفاً في حربها ضد قوات الدعم السريع بعدما أعلنت أن جميع أماكن تواجدها هي أهداف عسكرية مشروعة لها، داعيةً المواطنين للابتعاد عن أماكن سيطرة قوات حميدتي.

خلال مارس الماضي، خاضت "البراء" ضد رجال الدعم السريع عدة معارك ناجحة، إحداها حين انتزعت السيطرة على مقر الهيئة العامة للتلفزيون في الخرطوم.

بعدها بشهرٍ تقريباً، اجتمع المئات من عناصر الكتيبة لتناول الإفطار الجماعي في إحدى القاعات وسط مدينة عطبرة شمال السودان، هاجمت الجمع طائرة مسيّرة أوقعت فيهم عشرات القتلى والجرحى. كان لافتاً أن أحد ضحايا هذا الحادث عبدالإله أحمد الرائد في الجيش السوداني.

بحسب تقارير محلية فإن هذا الحادث كاد أن يودي بحياة أبي زيد نفسه لولا أنه غادر القاعة قبل الانفجار بدقائق. بعدها أجرى جولة على جنوده المصابين وتوعّد بقتل ألف فردٍ  من الدعم السريع مقابل كل قتيل من رجاله.

هذه العملية أثارت غضب البرهان حتى أنه قرر زيارة عطبرة بعد يومٍ واحد من استهداف "قاعة الإفطار" حيث تجول في المدينة والتقى ببعض قيادات كتيبة "البراء".

رغم هذه الزيارة، فإن الانتقادات لم تكفّ عن ملاحقة الكتيبة واتباعها نهجاً عسكرياً لا يخضع مباشرة لقيادة وزارة الدفاع السوداني، وهي الاتهامات التي حاول أبو زيد نفيها في أكثر من خطاب، مؤكداً أن قواته لا تتحرك إلا بتكليفٍ من القوات المسلحة.

وهي المعلومات التي نفاها البرهان نفسه بحديثه الأخير وسط مخاوف بين السودانيين من أن دعم البرهان لمقاتلي "البراء" قد يخلق "حميدتي آخر" يخوض حرباً أهلية أخرى في المستقبل.