الطفلة اليمنية نجود محمد علي تتحدث للصحافيين سنة 2008، عقب صدور حكم قضائي بتطليقها بعدما زوجها أبوها في سن الثامنة
الطفلة اليمنية نجود محمد علي تتحدث للصحافيين سنة 2008، عقب صدور حكم قضائي بتطليقها بعدما زوجها أبوها في سن الثامنة

تتزوج حوالي 12 مليون فتاة تحت سن 18 عاما في العالم سنويا، وفق تقرير أصدرته الأمم المتحدة في آذار/مارس 2018.

وتتم نسب كبيرة من هذه الزيجات في منطقة الشرق الأوسط، حيث يعارض رجال دين وأحزاب وجماعات إسلامية تعديل أو تحديد سن أدنى للزواج.

ولا يتردد هؤلاء في الهجوم على الأصوات المنادية بتجريم زواج القاصرات، واتهامها بمحاربة الدين، بدعوى أن النبي محمد نفسه تزوج عائشة وهي في التاسعة من عمرها، استنادا إلى أحاديث وروايات دينية.

وتسمح القوانين والتقاليد المتوارثة بتزويج الفتيات دون سن الـ18، كما هو الحال في البحرين، والكويت، والعراق، والصومال، والأردن، والسودان التي ينص قانونها على أن سن العاشرة هو الحد الأدنى لزواج الفتيات.

وفي سوريا، التي يقضي قانونها بأن سن 17 عاما هو الحد الأدنى لزواج الفتيات و18 سنة للفتيان، يترك القانون للقاضي الحق بالسماح بزواج الفتاة في سن 13 عاما، والفتى في سن 15 عاما، إذا رأى احتمال جسداهما للزواج.

وتداولت وسائل إعلام محلية مؤخرا مأساة الطفلة ياسمين (15 عاما) التي أخضعت لقرار تقدير القاضي بشأن قدرة جسدها على تحمل الزواج، قبل عقد قرانها على رجل خمسيني، اكتشفت لاحقا أنه يدير شبكة للتسول.

وحسب تلك المصادر، فان الرجل دفع بزوجته الصغيرة التي أنجبت طفلا للتسول مقابل استمرار إقامتها في منزله.

وتسببت الحرب المستمرة في سوريا منذ أكثر من سبع سنوات بارتفاع معدل زواج القاصرات، من 7 إلى 30 في المئة عام 2015، حسب المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية.

في لبنان، تقود ناشطات وجمعيات حقوقية نسوية منذ أشهر حملات للمطالبة بقانون مدني موحد يجعل الحد الأدنى لسن الزواج 18 عاما، بعدما تخلت الدولة عن صلاحيات إدارة الأحوال الشخصية لصالح الطوائف التي يسمح بعضها بزواج الفتيات دون سن 14 عاما.

تحايل

وحتى في البلدان التي لا تسمح قوانينها بالزواج قبل سن الثامنة عشرة، يتم التحايل على القوانين من قبل أولياء الأمور بتزوير أعمار بناتهم، أو عدم توثيق الزواج رسميا حتى بلوغ الفتاة 18 عاما.

وشهدت مصر وحدها تزويج 124 ألف قاصر خلال عام 2017، وأكثر من 117 الف حالة العام الماضي، حسب بيانات رسمية أوردها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وسجلت غالبية هذه الحالات في المناطق الريفية والفقيرة.

ووصلت نسب دعاوى إثبات الزواج في المحاكم المصرية لأمهات قاصرات في عام 2017 إلى نحو 16 ألف دعوى.

وتتجه الحكومة هناك إلى تغليظ عقوبة من يتورط بزواج القاصرات دون الثامنة عشرة من العمر، بالسجن عشرة أعوام مع غرامة مالية كبيرة.

لكن المشروع ما زال حبرا على ورق، ويلقى معارضة شديدة من قبل رجال الدين.

فتاوى مضادة

في التاسع من يناير 2019 أقر مجلس الشورى السعودي تشريعا يمنع زواج الفتيات دون سن 15 عاما.

قبل ذلك لم يكن محددا في السعودية أي سن معين للزواج. وسبق ان أفتى علماء في هذا البلد بجواز تزويج طفلة في عامها العاشر.

ففي فتوى تعود للشيخ عبد العزيز بن باز (توفي سنة 1999)، يقول رئيس هيأة كبار العلماء في السعودية: "ليس للسن الذي تتزوج فيه المرأة حد بالنسبة إلى أبيها. أبوها له أن يزوجها وإن كانت صغيرة، كما زوج الصديق عائشة وهي بنت ست سنين أو سبع سنين".

ويضيف المفتى العام السابق للمملكة أن للأب إن يزوج ابنته "بغير إذنها إذا كانت دون التسع سنين".

ولا يوجد حد أدنى لسن الزواج في اليمن أيضا، حيث لا يزال زواج القاصرات منتشرا هناك على نحو واسع.

وحسب تقارير محلية وأممية متداولة، فإن نحو 14 في المئة من الفتيات في اليمن يتزوجن قبل بلوغ سن 15 عاما، وأكثر من نصف بنات اليمن (52 في المئة) يتزوجن قبل سن 18 عاما.

وفشل البرلمان اليمني مرارا في مناقشة وتمرير تشريع قانوني لتحديد سن 17 عاما حد أدنى للزواج، بسبب ضغوط كبيرة قادتها شخصيات دينية وقبلية نافذة.

وقبل سنوات، أصدر رجال دين يمنيون يتزعمهم الشيخ عبد المجيد الزنداني فتوى بتحريم تحديد سن الزواج، لأنه –حسبهم- “يعارض الكتاب والسنّة ويخالف إجماع الأمة”.

وقبل سنوات، تفجرت في اليمن قضية الطفلة نجود محمد علي التي زوجها أبوها، وعمرها لا يتجاوز ثماني سنوات، لرجل ثلاثيني.

تعرضت نجود للضرب من قبل زوجها، قبل أن تفر وتلجأ إلى المحكمة التي قضت بطلاقها.

نجود محمد علي، بعد عامين من طلاقها، تشارك في تظاهرة للمطالبة بفرض سن 17 كحدّ أدنى للزواج في اليمن

​​

أيهما حرام؟!

يعتقد وائل طاهر، وهو رجل دين يمني سلفي، بأن تحديد سن معين لزواج الفتيات “مخالف فقهيا لشرع الإسلام، الذي يشترط وصول كلا من الفتاة والفتى إلى حد التكليف، ووجوب الفرائض الشرعية”.

ويشدد طاهر، وهو أيضا إمام مسجد في مدينة عدن جنوبي البلاد، لموقع (ارفع صوتك)، أن "أهم علامات التكليف هي الحيض عند الأنثى، وإطاقتها للجماع، أو بلوغها 15 عاما حتى بدون ظهور العلامات السابقة".

لكن خلافا لذلك يقول خالد الجندي، وهو عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، إن زواج الفتاة أقل من 18 عاما "حرام".

ويعتقد الجندي، الذي كان يتحدث خلال برنامج تلفزيوني على فضائية دي أم سي المصرية، أن النبي محمد تزوج عائشة وكانت تقريبا بنت 17 أو 18 سنة، على عكس ما هو متداول (تسع سنوات).

ويقول الجندي “الأدلة كثيرة على ذلك، منها أنها كانت مخطوبة قبل النبي لجبير بن مطعم، وفسخت لدخول والدها الإسلام، وعلينا أن نبرئ النبي من زواج طفلة”.

وفوق ذلك، فإن المذهب الحنفي، وهو أحد أقدم وأوسع المذاهب الإسلامية انتشارا، يعتبر أن الطفل لا يكون بالغا حتى يتم الثامنة عشرة، استنادا إلى الآية 152 من سورة الأنعام: “ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده”.

وتم تفسير "أشده" باستكمال نموه. وحسب ابن عباس، فإن أشُد الصبي هو 18 عشر عاما، وعند الأنثى 17 عاما.

في المقابل، ينتقد أحمد القرشي، وهو ناشط يمني في مجال حقوق الطفل، “حشر هذه القضية في إطار صراع ديني وسياسي”.

ويرى ضرورة وضعها "في إطارها كقضية حقوقية".

ويعتبر القرشي، وهو رئيس منظمة "سياج لحماية الطفولة" (منظمة مدنية محلية)، أن ما يطرحه بعض رجال الدين حول هذا الجانب “يمثل وجهات نظر شخصية.. وآراؤهم ليست ملزمة للناس.. فهناك في المقابل علماء آخرون يعارضون بشدة تلك الآراء”.

ويؤكد القرشي، لموقع (ارفع صوتك)، مبدئيا على ضرورة “توفير تعليم جيد وتوعية منظمة، وحل مشكلة الفقر خاصة في الأرياف، وتوفير دور رعاية للفتيات المعنفات، وقوانين رادعة للحد من تزويج القاصرات".

مليارات الدولارات

في تقرير للبنك الدولي صدر نهاية العام الماضي، فإن سنوات التعليم الأقل التي تقضيها القاصرات اللواتي يتم تزويجهن مبكرا تكلف اثنتي عشرة دولة نحو 63 مليار دولار.

ووفقا للتقرير الذي حمل عنوان “تعليم البنات والقضاء على زيجات الأطفال”، فإن 18 دولة من الدول العشرين الأكثر تأثرا بهذه الظاهرة تقع في أفريقيا.

وإلى جانب ترك التعليم، تواجه الفتيات اللواتي يتزوجن في سن مبكرة مخاطر صحية جمة، بينها توقف نمو الجسم، وعدم القدرة على تحمل أعباء الحمل والولادة، فضلا عن زيادة معدلات وفيات الأمهات والأطفال خلال هذه الفترة.

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.