تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إن هناك 12 مليون شخص من عديمي الجنسية حول العالم
تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إن هناك 12 مليون شخص من عديمي الجنسية حول العالم

"أريد أن يكون لي جذور.. أكاد أختنق"، بهذه الكلمات تختزل ريليا أبو لخانوفا، مرارة القهر التي يعيشها ملايين الأشخاص عديمو الجنسية حول العالم.

"انعدام الجنسية بالنسبة لي يعني أنني بلا هوية وبلا جذور وبلا وطن. عندما أخبر الآخرين أنني من عديمي الجنسية تبدو الصدمة على وجوههم وتنعدم ثقتهم بي ويتجاهلونني"، تقول السيدة التي كانت تتحدث عن مأساة هؤلاء الأشخاص في شريط تسجيلي بثته المفوضية العليا لشؤون اللاجئين سنة 2014، عندما أطلقت حملتها للقضاء على "انعدام الجنسية".

​​​

​​ولدت ريليا أبو لخانوفا في كازخستان قبل انتقالها إلى روسيا نهاية ثمانينيات القرن الماضي مع بدء تفكك الاتحاد السوفيتي، الذي كان البلدان ينضويان في كيانه الشاسع الذي ضم 15 جمهورية في الفترة ما بين عامي 1922 وحتى 1991.

وفي 21 ديسمبر 1991، أعلنت 11 جمهورية سوفييتية في مدينة ألماتي كبرى مدن كازاخستان عن قيام اتحاد الدول المستقلة، في خطوة قادت إلى إسقاط الاتحاد السوفييتي.

وذهبت كل محاولات ريليا من أجل إقناع السلطات الروسية بتجنيسها دون جدوى.

تقول "الأمر يبدو كأنك تحاول إثبات حقك في الوجود. هذا يبدو أشبه ما يكون بنبات بري بدون جذور".

12 مليون بدون جنسية

تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إن هناك 12 مليون شخص من عديمي الجنسية حول العالم.

ويجد هؤلاء أنفسهم محرومين من الهوية وكافة الحقوق الأساسية كالتعليم والصحة والوظائف.

وأطلقت المفوضية، في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، حملة عالمية لإنهاء حالات انعدام الجنسية بحلول عام 2024.

شارك في الترويج للحملة، التي حملت اسم #أنا_أنتمي، شخصيات سياسية ومشاهير من مختلف أنحاء العالم في مقدمتهم الممثلة الأميركية والمبعوثة الخاصة لمفوضية اللاجئين أنجيلينا جولي.

وقالت الأمم المتحدة إن أكثر من 166 ألف شخص عديم الجنسية حصلوا على الجنسية منذ بدء حملة "أنا أنتمي".

وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) أن "لكل فرد حق التمتع بجنسية ما. ولا يجوز، تعسفا، حرمان أي شخص من جنسيته ولا من حقه في تغيير جنسيته".

لكن رغم مرور أكثر من 70 عاما، ما يزال ملايين الأشخاص في العالم بدون جنسية.

وتعرف اتفاقية الأمم المتحدة بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية (1954م) عديم الجنسية بأنه "الشخص الذي لا تعتبره أية دولة مواطنا فيها بمقتضى تشريعها".

ودعت الاتفاقية الدول التي يوجد على أراضيها أشخاص عديمو الجنسية إلى أن توفر لهم الرعاية نفسها الممنوحة لمواطنيها، بما في ذلك حرية ممارسة الشعائر الدينية، ووضعا قانونيا معترفا به دوليا، والحصول على وثائق سفر ومستندات. لكن لا يعني ذلك بالطبع الحصول على جنسية.

ومنذ إطلاق حملة "أنا أنتمي"، أنشأت تسع دول إجراءات لتحديد حالات انعدام الجنسية أو حسنتها، وقامت 6 أخرى بإصلاح قوانين الجنسية، واعتمدت 9 دول خططا وطنية لإنهاء حالات انعدام الجنسية.​

​والجنسية علاقة قانونية بين الفرد والدولة، تتيح للأول التمتع بكامل الحقوق السياسية والمدنية.

وغالبا، يكتسب الأشخاص الجنسية تلقائيا عند الولادة، إما عن طريق والديهم أو من البلاد التي ولدوا فيها، أو عبر تقديم طلب بذلك.

"البدون" العرب

تأتي الكويت، من بين الدول العربية، في الصدارة من حيث عدد الأشخاص عديمي الجنسية الذين يطلق عليهم في المنطقة مصطلح "البدون".

ويشكل هؤلاء 100 ألف شخص تعود معاناتهم إلى أكثر من 50 عاما.

وتقول هيومن رايتس ووتش إن السلطات الكويتية تزعم بأن البدون هم "مقيمون غير قانونيين" أتلفوا قصدا جميع الدلائل على امتلاكهم جنسية أخرى بهدف الحصول على مزايا.

في السياق ذاته، تتحفظ السلطات الرسمية السعودية في الحديث عن أي إحصاءات بأعداد الأشخاص "البدون" على أراضيها، لكن الأمم المتحدة تقدر أن عددهم حوالي 70 ألفا.

وتجدد وثيقة الهوية المؤقتة التي يحصل عليها "البدون" في السعودية كل خمس سنوات.

ونقلت "رويترز" عن أحد البدون السعوديين، وينتمي إلى قبيلة عنيزة الكبيرة التي تسكن السعودية والعراق والكويت، قوله إنه "لا يستطيع ركوب طائرة أو الحصول على رخصة قيادة ولا يمكنه فتح حساب بنكي أو امتلاك منزل أو شركة".

الرجل الذي يعيش في الرياض أفاد للوكالة أن أقاربه اضطروا لتسجيل ممتلكاتهم بأسماء أصدقاء أو شركاء سعوديين.

وحتى نهاية العام الماضي، تشير إحصائيات إلى أنه هناك ما بين 4 إلى 5 ألاف شخص بدون جنسية في الأردن، ونحو 160 ألف شخص في سوريا حتى ما قبل اندلاع الحرب هناك (عام 2011)، معظمهم من الأكراد.

ويعتبر سكان القدس الشرقية (حوالي 300 ألف) في فلسطين من أفراد هذه الشريحة منذ عام 1967، حيث منحوا فقط هويات زرقاء وحرموا من الجنسية وجواز السفر الفلسطيني أو الإسرائيلي.

ويقدر عدد عديمي الجنسية في العراق، بحوالي 120 ألف شخص غالبيتهم من الكرد الفيليين. وفي الإمارات، بنحو 15 ألف.

ومن بين أفراد هذه الشريحة أبناء قبيلة "العزازمة" شرقي صحراء سيناء في مصر، الذين لا يتجاوز عددهم عن 5 آلاف شخص.

حروب وقوانين

تأتي الحروب، وما يترتب عنها من نزوح ولجوء، ضمن أهم مسببات حالات انعدام الجنسية.

في سنة 2017، تم تسجيل 2100 طفل على أنهم "عديمو الجنسية" في أوروبا عقب موجة اللجوء الهائلة، وهو ما يمثل زيادة بمقدار أربع مرات مقارنة بعام 2010.

وفي أوروبا، يُقدر أن أكثر من نصف مليون شخص هم من عديمي الجنسية.

ومن بين أهم الأسباب أيضا، تفكك الدول ونشوء دول أخرى كالذي حصل مع الاتحاد السوفيتي، والتمييز ضد مجموعات إثنية أو دينية أو سياسية.

وفي بعض الدول، تحرم القوانين الأطفال مجهولي النسب من اكتساب الجنسية.

ولا تسمح التشريعات التمييزية للمرأة في حوالي 25 دولة حول العالم بمنح جنسيتها لأطفالها.

ومن بين هذه الدول، كافة الدول العربية مع استثناءات قليلة مثل العراق، وموريتانيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، ومصر، واليمن، التي تسمح تشريعاتها للنساء والرجال بتوريث الجنسية للأبناء، بما في ذلك المرأة المتزوجة من رجل أجنبي شريطة أن تكون الولادة داخل الدولة.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".