الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس التنفيذي لفيسبوك مارك زوكربيرج/الصورة عن حساب الأخير في فيسبوك
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس التنفيذي لفيسبوك مارك زوكربيرج/الصورة عن حساب الأخير في فيسبوك

مبادرة تحمل اسم "نداء كرايست تشيرش" دعت إليها رئيسة الوزراء النيوزيلاندية جاسيندا أرديرن الأربعاء 15 أيار/مايو، بعد المجزرة التي وقعت في هذه المدينة النيوزيلاندية في آذار/مارس 2019، حين قام رجل من المنادين بتفوق العرق الأبيض بإطلاق النار في مسجدين ما أدى إلى مقتل 51 شخصا. وبث الهجوم مباشرة على فيسبوك من كاميرا مثبتة على رأسه.

هذه المبادرة تأتي بالتزامن مع إعلان مجموعة فيسبوك، التي واجهت انتقادات شديدة لتأخرها في حذف شريط الفيديو الذي انتشر بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، تشديد القيود على استخدام خدمتها للبث المباشر لمنع التشارك الواسع لتسجيلات عنيفة.

اجتماع في باريس

في باريس، يستقبل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ونظيرته النيوزيلاندية أرديرن قادة آخرين من العالم وأبرز مسؤولي شركات التكنولوجيا لإطلاق مبادرة جديدة واعدة تهدف الى مكافحة التطرف على الإنترنت.

ويحضر هذا الاجتماع في قصر الإليزيه رؤساء دول وحكومات مثل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس السنغال ماكي سال ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ومدراء شركات عملاقة في التكنولوجيا الرقمية بينها غوغل وتويتر وفيسبوك.

ولن يحضر مؤسس فيسبوك مارك زاكربرغ شخصيا وسيمثله مدير آخر من عملاق منصة التواصل الاجتماعي. وكان ماكرون استقبله الجمعة لبحث سبل مكافحة خطاب الكراهية على الإنترنت.

وقالت الرئاسة الفرنسية إن القلق المشترك لدى كل المشاركين هو كيفية "مطالبة الدول وكبريات الشركات الرقمية بالتحرك ضد الإرهاب والتطرف العنيف على الانترنت".

وسيطلب من المشاركين تنفيذ تعهدات لوقف المضمون الإرهابي والعنيف على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات إلكترونية أخرى.

ويعقد اللقاء السياسي في موازاة مبادرة أطلقها ماكرون لجمع حوالي 80 مسؤولا من شركات تكنولوجيا في باريس لإيجاد سبل توظيف التكنولوجيا الجديدة من أجل المصلحة العامة.

وتأتي القمة فيما تتزايد الدعوات لوقف استغلال المتطرفين وسائل التواصل الاجتماعي.

"رد على مستوى العالم"

وفي مقابلة نشرتها الثلاثاء صحيفة "لوموند" الفرنسية، قالت رئيسة الوزراء النيوزيلاندية إن هذه المأساة أثارت صدمة لأن الهجوم "أعد لكي ينتشر بسرعة كبرى"، مضيفة أن "فيسبوك الذي استخدم كمنصة لبثه مباشرة حاول حذف الفيديو، لقد تم حذفه 1,5 مليون مرة".

وتابعت أنه في مواجهة مثل هذه الظاهرة "لا يمكننا التحرك لوحدنا على مستوى بلد، يجب تقديم رد على مستوى العالم".

ويشاطرها في هذا الرأي الرئيس الفرنسي الذي وضع مع رئيسة الوزراء النيوزيلاندية "نداء كرايست تشيرش" الذي انضم إليه حوالي عشرين رئيس حكومة.

تشديد القيود على خدمة البث المباشر

وتزامنا مع القمة أعلن نائب رئيس شؤون النزاهة لدى مجموعة فيسبوك غاي روزن عن تشديد القيود على خدمة البث المباشر.

وقال إن الأشخاص الذين خالفوا قواعد معينة بينها تلك التي تمنع "الاشخاص والمنظمات الخطيرة" سيحرمون من استخدام خدمة فيسبوك لايف للبث المباشر.

ويتم المنع من خلال تطبيق سياسة "ضربة واحدة"، التي تمنع من ينتهك سياسات خطيرة من استخدام هذه الخاصية بعد مخالفة واحدة.

وستتضمن تلك المخالفات مشاركة رابط لجماعة إرهابية من دون كلام، بحسب روزن، الذي أضاف "نعتزم تمديد هذه القيود إلى قطاعات أخرى في الأسابيع القادمة، بدءا بمنع أولئك الأشخاص نفسهم من تصميم إعلانات على فيسبوك".

وقال إن الابتكار التقني ضروري لتجاوز "التلاعب العدائي لوسائل الإعلام" الذي شاهدناه بعد مجزرة كرايست تشيرش، كتعديل المستخدمين فيديوهات لتخطي  الفلاتر.

وواجه موقع فيسبوك تحديات في الأيام التي تلت هجوم نيوزلاندا، أحدها "انتشار العديد من التسجيلات للهجوم بمعطيات مختلفة"، وفقا لروزن الذي أوضح أن "عددا من الأشخاص -- ليس بشكل مقصود دائما -- تشاركوا نسخا معدلة لتلك التسجيلات، ما جعل من الصعب على أنظمتنا رصدها".

"خطوة أولى جيدة"

ورحبت رئيسة وزراء نيوزيلندا بتلك الخطوة ووصفتها "بخطوة أولى جيدة".

وأضافت إن "إرهابي 15 آذار/مارس سلط الضوء على سهولة إساءة استخدام البث المباشر لنشر الكراهية. لقد قامت فيسبوك بخطوة أولى ملموسة لوقف تكرار ذلك العمل على منصتهم".

وأعلنت مجموعة فيسبوك تخصيص 7,5 مليون دولار في شراكات بحثية مع ثلاث جامعات أميركية، لتحسين تكنولوجيا تحليل الصورة والفيديو.

ويأتي ذلك فيما تعكف فرنسا على إعداد قانون يرغم شبكات التواصل الاجتماعي على سحب المضمون الذي يبلغ عنه في غضون 24 ساعة تحت طائلة دفع غرامة باهظة. وترغب باريس في ترويج هذه المبادرة على المستوى الأوروبي.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية/ وسائل التواصل الاجتماعي

"كيف أقنع طفليّ بالابتعاد عنّي كلمّا هرعا لحضني؟"، تقول الشابة العراقية المقيمة في فرنسا (هـ.ج)  بعد ثبوت إصابتها بمرض كوفيد-19.

ومن حجرها الصحّي في غرفتها المغلقة أمام طفليها لتحميهما من عدوى فيروس كورنا المستجد، تضيف (هـ.ج) لـ"ارفع صوتك": "معاناتي يومياً معهما  (عامان و٤ أعوام)، حيث يقفان على باب الغرفة ويتوسّلان إليّ لأدخلهما".

وتم التحفّظ على ذكر اسمها بناء على رغبتها، خصوصاً أنها ما زالت تخفي الأمر عن أفراد عائلتها في العراق.

"عندما يفك حظر التجوّل، أعلم بأنني سأذهب إلى حبيبي سريعاً حتى أراه هو ولا أحد غيره"، تقول الشابة تبارك من بغداد. 

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "لم أره من قبل الحظر وجاء الحظر مفاجئاً لنا. ٣٠ يوماً مضت دون أراه".

الشاب ياسين التميمي من بغداد أيضاً، لكنه مقيم في إسطنبول الآن، يقول "أفتقد صديقي جداً، مرّ أسبوعان من الحجر المنزلي دون أن أراه. اعتدت لقاءه مرتين أسبوعياً قبل الكورونا".

يضيف "أخشى السفر إليه وأخشى على عائلته" مردفاً "هذه هي المرة الأولى التي أُجبَر فيها على عدم الخروج مع الأصدقاء، أشعر بالاختناق، أعتقد أنني سأكسر الحظر قريباً".

"مشتاقينلها هواية، علاقتنا قويّة جداً بها"، تقول الشابة هاجر من مدينة الرمادي (مركز الأنبار) عن جدّتها لأمها، حيث حال حظر التجوّل دون زيارة العائلة من أبناء وأحفاد الجدّة دون زيارتها منذ شهر تقريباً.

إذن، أكثر من أسبوعين بعيداً عن الأهل والأحبّة، تضيف لأصحاب القصص السابقة، قلقاً وتوتراً والمزيد من الضغط النفسي، جرّاء استمرار الحظر والعزلة لأمد غير محدّد، لكنّه ليس النهاية. 

فلكلّ من (هـ.ج) وتبارك وياسين وهاجر، طريقتها/ طريقته في التحايل على المسافة والتقليل حد الإمكان من التداعيات النفسيّة والعقليّة لها. 

"يساوي تناول الطعام"

يقول الأميركي جوشوا مورجانشتاين، وهو طبيب نفساني  وخبير في مجال الصحة العقلية أثناء الكوارث جامعة الخدمات الموحدة بولاية ماريلاند: "بالنسبة لبعض الناس، فإن الافتقار إلى الترابط الاجتماعي يبدو مؤثراً مثل عدم تناول الطعام".

جاء ذلك في مقال نشرته المجلة العلمية الأميركية "Science News"، الأحد الماضي، يحذر من تداعيات مسافة الأمان الاجتماعية من العدوى والعزلة المطوّلة، على صحة الأفراد النفسية والعقلية.

واعتمدت في بنائها على مراجعة "لانست" لـ٢٤ بحثاً ودراسة بعنوان "الأثر النفسي للحجر الصحي وطرق تقليله"، في محاولة لتلافي ما يمكن أن ينتج عن العزلة الاجتماعية الممتدة لأجل غير مسمّى، بسبب جائحة كوفيد-19.

والدراسات الـ٢٤ بحثت في الصحة النفسية والعقلية للأشخاص المعزولين، خلال تفشي أمراض وأوبئة سابقة مثل "السارس وأنفلونزا H1N1 والإيبولا" منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وقد عانى  العديد منهم مشاكل في الصحة العقلية على المدى القصير والطويل، تمثلت بالإجهاد والأرق والضغط النفسي والاكتئاب وتعاطي المخدرات أو الكحول.

مثلاً، بحثت دراسة في آثار تفشي السارس عام 2003، أجريت على 549 عاملا في مستشفيات العاصمة الصينية بكين، أفاد المعزول منهم والعاملون تحت ظروف خطرة جداً، عن مستويات أعلى من تعاطي الكحول بعد ثلاث سنوات من العمل، مقارنة بعاملين في مجالات أقل خطورة.

وحسب مراجعة "لانست" البحثية، فإن عديداً من العوامل تساهم في زيادة تأثير الحجر الصحّي على الصحة النفسية، مثل تمدّد الحجر زمنياً لأكثر من ١٠ أيام، وغياب المعلومات المتعلقة بأسباب الحجر وأهميته، وعدم الوصول إلى الإمدادات الأوليّة وخدمات الاتصالات.

يقول الكاتب المشارك في المراجعة نيل غرينبرغ، وهو طبيب نفسي في كلية "الملك" البريطانية،  إن التخفيف من هذه المخاطر يمكن أن يقلل من احتمالية حدوث مشكلات في الصحة العقلية.

ويشير إلى التأثير السلبي حتى على غير الخاضعين للحجر الصحّي في عدة بلدان لم تفرض حظر التجوّل على مواطنيها، وذلك بسبب مسافة الوقاية الاجتماعية بين بعضهم البعض، أو تجنّب النزهات المنظمة.

في ذات السياق، يقول الطبيب النفساني  دامير هيرموفيك إن "عزل الناس عن بعضهم البعض لأشهر يعني أن الآثار الثانوية للوباء، مثل الركود والاضطرابات الاجتماعية والبطالة، يمكن أن تؤدي إلى تحدّيات صحية عقلية غير متوقعة وواسعة النطاق".

ويتابع هيرموفيك وهو مؤلف ومحرر مشارك لكتاب "الطب النفسي للأوبئة": "آمل بصدق ألا نصل إلى هذه المرحلة".

 

هل من وسائل حماية؟

تقول (هـ.ج) البالغة من العُمر ٣٤ عاماً "بعض أفراد عائلتي ممّن يعلمون بإصابتي بكوفيد-19 يحثونني على عدم القلق والخوف لأنه يضعف المناعة، لكنه ليس بالأمر السهل، فكيف لي ذلك وأنا مصابة بفيروس يخيف العالم أجمع ويهدد حياة ملايين البشر؟!".

من جهتها، تلجأ تبارك إلى الرسائل المكتوبة والمكالمات الصوتية مع حبيبها، كي تحافظ على العلاقة بينهما من أن يأكلها الغياب.

تقول تبارك التي تتمنى أي فرصة لقاء  حتى لو كلفتها الإصابة بالعدوى "نتشارك عبر الاتصّال أفكارنا وتوجهاتنا وتهوين البعد بأسبابه القاهرة".

"نحن حريصان على بعضنا، أنصحه دوماً بالبقاء في بيته وعدم زيارة أقاربه، وأخذ الحجر الصحي على محمل الجد، ويملأ وقته داخل المنزل بالنشاطات".

بينما تحافظ هاجر وعائلتها على التواصل مع جدّتها يومياً عبر مكالمات صوت وفيديو، تقول "جدتي حريصة أكثر منّا، هي واعية بالأزمة وتنتظر انتهاءها كي نلتقي معاً".

في المقابل، يصبّر ياسين نفسه بمحادثات هاتفية مع أصدقائه وخصوصاً المقرّب منه الذي يسكن مدينة أخرى بعيداً عنه، لكنّه غير مكتف بذلك، يقول "يحزنني الأطفال إذ تعودت على التواصل المباشر معهم وجلب الهدايا الصغيرة التي تفرحههم، وهذا ما ينقص التواصل عن بُعد".

هل يمكن للتكنولوجيا المساعدة في تعويض بعض سلبيات الابتعاد الاجتماعي؟ورد هذا السؤال في مقال لـ مجلة "العلوم" التابعة للرابطة الأميركية لتقدّم العلوم (AAAS). 

يقول العالم الاجتماعي والطبيب في جامعة "ييل" الأميركية نيكولاس كريستاكيس: "نحن محظوظون لأننا نعيش في عصر تسمح لنا التكنولوجيا فيه برؤية أصدقائنا وعائلتنا وسماعهم، حتى من مسافة بعيدة".

ويضيف "يمكن أن تساعد الرسائل النصية والبريد الإلكتروني والتطبيقات مثل Skypeو FaceTime الأشخاص على البقاء على اتصال".

ومع ذلك ، فإن "أنماط التواصل هذه لا تحل محل التفاعلات وجهاً لوجه" حسبما يقول عالم السلوكيّات في جامعة أريزونا الأميركية كريس سيغرين.

ويتابع القول "في هذا النوع من التواصل يمكن أن تضيع الكثير من التفاصيل الدقيقة للغة الجسد وتعابير الوجه والإيماءات، لكنها على الأقل أفضل بكثير من عدم التفاعل".

ويؤكد سيغرين في نفس الوقت على وجود "تنوع فردي هائل في قدرة الناس على التعامل مع العزلة الاجتماعية والتوتر"، بالتالي لن تنعكس آثارها على الجميع بشكل مماثل، علماً بأن الشخص الذي يعاني أساساً من القلق الاجتماعي أو الاكتئاب أو الوحدة أو إدمان الكحول والمخدرات، سيكون معرضاً بشكل أكبر من غيره للأضرار النفسية والعقلية.

من جهته، تقول جوليان هولت لونستاد، وهي باحثة نفسيّة في جامعة بريغهام الأميركية "يمكن لأي شخص منّا أن يلتقط هاتفاً ويتصل لرؤية ما يفعله الناس وما قد يحتاجونه".

وتشير  إلى أن الأبحاث حول الإيثار وجدت أن تقديم الدعم يمكن أن يكون أكثر فائدة من تلقّيه، مضيفةً "مساعدة الآخرين تساعدنا على الشعور باستمرار التواصل".

"كما يمكن أن تلهمنا تجارب الآخرين الرازعين تحت حظر التجوّل، كالذين يغنّون ويعزفون الموسيقى عبر النوافذ المفتوحة في إيطاليا، للحفاظ على الروح المعنوية. هذا ما نحتاجه بالضبط" يقول عالم النفس التطوّري في جامعة أكسفورد روبن دنبار .