صورة من مخيم الهول في سوريا
صورة من مخيم الهول في سوريا

مع استمرار النزاعات والحروب التي تعصف بالمنطقة، تتضاعف الآثار السلبية التي تلحق بالبيئة يوما بعد آخر.

آخر حلقات هذا المسلسل قيام تنظيم داعش بسلسلة عمليات إحراق واسعة للمحاصيل الزراعية في سوريا والعراق.

وتعتمد الأمم المتحدة يوم 5 حزيران/يونيو باعتباره اليوم العالمي للبيئة، حيث ترى المنظمة الدولية حماية البيئة البشرية مسألة رئيسية تؤثر في رفاه الشعوب والتنمية الاقتصادية في كل أنحاء العالم.

لكن حماية البيئة لا تعتبر أولوية في حالة الحروب. ويدمر تسرب المواد المشعة الناتجة عن الذخائر المستخدمة التربة ويجعلها غير قادرة على الإنتاج. ويتسبب بظهور أمراض كثيرة، بعضها غامض.

​​في سوريا، قصف الجيش النظامي منذ عام 2011 مدنا وبلدات بالبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والارتجاجية والباليستية، وهو متهم أيضا باستخدام القنابل المحملة بغازات سامة بما فيها غاز السارين القاتل.

واستهدف النظام أراض زراعية بقنابل حارقة أدت لإتلاف المحاصيل وحرقها وإلحاق أضرار كبيرة بالتربة خاصة في مناطق أرياف حلب وحماة ودرعا وريف دمشق.

وطال القصف والمواجهات مجاري الأنهار ومحطات تنقية المياه ومحطات استخراج المياه الجوفية.

ومن أبرز جوانب الأزمة البيئية في سوريا انتشار نفط المصافي غير القانونية التي تجاوز عددها بنهاية 2017 أكثر من 10 آلاف مصفاة، في جميع أنحاء البلاد، وفقا لتقرير صادر عن منظمة السلام الهولندية “باكس”.

وقالت المنظمة “بسبب القصف ونقص الموظفين الذين فروا أو غادروا البلاد، خفضت مصافي النفط المحترفة إنتاجها ليقابله ارتفاع الطلب على الوقود”.

جهد حكومي خجول

في العراق، تعد مدينة الموصل الأكثر تضررا بيئيا بسبب ما شهدته من معارك وقصف خلال سيطرة تنظيم "داعش".

ونهاية عام 2017، قدرت الأمم المتحدة كمية الحطام الناتج عن النزاع في الموصل بـ11 مليون طن.

يؤكد محمد الحاج، وهو صحافي عراقي يقطن في الموصل، أنه "بعد تحرير المدينة من داعش كان هناك جهد حكومي خجول مقارنة بحجم الدمار.. الدور الأهم في انتشال الجثث ودفنها لعبته فرق تطوعية معظمها من الشباب".

ويضيف الحاج عبر الهاتف من الموصل لموقع (إرفع صوتك) "بحسب إحصائيات غير رسمية ما زال هناك قرابة 3 آلاف شخص في عداد المفقودين يقبعون تحت أنقاض مدينة الموصل القديمة ويصعب استخراج جثتهم".

حرق آبار نفط

حتى قبل سيطرة داعش تضررت البيئة العراقية نتيجة مخلفات ثلاثة حروب، ما أدى إلى ضعف الإدارة البيئية، زادت من حدة وطأتها فترات جفاف متتابعة.

وشهدت السنوات الأخيرة قتالا عنيفا حول مصافي النفط في المناطق الشمالية، خلف تلوثا شديدا، وأحرق داعش آبار نفط، ولوث أبار المياه، ودمر خطوط الأنابيب، خاصة عندما بدأ الجيش العراقي بهزيمة التنظيم الإرهابي.

نفط البصرة يلوث بيئتها/إرفع صوتك

​​

وكانت أكثر المناطق تضررا جبال حمرين التي اشتعلت فيها نيران حقلين نفطيين لمدة عامين، وحقل بيجي على نهر دجلة الذي تعرضت مصفاته لضرر شديد، كما تعرضت البنية التحتية في مدينة كركوك للهجمات.

البيئة العراقية كانت أيضا ضحية لضربات طيران التحالف الدولي ضد داعش، الذي ساهمت ضرباته الجوية في تسرب النفط وتدمير البنية التحتية، فضلا عن التلوث الذي أحدثه الإرهابيون كإشعال النيران في مصنع للكبريت تسبب بمئات المصابين والقتلى نتيجة انبعاث غازات سامة، وتعرضت الأراضي الزراعية والمياه لمخاطر جسيمة نتيجة ذلك.

سموم إلى باطن الأرض

في اليمن، تشكل كومة نفايات هائلة (يقدر وزنها بـ10 ملايين طن) خارج العاصمة صنعاء الخطر البيئي الأبرز. وتتسرب منها نفايات سامة إلى المياه الجوفية المتناقصة.

ومنذ أن قصفت طائرات التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن عام 2015 المحطة الرئيسية لمعالجة النفايات في منطقة الأزرقين شمالي العاصمة، لم تعد صنعاء قادرة على فصل المواد الأكثر خطورة بما فيها النفايات الطبية الخطرة من الكومة.

وتواجه اليمن بالفعل، مشكلة رئيسية تفاقمت خلال الحرب المستمرة منذ 2015، تتمثل في إدارة النفايات والتي تشكل خطرا حقيقيا على الصحة العامة.

طفل يمني يستند إلى حائط قرب نفايات في شارع صنعاء

​​

ويعزو علي الذبحاني، وهو خبير يمني متخصص في البيئة والسلامة الكيميائية، جزءا من انتشار الأمراض المعدية كالكوليرا وحمى الضنك إلى النفايات الملوثة ومخلفات الحرب الأخرى بما تحتويه من مواد كيميائية خطرة.

وأضاف الذبحاني لموقع (ارفع صوتك) "لا يقتصر هذا على اليمن فحسب بل يشمل سوريا وليبيا والعراق لكن في اليمن لدينا أمثلة واضحة تمثلت بانتشار عديد الأمراض إلى جانب ما سبق كالسل والفشل الكلوي والكبد.."

وأشار أن حرق هذه النفايات وعدم إدارتها بالشكل الأمثل "يرفع نسبة الديكسيونات والفيرونات المسرطنة".

والاشعاع النووي المستخدم في الحروب يضاعف من مرضى السرطان وحالات الولادات المشوهة والتشوهات الخلقية لمواليد بشرية وحيوانية ونباتية.

ويدعو الذبحاني إلى ضرورة "توفير الخبرات والتحرك الفوري والجاد من قبل حكومات هذه البلدان والمنظمات الدولية لوضع الحلول الناجعة قبل أن تصل هذه البلدان لمالات كارثية على المدى الطويل".

كارثة حقيقية

في آيار/مايو أطلقت منظمة اليونيسيف، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والمركز الوطني الليبي لمكافحة الأمراض مبادرة لتقييم وضع المياه وجودتها، ووضع الصرف الصحي والنظافة في المدارس الليبية.

وخلصت نتائج المبادرة التي شملت 140 مدرسة في غرب وشرق وجنوب ليبيا، إلى أن 30% من المياه في المدارس طالها التلوث بالنترات بمستويات عالية ناهيك عن البكتيريا الضارة.

وتضررت الحياة البرية بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في ليبيا عام 2011، وبعد موجة انتشار الأسلحة هناك.

وتعرضت البلاد لكوارث بيئية سببتها القنابل والغازات التي استخدمتها طائرات حلف شمال الأطلسي “الناتو”، والفصائل المتحاربة طوال فترة الأزمة ودخان الزيت الأسود المنبعث من احتراق خزانات النفط المستهدفة.

حريق في منشأة نفطية بمنطقة رأس لانوف شمال ليبيا - أرشيف

​​إضافة لذلك، الكارثة الحقيقية التي ستظل آثارها الخطيرة قائمة لسنوات طويلة تتمثل في تسرب مياه الصرف الصحي والصناعي واختلاطها بمصادر مياه الشرب.

فمن بين 600 عينة مياه آبار في طرابلس، 37% منها غير صالحة للشرب، بحسب دراسة أجرتها مجموعة بحثية بكلية العلوم بجامعة طرابلس أواخر عام 2013، علما أن نطاق الحرب ازداد اتساعا وشراسة في السنوات الأخيرة.

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Annual haj pilgrimage in Mecca
صورة حديثة من موسم الحج هذا العام 2024- رويترز

قرابة الألف حاج لقوا حتفهم بسبب درجات الحرارة المرتفعة التي لم تتحملها أجسادهم وهم يؤدّون المناسك الشاقة في مكة هذا العام.

بحسب تقديرات دولية، فإن أغلب المتوفين كانوا مصريين بعدما تجاوز عددهم 658 ضحية بسبب الحر، وكان البقية من إندونيسيا والهند والأردن وتونس وإيران.

تذكرنا هذه الوفيات بوقائع شهدتها مواسم حج سابقة، أدت لمصرع مئات الحجيج، لأسباب متعددة، هذه أبرزها.

 

1- نفق المعيصم

في يوليو 1990 وقع تدافع كبير بين الحجاج داخل نفق المعيصم قرب مكة، أدى إلى وفاة 1426 حاجاً معظمهم من الآسيويين.

خلال هذا الوقت كان النفق قد مرَّ على إنشائه 10 سنوات ضمن حزمة مشروعات أقامتها المملكة السعودية لتسهيل أداء المشاعر المقدسة، شملت إنشاء شبكة واسعة من الطرق والجسور والأنفاق.

السبب الأكثر شيوعاً بحسب ما تداولت وسائل إعلامية آنذاك، هو حدوث عطل في نظام التهوئة داخل النفق، لكن السُلطات الرسمية نفت ذلك.

في صبيحة يوم الحادث -أول أيام عيد الأضحى- احتشد داخل النفق حوالي 50 ألف حاج كانوا في طريقهم لأداء شعيرة رمي الجمرات، سقط بعضهم بسبب التزاحم، الأمر الذي أحدَث حالة من الذعر وسط بعض حشود الحجاج، ما دفعهم لمحاولة الخروج عنوة فوقع التدافع المميت، حسب الرواية التي أعلنتها السُلطات السعودية وقتها.

لاحقًا جرت أعمال تطوير على الجسر وتحويله إلى نفق مزدوج لمنع تكرار هذه الكارثة.

2- مظاهرة الإيرانيين

في عام 1987 إبّان حُكم الثورة الإسلامية، حاولت مجموعة من الحجاج الإيرانيين تنفيذ تعليمات آية الله الخميني بإقامة ما أسماه "مراسم البراءة" وشملت هتافات تهاجم أميركا وإسرائيل وتدعو المسلمين للتوحد.

اعتبرت السُلطات السعودية هذه الطقوس "مظاهرة غير مرخصة" فتدخلت أجهزة الأمن للتعامل معها، مما أسفر عن اشتباكات بين الطرفين أدّت إلى حادث تدافع في مرحلة لاحقة.

انتهت هذه الأحداث بمقتل 402 حاج من بينهم 275 إيرانياً و85 رجل أمن سعودياً وإصابة 649 فردا، بحسب الحصيلة الرسمية المعلنة.

3- حوادث مِنى

في أبريل 1997، ونتيجة اشتعال النيران في خيام الحجاج المتجمعين في مِنى نتيجة استخدام سخّان يعمل بالغاز، قُتل 340 فرداً وأصيب 1500 آخرين.

كرّر هذا الحادث المأساة التي سبَق أن وقعت في ديسمبر 1975 حين اندلع حريق ضخم داخل مخيم للحجاج بسبب انفجار إحدى أسطوانات الغاز، الأمر الذي أدّى إلى مقتل 200 فرد.

بسبب هذين الحادثين تقرر الاعتماد على خيام مُصنّعة من موادٍ غير قابلة للاشتعال كما مُنع استعمال سخانات الغاز خلال أداء المناسك.

4- جسر الجمرات

في مايو 1994 وقع تدافع بين الحجاج خلال عبورهم فوق جسر الجمرات بمنطقة منى في مكة، ما أدى لوفاة 270 حاجاً.

بعدها بأربع سنوات تكرّر التدافع بين الحجاج خلال رمي الجمرات، ما أدى لمصرع 118 فرداً وإصابة 180 آخرين.

5- طريق جسر الجمرات

في سبتمبر 2015 قُتل أكثر من 2230 شخصاً بعدما وقع ازدحام كبير نتيجة تداخل موجتين كبيرتين من الحجاج وصلتا في نفس الوقت إلى تقاطع طُرق في منى خلال سيرهم نحو جسر الجمرات، ليقع أسوأ حادث عرفه موسم الحج خلال 25 عاماً سبقت هذا العام.

بحسب ما ذكرته السُلطات السعودية حينها، فإن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة أدى إلى زيادة الخسائر في الأرواح.

سبَق أن وقعت تلك المأساة في 2006 حين تُوفي 362 حاجاً قبل وصولهم جسر الجمرات بعدما حدث تدافع كبير بينهم عند المدخل الشرقي للجسر.

أيضاً في فبراير 2004 حدث تدافع كبير قرب الجسر، أسفر عن وفاة 251 حاجاً.

6- رافعة الحرم

في 2015 انهارت رافعة ثُبتت فوق المسجد الحرام خلال تنفيذ مشروع ضخم لتوسعته، كانت تنفذه شركة "بن لادن" السعودية منذ أواخر 2012.

وبتأثير الأمطار الغزيرة والرياح العاتية التي اجتاحت المكان، سقطت الرافعة فوق رؤوس الحجاج، لتقتل 110 حجاج وتتسبب في إصابة 209 آخرين.

بسبب هذا الحادث تقرر وقف إسناد مشاريع حكومية لشركة "بن لادن"، كما أمر الملك سلمان بن عبد العزيز بصرف مليون ريال تعويضاً لكل حالة وفاة ونصف مليون ريال لكل مصاب.