صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

أثارت مقاطع فيديو نشرها شاب عراقي لطفلة، قال إنها ابنته، ردود فعل متضاربة بين مؤيد ومعارض.

في جميع المقاطع، المنشورة على مجموعات مغلقة عراقية في فيسبوك، تظهر طفلة بشعر أصفر وعينين زرقاوين (تبدوان عدسات لاصقة) تحيطهما آثار التعب، وتتكلم كأنها دائخة. 

تظهر الطفلة متعبة، حائرة، تغضب فجأة، تصمت، تدير وجهها عن الكاميرا، تصرخ في وجه لا نراه، لا يتكلم إلا نادراً.

وفي فيديو آخر، ينضم شاب عراقي للمحادثة للتأكد من أن الطفلة راضية عمّا يحدث، وبأنها ابنة ذلك الشاب بالفعل، كما شكك المتابعون بالصورة الشخصية له في صفحته، التي أغلقها بعد الجدل وأنشأ أخرى جديدة. 

انقسم المتابعون بين متفرج على البث المباشر، ينتظر الطفلة أن ترقص أو تغني، وآخر يرفض هذا السلوك، وبعد إشعال الجدل من قبل ناشطات وناشطين عراقيين في مواقع التواصل، انقسم المتابعون مجدداً بين من يرى سلوك الأب حرية شخصية وآخر يراه انتهاكاً على الطفولة.​

​ إذا نظرنا للقوانين الناظمة في العراق سواء للأحداث أو الأسرة أو الجرائم الإلكترونية، لن نجد أياً منها يتطرق للتعامل مع الأطفال في مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعل الجهات الأمنية -أحياناً- مكبّلة اليدين أمام حالات مشابهة، خصوصا أن الأطفال مسؤولية ذويهم، والتدخل بين الطرفين لا يقع إلا نادراً. 

وبعيداً عن مواقع التواصل، نجد المادة "41" من قانون العقوبات العراقي، وتسمح بضرب الآباء لأبنائهم والأزواج لزوجاتهم:

المادة 41 من قانون العقوبات العراقي الساري منذ عام 1969

​​مقارنة بدول أخرى

نجد الكويت حققت قفزة عن الدول العربية بشأن تنظيم نشاط الأطفال وتعامل ذويهم معهم في مواقع التواصل الاجتماعي. 

ففي عام  2018، أمر المحامي العام المستشار مبارك عدنان الرفاعي باعتماد سلسلة ضوابط من شأنها توفير الحماية للأطفال من المخاطر المحتملة في مواقع التواصل، أعدتها اللجنة الوطنية العليا لحماية الطفل إنقاذاً للقانون رقم 21 لسنة 2015 بشأن حقوق الطفل، وقانون الأحداث الصادر بالقانون رقم 111 لسنة 2015 المعدل بالقانون رقم 1 لسنة 2017، حسبما نشرت وسائل إعلام كويتية.

وفي مقدمة هذه الضوابط حظر استخدام الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 13 عاماً لجميع وسائل التواصل الاجتماعي المعروفة، عدا تلك المخصصة للأطفال، ثم تحديد أي أطفال يقل سنهم عن الـ13 عاما قانوناً، ومساءلة أولياء أمورهم.

ونشرت جريدة "الجريدة" الكويتية عبر موقعها الإلكتروني جميع الضوابط الناظمة، مع توضيحات لها، نذكر منها:

1- الالتزام بالحد الأدنى للعمر المسموح به لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وهو 13 سنة.

2- عدم نشر صور أو فيديوهات تنتهك خصوصية الطفل.

3- عدم نشر صور أو فيديوهات للأطفال لا تتناسب مع الآداب العامة.

4- عدم استغلال الطفل لكسب الشهرة.

5- عدم تعريض الطفل للشهرة في سن مبكرة.

6-  يمنع التصوير بغرض النشر لصور او مقاطع فيديو كوميدية أو ساخرة للطفل أو محرجة فيها استهزاء او سخرية من وعلى الطفل.

لقراءة جميع الضوابط والتوضيحات المرفقة بهذه الضوابط، اضغط/ي هنا 

هذا يقودنا للفيديو الذي نشرته عارضة الأزياء الكويتية فينيسيا المعروفة بأم ريان، على حساب "سناب شات" الخاص فيها، أثناء تبليغها طفلها وفاة جدته، وأحدث ضجة كبيرة في مواقع التواصل ووسائل الإعلام العربية.

ونشرت وسائل إعلام عربية إحالتها للنيابة العامة ومحاكمتها بناء على مخالفتها الصريحة الضوابط القانونية المشار إليها أعلاه، إلا أنها نفت هذا الأمر، وبررت موقفها بأن الطفل ابنها وهي تفعل معه ما تشاء، ولم تشعر بالشفقة حياله، وعدم إظهار مشاعر حزن كبيرة على وفاة والدتها ما هو إلا إيمانها بعجلة الحياة السريعة بحيث لا يعيقها أو يوقفها شيء مثل وفاة عزيز عن عملها اليومي.

وقالت فينيسيا "أنا أصوّر كل شيء منذ الخامسة فجراً حتى الواحدة فجراً، هذا نمط حياتي. حياتي كلها مستباحة ومكشوفة، بأي حق تحاسبونني؟" كما قارنت تبليغ ابنها بوفاة جدته بإعلانات "البامبرز" التي يظهر فيها أطفال.

وكانت مقابلتها في البرنامج الشهير "كلام نواعم" أكثر إثارة للجدل من الغضب الذي احتدم نحوها في وسائل التواصل، حيث اعتبر الكثير من المشاهدين للمقابلة أن المذيعات لم يحسنّ طريقة سؤالها وقُمن باستفزازها لتقول ما قالته.

​​وبالنظر إلى محتوى حساب الإنستغرام الخاص بفينيسيا (يتابعها فيه أكثر من مليون ونصف)، نراها تصوّر ابنها في حالات مختلفة وبشكل شبه يومي، أحياناً فيديو وأخرى بالصور وضمن الـStory.

يقول أستاذ علم النفس في جامعة الكويت موسى الرشيدي إن "تصوير الأطفال في لحظات ضعفهم وانتهاك خصوصيتهم والاستعراض السلبي بهم من قبل بعض المشاهير أمرٌ مرفوض، فهذا يؤثر سلباً على الطفل طوال حياته".

ويضيف أن "مواقع التواصل دفعت بعض الأفراد إلى استفزاز المجتمع لزيادة شعبيتهم وجماهيريتهم بنشر مقاطع غريبة وبعضها مؤذ"، وفق ما نشرت جريدة "القبس" الكويتية.

​فهل يمكن اعتبار استمرار فينيسيا بفعل ما يبدو مخالفا للضوابط المعلنة، عدم تطبيق القانون بالشكل الصارم الذي حملته صيغة بنود الضوابط؟

هل تقوم الإمارات بخطوة مشابهة؟

نهاية نيسان/ أبريل الماضي، طالب رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لحماية الطفل، فيصل محمد الشمري، بوضع ضوابط تحفظ حقوق الأطفال نفسياً واجتماعياً ومالياً، عند استعانة ذويهم بهم في مقاطع فيديو تُنشر عبر مواقع التواصل، مثل "يوتيوب"، مضيفاً أن بعض القنوات "بدأت تدر دخلاً، وتحقق للأطفال شهرة كبيرة، ما يثير مخاوف من إمكان وقوع حالات استغلال لهم".

وقال الشمري لصحيفة "الإمارات اليوم" إن "بعض الأهالي يشجعون أطفالهم على تقديم محتوى ترفيهي لتحقيق أهداف مالية، أو لأغراض الشهرة". 

وأوضح أن "استغلال الأطفال في تقديم محتويات غير لائقة أمر مرفوض دينياً وقانونياً ومجتمعياً، ويجب التنبيه ومساءلة أولياء الأمر، وتوقيعهم على تعهد لدى السلطات المختصة بعدم التكرار، ‏وفي حال تكرار هذه التجاوزات تتخذ إجراءات قانونية رادعة مع الإعلان عن نوع المخالفة والحكم أو العقوبة المتخذة وأسبابها، منعاً للأقاويل وردعاً للآخرين، ‏فكل ما من شأنه الإساءة للطفل أو إيذاؤه مجرّم قانوناً".

وفي السعودية توعد متحدث وزارة ‫العمل والتنمية الاجتماعية، خالد أبا الخيل، في شباط/ فبراير الماضي بملاحقة كل أم أو أب يستغل أطفاله للتكسب المادي أو الشهرة، وتجاوب مع الحملة التي أطلقها المجتمع "أطفال بلا طفولة".

وطالب عبر حسابه بـ"تويتر" ‏الإبلاغ عن أي استغلال للطفل أو الطفلة بغرض التكسب أو الشهرة من خلال الرقم (1919)، مشيراً إلى أنه تم مخاطبة الجهات الأمنية لاستدعاء بعض أولياء الأمور الذين يظهر أطفالهم في مواد إعلامية تحرمهم من الطفولة وقال: "لن نرضى بأي تجاوز لنظام حماية الطفل"، وفق ما أورد تقرير لصحيفة "سبق" السعودية.

وكان أبا الخيل أكد عبر حسابه في تويتر التحقيق مع أب عرض فيديو يظهر فيه مجبراً طفله على تدخين سيجارة. 

​​كما جرمت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان ظاهرة تصوير الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي واستغلالهم بغرض الشهرة.

​​واتخذت الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع السعودية موقفاً مشابهاً.

وتصل عقوبة مُنتجي الفيديوهات الذين يستغلون الأطفال، إلى السجن مدة خمس سنوات، وغرامة تصل إلى 3 ملايين ريال (نحو 800 ألف دولار)، أو كليهما في حال كان المحتوى "يمس النظام العام، أو القيم الدينية، أوالآداب العامة، أو حرمة الحياة الخاصة، أو إعداده، أو إرساله، أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي" (العربية نت)​​

هل للشهرة "مضّار"؟

يعرّف والد الطفل زياد الفاخوري (4 أعوام)، ابنه للمتابعين في فيسبوك أنه "فنان وأصغر يوتيوبر في العالم"، وله قناة خاصّة في موقع "يوتيوب" تبث له آراؤه في عديد القضايا السياسية والاجتماعية، لمتابعين يتخطى عددهم 325 ألفاً، عبر "فيسبوك" و"تويتر" و"إنستغرام".

ومن خلال التعليقات، نلحظ تفاعلاً كبيراً لصالح ما يفعله، لكن ما إن تكون القضية جدلية على المستوى السياسي نجد الكثير من الأصوات التي تعتقد بأن ما يحصل هو انتهاك لطفولته، كما نجد عدداً من الشتائم البذيئة الموجهة له. 

​​تقول الباحثة في قسم أطباء الأطفال بجامعة ميشيغان الأميركية، سارة كلارك، إن الشهرة تعرض الطفل للدخول في عالم ضخم مليء بالمغامرات واللقاءات والتجارب والأشخاص، وتحت الأضواء بصفة مستمرة فهو يفقد لذة الطفولة، فلا يستطيع اللعب، لأن الأنظار عليه، ولن يسمح له أن يكون شخصاً عاديا".

وتضيف أن الطفل سيجد عبارات مدح وثناء مستمر، ويبحث عمّن هم أكبر سناً، كي يتماشى مع ميولهم وطموحاتهم، لذا لن يعيش طفولة سليمة، وسيتم حدوث تداخل بين مراحل الطفل العمرية، ويتخذ القرارات التي لا تتناسب مع عمره.

وتعقيباً على ما سبق، بالنسبة للتداعيات المحتملة على حياة الطفل، يقول والد زياد، الصحافي ثائر الفاخوري لـ(ارفع صوتك): "أول فيديو صورته ونشرته لزياد كان عبر صفحتي الشخصية لكن تناقلته مواقع إعلامية فوصل لنحو 4 ملايين مشاهدة، ليشجعني أصدقائي على المزيد من نشر مقاطع مماثلة، ولم يكن يوماً بغرض الشهرة".

وينفي أن يكون ابنه "لا يعيش طفولته بشكل سليم" كما أنه لا يكترث للشتائم أو الدعاء بالسوء له ولابنه، لأنه مقتنع أن ما يقوله عبر طفله هو "الحق". 

ويؤكد الفاخوري بأنه رفض جميع العروض التجارية من شركات ومؤسسات أرادت من ابنه الترويج لسلعها، كما لا يجني المال عبر "يوتيوب"، لكنه استغل عدد المتابعين الكبير لابنه، من أجل إيصال آرائه السياسية ويعتبرها "تخدم القضية الفلسطينية".

وقال إن المشاهدين سيهتمون بما يقوله طفل أكثر منه شخصياً. 

ويلقّن الفاخوري ابنه كل ما يتعلق بالقضايا السياسية والاجتماعية، لكن هناك أيضاً محتوى خاص من زياد نفسه، يقوله بكل عفوية، يظهر في مقاطع فيديو تتعلق باللعب.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".