من الصور المتداولة في موقعي تويتر وفيسبوك
من الصور المتداولة في موقعي تويتر وفيسبوك

قبل أسابيع فقط، انتشرت مشاعر الفرح عبر مواقع التواصل بسبب مقاطع الفيديو والصور التي تأتي من السودان، تجاوباً مع نجاح قوى المعارضة السودانية في التعجيل بإطاحة رئيس السودان عمر البشير على يد رفاقه في الجيش، وإنهاء 30 عاماً من حكمه.

وفي الثالث من حزيران/يونيو الجاري، أسفر فض اعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، عن مقتل أكثر من 100 متظاهر، في حين أكد نشطاء سودانيون وشهود عيان أن عدد القتلى بالمئات.

لجنة أطباء السودان المركزية (5 حزيران/ يونيو) ارتفاع حصيلة القتلى إلى 107

تبكي "الكنداكة"، على القتلى والجرحى والنساء المغتَصبات والرجال الذين اغتُصبوا أثناء فضّ الاعتصام، دموعها تأتي عبر رسوم كاريكاتيرية مكسوّة بالأزرق، بينما كان الصوت عالياً أمام الجمع الثائر "الطلقة ما تحرق يحرق سكوت الزّول".

اغتصاب نساء ورجال

حسب أطبّاء في عدد من مستشفيات العاصمة، وقعت أكثر من 70 حالة اغتصاب لنساء ورجال خلال فض الاعتصام، كما نشرت "الغارديان" البريطانية.​

ونسبت الصحيفة إلى طبيب في مستشفى "رويال كير" قوله إنه عالج 8 ضحايا اغتصاب: خمس نساء وثلاثة رجال، في حين قال مصدر طبي إنه تمت معالجة حالتي اغتصاب في مستشفى جنوب الخرطوم، بمن فيها حالة تعرضت للهجوم من قبل أربعة عناصر تابعين لقوات الدعم السريع.

لكن ما وقع فعلياً أكبر من العدد المذكور، إذ لم يتقدم العديد من ضحايا الاغتصاب للعلاج الطبي، بسبب "الخوف من الانتقام، أو لانعدام الأمن في المدينة، أو بسبب محدودية الرعاية" حسب الصحيفة.

​​وفي أول اعتراف للمجلس العسكري الحاكم في السّودان، قال إنه أمر بفضّ الاعتصام لكن "شابته بعض الأخطاء والانحرافات" التي أدت لمقتل العشرات، وقال إنه شكّل لجنة تحقيق ستعلن نتائجها، السبت.

"العسكري": لن نقبل تحقيقاً دولياً

هذا كلّه ضمن حملة تعتيم إعلامي يقودها المجلس العسكري، تصاعدت بتعطيل خدمة الإنترنت في السّودان، وتبريره أن "تشغيل شبكة الإنترنت يهدد الأمن القومي للبلاد"، وهو ما وصفته منظمة "هيومن رايتس ووتش" بـ"الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان".

وقالت بريانكا موتابارثي، مديرة برنامج الطوارئ بالإنابة المنظمة: "إذا كان المجلس العسكري الانتقالي يعتزم فعلا استعادة السلام والحفاظ على حسن النية مع قادة المعارضة المدنية، فعليه إيقاف هذا القطع الخطير للإنترنت، الذي يعرض المزيد من الأرواح للخطر. تقوض عمليات الإغلاق هذه بشكل صارخ حقوق الأشخاص الذين يدعي المجلس العسكري أنه يريد التحاور معهم ويجب إيقافه فورا. وأصبحت البلاد معزولة تماما عن الشبكة بعد أن هاجمت القوات المتظاهرين وفرقتهم بعنف".

التضامن بالأزرق

كان محمد مطر (26 عاماً) من بين القتلى في فض الاعتصام، وآخر صورة في حسابه على فيسبوك "زرقاء"، كتب تعقيباً عليها حين نشرها قبل سنوات "لقد دهنت السماء بالأزرق".

وقتل محمد برصاصة في رأسه أثناء محاولته إنقاذ إحدى المتظاهِرات.

وبعد مقتله قال والده إن "محمد كان يحب اللون الأزرق منذ الصغر".

​​وبدأ تغيير الصورة الشخصية للأزرق بين أفراد عائلة محمد وأصدقائه، ثم انتقلت لغيرهم من السودانيين وآخرين في دول عربية وغربية، تعبيراً عن التضامن مع ضحايا فض الاعتصام، مرفقة بهاشتاغ "أزرق من أجل السودان #blueforsudan".

ويُظهر هذا الفيديو عدداً من الحسابات في فيسبوك، غيّر أصحابها صورهم الشخصية للأزرق:

ومحمد درس الهندسة، وكان يتم دراسة الماجستير في لندن، إلا أنه عاد لبلده من مدّة في إجازة، احتفى خلالها مع عائلته بعيد ميلاده، وشارك في الاحتجاجات.

وتم تداول العديد من صوره وتجارب أصدقائه معه ومقاطع فيديو سابقة لمقتله.

​​​​التضامن مع السودان ودعم التظاهرات الشعبية ومطالب السودانيين، لم يقف عند تغيير الصورة فقط، بل أسهم في وصول المعلومات للجمهور المتابع خارج السودان، بسبب ظروق قطع الإنترنت.

​"أزرق" من ذاكرة الثورة

هذا التضامن مقروناً بالتعتيم الإعلامي، يعيدنا إلى تضامن مشابه مع الشابة المصرية التي تم سحلها وتعريتها وضربها بالهراوات من قبل قوات أمن مصرية، أوائل أيام ثورة يناير 2011 في ميدان التحرير.

انتشر فيديو الضرب والتعرية للشابة، كالنار في الهشيم، وإذ كان يُتوقع أن تتضامن الأغلبية معها، ظهرت نسبة كبيرة من المتابعين للقصة في مواقع التواصل تنتقد ما ظهر من ملابسها كما انتقدت وجودها أساساً هناك، باعتبارها امرأة وأن على النساء البقاء في البيت. 

الحملة المضادة لهذه الأصوات وللتعبير عن الاحتجاج ضد ضرب الشابة، كان بتداول صورها والفيديو مرفقاً بعبارات تضامنية وهاشتاغ "ست البنات" و "سحل فتاة التحرير"، كما انتشر رسم كاريكاتيري لـ صدريّة زرقاء، وهي ما ظهر من ملابسها الداخلية بعد تعريتها. 

وفي حين دعاها المصريون والعرب المتضامنون بـ"ست البنات"، كان اسمها في أغلبية وسائل الإعلام الغربي "الفتاة ذات الصدرية الزرقاء Blue bra girl". ​

​​

​​​

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.