في 2015، تأسس فرع داعش في الصحراء الكبرى على يد عدنان أبو وليد الصحراوي.
في 2015، تأسس فرع داعش في الصحراء الكبرى على يد عدنان أبو وليد الصحراوي.

في آذار/ مارس الماضي، نشر إعلام داعش المركزي لأول مرة صورة لمقاتلين من فرعه "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى".

أظهرت الصورة، متواضعة الجودة، سبعة مقاتلين ملثمين، يحملون رشاشات كلاشينكوف وقاذفة آر بي جي، ويرفع أحدهم علم داعش الأسود، وفق ما نشرت مجموعة البحث "مينا ستريم" المتخصصة في تتبع الجماعات المتطرفة في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل.

بدا كأن داعش انتبه لفرعه في الصحراء لأول مرة، رغم أن أمير هذا الفرع، وهو أبو الوليد الصحراوي، أعلن بيعته لأبي بكر البغدادي منذ أيار/ مايو 2015.

ومنذ آذار/ مارس الماضي، تغيرت الأمور تماما. نشرت مجلة "النبأ" التابعة لداعش تغطية من صفحتين عن نشاط فرع الصحراء، وأشاد أبو بكر البغدادي في أول ظهور له منذ سنة 2014 بزعيمه أبي الوليد الصحراوي وهنأ "الإخوةَ في مالي وبوركينا فاسو على بيعتهم". وهذا الأسبوع، نشرت وسائل إعلام داعش المركزية صور "بيعات" جديدة للمقاتلين هناك.

اعتراف متأخر

ظهر تنظيم داعش في الصحراء الكبرى، عندما أعلن عدنان أبو الوليد الصحراوي بيعته للبغدادي منتصف سنة 2015. تزامن ذلك مع توسع داعش الكبير في الرمادي بالعراق وتدمر بسوريا.

لكن هذه البيعة، التي تسببت في عزل الصحراوي ومؤيديه في تنظيم "المرابطين" التابع للقاعدة، ظلت دون رد لأكثر من 17 شهرا. ولم يتدخل داعش لدعم الصحراوي عندما اندلعت الخلافات بينه وبين القيادي في القاعدة بالمغرب الإسلامي مختار بلمختار الذي أصر على بقاء "المرابطين" وفياً لتنظيم أيمن الظواهري.

وكان أبو الوليد الصحراوي، قبل الانضمام إلى "المرابطين" الذي تأسس في آب/أغسطس 2013، هو المتحدث الرسمي باسم حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا.​

​بعد فترة خمول لقرابة عام ونصف، أعلن تنظيم داعش في الصحراء الكبرى عن نفسه بقوة عبر سلسلة عمليات بارزة نهاية سنة 2016. كانت الأولى في مستهل أيلول/سبتمبر، واستهدفت مركزا للدرك في بوركينا فاسو على الحدود مع النيجر، وخلفت مقتل حارسين. ووقعت الثانية، بعد شهر، في بوركينا فاسو أيضا واستهدفت مخفرا للشرطة قرب الحدود مع مالي. أما الثالثة، فحاول خلالها مقاتلو التنظيم اقتحام سجن عالي الحراسة في نيامي عاصمة النيجر، منتصف تشرين الثاني/ أكتوبر 2016. لكنها فشلت.

في هذه الأثناء، صدر أول تحرك من التنظيم المركزي.

"أسابيع بعد الهجمة الثالثة، اعترف تنظيم داعش أخيرا ببيعة فرعه في الصحراء الكبرى التي أعلنها قبل 17 شهرا، في أيار/ مايو 2015"، يقول جايسون وارنر الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية بأفريقيا في مقال نشره بداية سنة 2017 في مجلة “CTCSENTINEL” التي تصدر عن مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأميركية (ويست بوينت).

ويتألّف فرع داعش في الصحراء الكبرى أساسا من مقاتلين من قبائل الفولاني والطوارق وأفراد من أصول صحراوية. وينشط في المثلث الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

ورغم ذلك، جاء إعلان داعش قبول بيعة الصحراوي فاترا، على عكس ما يحدث عادة عند تلقيه بيعات فروع أخرى، إذ اكتفى بنشر فيديو بيعة الصحراوي في قناة تيلغرام التابعة له في 30 تشرين الثاني/ أكتوبر 2016.

وحتى الآن، ورغم اعتراف داعش بالبيعة، لم يمنح فرع الصحراء الكبرى صفة ولاية. ففي أول صورة رسمية نشرها إعلامه المركزي لمقاتليه هناك، صنفهم ضمن "غرب أفريقيا".

جاكوب زين، المتخصص في الجماعات المتطرفة بجامعة جورج تاون والذي أجرى أبحاثا ميدانية في ولاية بورنو في كانون الأول/نوفمبر 2018، يشير إلى احتمال أن يكون داعش أدرج فرعه في الصحراء ولو اسمياً على الأقل، تحت راية فرعه في غرب أفريقيا.

​​ويُرجع جايسون وارنر اعتراف داعش ببيعة الصحراوي في ذلك الوقت بالذات إلى ثلاثة أسباب. أولا، أثبت التنظيم فاعليته وقدرته على تنفيذ هجمات نوعية، كما حدث في تشرين/أكتوبر 2016. ما يعني أنه مثل قوة قتالية إضافية لداعش، لا مجرد إضافة رمزية توسع خريطة انتشاره. ثانيا، دفعت الخسائر المتتالية لداعش في سوريا والعراق وليبيا طوال عام 2016 (خسر الرمادي، وتدمر، ومنبج، وسرت...) التنظيم إلى محاولة تدارك الموقف عبر تكثيف نشاط فروعه.

وثالثا، من المحتمل أن يكون قرار داعش الاعتراف بفرعه في الصحراء الكبرى جاء أيضا لتدارك الأزمة التي عصفت بفرعه في غرب أفريقيا، والمتمثل في بوكو حرام. فالتنظيم الذي أعلن بيعته لأبي بكر البغدادي، في آذار/ مارس 2015 (شهرين فقط قبل بيعة الصحراوي) دخل في خلافات حادة حول القيادة. دفعت هذه الخلافات داعش، في آب/أغسطس 2016، إلى الإطاحة بأبي بكر شيكاو زعيم الحركة، وتعيين أبي مصعب البرناوي خلفا له.

وكان البرناوي، وهو ابن مؤسس الحركة محمد يوسف، يعمل متحدثا رسميا. لكن شيكاو رفض هذا التغيير، وأعلن تشبته بوكو حرام، لينقسم فرع داعش في أفريقيا إلى قسمين أحدها يتبع للبرناوي والثاني يتبع لشيكاو.

"كانت تأويلات شيكاو للتكفير، والتبريرات التي يشرعن بها مهاجمة مسلمين باسم الجهاد، تتعارض مع أفكار أبي بكر البغدادي زعيم داعش"، يقول وارنر.

وأخيرا داعش يهتم!

رغم اعتراف داعش بفرعه في الصحراء الكبرى في تشرين الثاني/ أكتوبر 2016، ظل الفرع ثانويا ضمن أولويات التنظيم. لكن الأوضاع، التي تحدث عنها وارنر، ستتعمق أكثر خلال سنتي 2017 و2018. وستدفع التنظيم المركزي إلى الاهتمام بفرعه في الصحراء.

 كثف الفرع نشاطه، واستهدف قوات الأمن في الدول الثلاث، النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وحتى بعثة الأمم المتحدة.

وفي 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، نفذ الفرع هجوما لفت إليه انتباه مختلف وسائل الإعلام العالمية. واستهدف الهجوم دورية مشتركة أميركية نيجرية في منطقة تونغو تونغو (جنوب غرب النيجر)، مسفراً عن مقتل أربعة جنود أميركيين.

في العام التالي، أدرجت الولايات المتحدة داعش في الصحراء وزعيمه أبا الوليد الصحراوي على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وهو ما فعلته الأمم المتحدة  بدورها.

مع بداية العام 2019، أعلن فرع الصحراء اختطاف وقتل الجيولوجي الكندي كيرك وودمان في شمال شرق بوركينا فاسو. وهي العملية التي احتفت بها مجلة "النبأ"، في أحد أعدادها لشهر آذار/ مارس. وعرضت صورة لرخصة قيادة الجيولوجي الكندي، في تأكيد على وجود قنوات تواصل بين التنظيم المركزي وفرعه في الصحراء.

في مقابل هذا، تكبد التنظيم المركزي خسائر جديدة انضافت إلى خسائر سنة 2016. وفقد معقليه الرئيسيين في الموصل والرقة.

في شريطه الأخير، رسم أبو بكر البغدادي إستراتيجية داعش الجديدة، ودعا فروع التنظيم ومؤيديه في مختلف أنحاء العالم إلى الانتقام لما حدث في سوريا والعراق، وذكر أبا الوليد الصحراوي ومقاتليه بالاسم.

وفي السنوات الثلاث الأخيرة أيضا، ازدادت الخلافات داخل بوكو حرام عمقا. استمر أبو بكر شيكاو في السيطرة على وسط وجنوب ولاية بورنو (شرق نيجيريا)، بما في ذلك غابة سامبيا المعقل التاريخي للحركة، فيما انحاز أتباع البرناوي إلى شمال بورنو في منطقة حوض بحيرة تشاد.

وبحلول آذار/ مارس 2019، انضافت أزمة قيادة جديدة إلى مشاكل بوكو حرام: أطاح داعش بأبي مصعب البرناوي، لصالح زعيم ثان هو أبو عبد الله عمر البرناوي، بعد اتهام القائد السابق بأنه "معتدل" أكثر من اللازم.

دفعت كل هذه التطورات داعش إلى مزيد من الاهتمام لفرعه في الصحراء الكبرى.

داعش والقاعدة يتعاونان

ارتفعت حوادث العنف المرتبة بتنظيمي القاعدة وداعش في بوركينا فاسو من 24 عام 2017 إلى 136 عام 2018. ويُعتقد أن القاعدة تجند أكثر من 800 مقاتل في بوركينا فاسو، بينما يجند فرع داعش في الصحراء الكبرى نحو 300.

 يأتي هذا في وقت خفضت فيه القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا قواتها بـ10 في المئة. وينتظر أن تجري تخفيضا ثانيا بـ10 في المئة أيضا، بحلول صيف سنة 2020.

لكن الملفت هو أن داعش في الصحراء الكبرى، وعلى عكس السياسة الرسمية للتنظيم المركزي، لا يتردد في التعاون مع الجماعات الجهادية الأخرى بما فيها تنظيم القاعدة. وتعتبر داعش القاعدة وزعيمها أيمن الظواهري كفارا مرتدين.

ففي الوقت الذي يصف مقال لأحد مؤيدي داعش "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، أكبر تحالف جهادي في منطقة الساحل مرتبط بتنظيم القاعدة، بجماعة "نصرة الصليبيين ووكلائهم"، نجد متحدثا باسم داعش في الصحراء يقول إن "إخوتنا إياد آغ غالي والمجاهدين الآخرين يدافعون مثلنا عن الإسلام".

وإياد غالي هو زعيم طوارقي يتزعم جماعة أنصار الدين، ويترأس تحالف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين".

وشدد المتحدث باسم داعش، الذي عرف عن نفسه باسم "عمار" في حديثه لوكالة الصحافة الفرنسية، على أن تنظيمه لا يزال يدين بالولاء لأبي بكر البغدادي.

وأضاف أنه سيتعاون مع باقي التنظيمات "لمكافحة الكفار"، في إشارة إلى القوات المشتركة لدول الساحل الأفريقي، وهي مالي والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا وتشاد.

وقال عمار: "سنقوم بكل ما بوسعنا لمنع تمركز قوة دول الساحل الخمس" في منطقة الصحراء الكبرى.

 

مواضيع ذات صلة:

العراق

غرد_كأنك_في_أميركا.. كيف تفاعل العراقيون مع احتجاجات مينيسوتا؟

رحمة حجة
30 مايو 2020

بعد أقل من يومين على الاحتجاجات في مدينة مينيابوليس بولاية  مينيسوتا الأميركية، وُجهت إلى الشرطي الذي  تسبب بوفاة المواطن الأفروأميركي جورج فلويد، تهمة القتل غير المتعمد.

وقال مدعي المنطقة مايك فريمان للصحافيين إن "عنصر الشرطة السابق ديريك شوفين وجهت إليه تهمة القتل غير المتعمد من قبل مكتب مدعي منطقة هينبين".

وكانت السلطات المحلية أعلنت في وقت سابق توقيف شوفين بعدما أقيل من مهامه.

وكان مقتل فلويد، أثار اضطرابات واسعة أدت إلى نشر الحرس الوطني الأميركي 500 من عناصره لفرض الهدوء في المدينة.

وهذه الاحتجاجات التي بدأت افتراضياً بعد تداول مقطع الفيديو لاعتقال فلويد ووضع الشرطي لركبته على رقبته، كانت سريعة الانتقال إلى دول عديدة أيضاً، منها العربية.

وليس من فارق زمني كبير بين اندلاع هذه الاحتجاجات، ونهايتها في العراق ولبنان قبل نحو ثلاثة أشهر، على الصعيد الميداني، ليأخذ الدعم للمحتجين طريقه سريعاً إلى هذين البلدين، وفي العراق تخديداً تم التفاعل عبر ثلاثة أوجه:

1- السخرية، من خلال استحضار أحداث وتصريحات ورموز اشتهرت خلال ثورة أكتوبر وربطها بما يجري في الولايات المتحدة. وتم استخدام العديد من الهاشتاغات مثل "غرّد كأنك في أميركا" و"غرّد مثل عملاء أمريكا" و"الجوكر يقمع الأميركيين".

 

 

 

وفي هذا الجانب أيضاً، انطلقت موجة سخرية واسعة من تصريحات قادة ميليشيات تعقيباً على الأحداث في مينيسوتا، حيث أعربوا عن تضامنهم مع المحتجين، في مفارقة واضحة مع موافقهم تجاه الاحتجاجات العراقية.

 

2- مقارنة بين أعمال الشغب وحرق المقرات الحكومية والسطو على المتاجر، وبين الاحتجاجات السلمية التي قادها شباب عراقي طيلة أربعة شهور متواصلة، قوبلت بقتل أكثر من 700 من المواطنين.

 

3- الجدل حول العنصرية بين ذوي البشرة البيضاء والسوداء في الولايات المتحدة، ولّد جدلاً بين العراقيين أنفسهم حول إذا ما كانت هذه ظاهرة موجودة في المجتمع العراقي أم لا، حيث استهجن البعض ممّن ينتقد الأمر في أميركا بينما تعيشه فئات عدة في مجتمعه، وهو مصرّ على عدم وجوده.

والحوارات بين نشطاء عراقيين وعراقيات في تويتر، تطورت إلى مشاركة لقصص تنمّر عنصرية، تتعلق بلون البشرة أو المناطقية.

 

 

 

 

 

رحمة حجة