في 2015، تأسس فرع داعش في الصحراء الكبرى على يد عدنان أبو وليد الصحراوي.
أعلن فرع داعش في الصحراء بيعته لأبي بكر البغدادي في أيار/مايو 2015.

في آذار/ مارس الماضي، نشر إعلام داعش المركزي لأول مرة صورة لمقاتلين من فرعه "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى".

أظهرت الصورة، متواضعة الجودة، سبعة مقاتلين ملثمين، يحملون رشاشات كلاشينكوف وقاذفة آر بي جي، ويرفع أحدهم علم داعش الأسود، وفق ما نشرت مجموعة البحث "مينا ستريم" المتخصصة في تتبع الجماعات المتطرفة في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل.

بدا كأن داعش انتبه لفرعه في الصحراء لأول مرة، رغم أن أمير هذا الفرع، وهو أبو الوليد الصحراوي، أعلن بيعته لأبي بكر البغدادي منذ أيار/ مايو 2015.

ومنذ آذار/ مارس الماضي، تغيرت الأمور تماما. نشرت مجلة "النبأ" التابعة لداعش تغطية من صفحتين عن نشاط فرع الصحراء، وأشاد أبو بكر البغدادي في أول ظهور له منذ سنة 2014 بزعيمه أبي الوليد الصحراوي وهنأ "الإخوةَ في مالي وبوركينا فاسو على بيعتهم". وهذا الأسبوع، نشرت وسائل إعلام داعش المركزية صور "بيعات" جديدة للمقاتلين هناك.

اعتراف متأخر

ظهر تنظيم داعش في الصحراء الكبرى، عندما أعلن عدنان أبو الوليد الصحراوي بيعته للبغدادي منتصف سنة 2015. تزامن ذلك مع توسع داعش الكبير في الرمادي بالعراق وتدمر بسوريا.

لكن هذه البيعة، التي تسببت في عزل الصحراوي ومؤيديه في تنظيم "المرابطين" التابع للقاعدة، ظلت دون رد لأكثر من 17 شهرا. ولم يتدخل داعش لدعم الصحراوي عندما اندلعت الخلافات بينه وبين القيادي في القاعدة بالمغرب الإسلامي مختار بلمختار الذي أصر على بقاء "المرابطين" وفياً لتنظيم أيمن الظواهري.

وكان أبو الوليد الصحراوي، قبل الانضمام إلى "المرابطين" الذي تأسس في آب/أغسطس 2013، هو المتحدث الرسمي باسم حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا.​

​بعد فترة خمول لقرابة عام ونصف، أعلن تنظيم داعش في الصحراء الكبرى عن نفسه بقوة عبر سلسلة عمليات بارزة نهاية سنة 2016. كانت الأولى في مستهل أيلول/سبتمبر، واستهدفت مركزا للدرك في بوركينا فاسو على الحدود مع النيجر، وخلفت مقتل حارسين. ووقعت الثانية، بعد شهر، في بوركينا فاسو أيضا واستهدفت مخفرا للشرطة قرب الحدود مع مالي. أما الثالثة، فحاول خلالها مقاتلو التنظيم اقتحام سجن عالي الحراسة في نيامي عاصمة النيجر، منتصف تشرين الثاني/ أكتوبر 2016. لكنها فشلت.

في هذه الأثناء، صدر أول تحرك من التنظيم المركزي.

"أسابيع بعد الهجمة الثالثة، اعترف تنظيم داعش أخيرا ببيعة فرعه في الصحراء الكبرى التي أعلنها قبل 17 شهرا، في أيار/ مايو 2015"، يقول جايسون وارنر الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية بأفريقيا في مقال نشره بداية سنة 2017 في مجلة “CTCSENTINEL” التي تصدر عن مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأميركية (ويست بوينت).

ويتألّف فرع داعش في الصحراء الكبرى أساسا من مقاتلين من قبائل الفولاني والطوارق وأفراد من أصول صحراوية. وينشط في المثلث الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

ورغم ذلك، جاء إعلان داعش قبول بيعة الصحراوي فاترا، على عكس ما يحدث عادة عند تلقيه بيعات فروع أخرى، إذ اكتفى بنشر فيديو بيعة الصحراوي في قناة تيلغرام التابعة له في 30 تشرين الثاني/ أكتوبر 2016.

وحتى الآن، ورغم اعتراف داعش بالبيعة، لم يمنح فرع الصحراء الكبرى صفة ولاية. ففي أول صورة رسمية نشرها إعلامه المركزي لمقاتليه هناك، صنفهم ضمن "غرب أفريقيا".

جاكوب زين، المتخصص في الجماعات المتطرفة بجامعة جورج تاون والذي أجرى أبحاثا ميدانية في ولاية بورنو في كانون الأول/نوفمبر 2018، يشير إلى احتمال أن يكون داعش أدرج فرعه في الصحراء ولو اسمياً على الأقل، تحت راية فرعه في غرب أفريقيا.

​​ويُرجع جايسون وارنر اعتراف داعش ببيعة الصحراوي في ذلك الوقت بالذات إلى ثلاثة أسباب. أولا، أثبت التنظيم فاعليته وقدرته على تنفيذ هجمات نوعية، كما حدث في تشرين/أكتوبر 2016. ما يعني أنه مثل قوة قتالية إضافية لداعش، لا مجرد إضافة رمزية توسع خريطة انتشاره. ثانيا، دفعت الخسائر المتتالية لداعش في سوريا والعراق وليبيا طوال عام 2016 (خسر الرمادي، وتدمر، ومنبج، وسرت...) التنظيم إلى محاولة تدارك الموقف عبر تكثيف نشاط فروعه.

وثالثا، من المحتمل أن يكون قرار داعش الاعتراف بفرعه في الصحراء الكبرى جاء أيضا لتدارك الأزمة التي عصفت بفرعه في غرب أفريقيا، والمتمثل في بوكو حرام. فالتنظيم الذي أعلن بيعته لأبي بكر البغدادي، في آذار/ مارس 2015 (شهرين فقط قبل بيعة الصحراوي) دخل في خلافات حادة حول القيادة. دفعت هذه الخلافات داعش، في آب/أغسطس 2016، إلى الإطاحة بأبي بكر شيكاو زعيم الحركة، وتعيين أبي مصعب البرناوي خلفا له.

وكان البرناوي، وهو ابن مؤسس الحركة محمد يوسف، يعمل متحدثا رسميا. لكن شيكاو رفض هذا التغيير، وأعلن تشبته بوكو حرام، لينقسم فرع داعش في أفريقيا إلى قسمين أحدها يتبع للبرناوي والثاني يتبع لشيكاو.

"كانت تأويلات شيكاو للتكفير، والتبريرات التي يشرعن بها مهاجمة مسلمين باسم الجهاد، تتعارض مع أفكار أبي بكر البغدادي زعيم داعش"، يقول وارنر.

وأخيرا داعش يهتم!

رغم اعتراف داعش بفرعه في الصحراء الكبرى في تشرين الثاني/ أكتوبر 2016، ظل الفرع ثانويا ضمن أولويات التنظيم. لكن الأوضاع، التي تحدث عنها وارنر، ستتعمق أكثر خلال سنتي 2017 و2018. وستدفع التنظيم المركزي إلى الاهتمام بفرعه في الصحراء.

 كثف الفرع نشاطه، واستهدف قوات الأمن في الدول الثلاث، النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وحتى بعثة الأمم المتحدة.

وفي 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، نفذ الفرع هجوما لفت إليه انتباه مختلف وسائل الإعلام العالمية. واستهدف الهجوم دورية مشتركة أميركية نيجرية في منطقة تونغو تونغو (جنوب غرب النيجر)، مسفراً عن مقتل أربعة جنود أميركيين.

في العام التالي، أدرجت الولايات المتحدة داعش في الصحراء وزعيمه أبا الوليد الصحراوي على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وهو ما فعلته الأمم المتحدة  بدورها.

مع بداية العام 2019، أعلن فرع الصحراء اختطاف وقتل الجيولوجي الكندي كيرك وودمان في شمال شرق بوركينا فاسو. وهي العملية التي احتفت بها مجلة "النبأ"، في أحد أعدادها لشهر آذار/ مارس. وعرضت صورة لرخصة قيادة الجيولوجي الكندي، في تأكيد على وجود قنوات تواصل بين التنظيم المركزي وفرعه في الصحراء.

في مقابل هذا، تكبد التنظيم المركزي خسائر جديدة انضافت إلى خسائر سنة 2016. وفقد معقليه الرئيسيين في الموصل والرقة.

في شريطه الأخير، رسم أبو بكر البغدادي إستراتيجية داعش الجديدة، ودعا فروع التنظيم ومؤيديه في مختلف أنحاء العالم إلى الانتقام لما حدث في سوريا والعراق، وذكر أبا الوليد الصحراوي ومقاتليه بالاسم.

وفي السنوات الثلاث الأخيرة أيضا، ازدادت الخلافات داخل بوكو حرام عمقا. استمر أبو بكر شيكاو في السيطرة على وسط وجنوب ولاية بورنو (شرق نيجيريا)، بما في ذلك غابة سامبيا المعقل التاريخي للحركة، فيما انحاز أتباع البرناوي إلى شمال بورنو في منطقة حوض بحيرة تشاد.

وبحلول آذار/ مارس 2019، انضافت أزمة قيادة جديدة إلى مشاكل بوكو حرام: أطاح داعش بأبي مصعب البرناوي، لصالح زعيم ثان هو أبو عبد الله عمر البرناوي، بعد اتهام القائد السابق بأنه "معتدل" أكثر من اللازم.

دفعت كل هذه التطورات داعش إلى مزيد من الاهتمام لفرعه في الصحراء الكبرى.

داعش والقاعدة يتعاونان

ارتفعت حوادث العنف المرتبة بتنظيمي القاعدة وداعش في بوركينا فاسو من 24 عام 2017 إلى 136 عام 2018. ويُعتقد أن القاعدة تجند أكثر من 800 مقاتل في بوركينا فاسو، بينما يجند فرع داعش في الصحراء الكبرى نحو 300.

 يأتي هذا في وقت خفضت فيه القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا قواتها بـ10 في المئة. وينتظر أن تجري تخفيضا ثانيا بـ10 في المئة أيضا، بحلول صيف سنة 2020.

لكن الملفت هو أن داعش في الصحراء الكبرى، وعلى عكس السياسة الرسمية للتنظيم المركزي، لا يتردد في التعاون مع الجماعات الجهادية الأخرى بما فيها تنظيم القاعدة. وتعتبر داعش القاعدة وزعيمها أيمن الظواهري كفارا مرتدين.

ففي الوقت الذي يصف مقال لأحد مؤيدي داعش "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، أكبر تحالف جهادي في منطقة الساحل مرتبط بتنظيم القاعدة، بجماعة "نصرة الصليبيين ووكلائهم"، نجد متحدثا باسم داعش في الصحراء يقول إن "إخوتنا إياد آغ غالي والمجاهدين الآخرين يدافعون مثلنا عن الإسلام".

وإياد غالي هو زعيم طوارقي يتزعم جماعة أنصار الدين، ويترأس تحالف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين".

وشدد المتحدث باسم داعش، الذي عرف عن نفسه باسم "عمار" في حديثه لوكالة الصحافة الفرنسية، على أن تنظيمه لا يزال يدين بالولاء لأبي بكر البغدادي.

وأضاف أنه سيتعاون مع باقي التنظيمات "لمكافحة الكفار"، في إشارة إلى القوات المشتركة لدول الساحل الأفريقي، وهي مالي والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا وتشاد.

وقال عمار: "سنقوم بكل ما بوسعنا لمنع تمركز قوة دول الساحل الخمس" في منطقة الصحراء الكبرى.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

نحو 13 ألف موظفا يعملون في الأونروا في غزة . أرشيفية
مفوض "الأونروا" يحذر من "نقطة الانهيار" (أرشيف)

في أحدث تطور يتعلق بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التابعة للأمم المتحدة، يقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إغلاقها، وهي أحد بنود خطته لـ"اليوم التالي" لقطاع غزة بمجرد انتهاء الحرب.

وكررت إسرائيل خلال الفترة الماضية اتهاماتها للوكالة الأممية بأنها تغطي على أعمال حماس، ودعت لاستبدالها بمنظمات إغاثة دولية أخرى.

المفوض العام لوكالة "الأونروا"، فيليب لازاريني، حذر مؤخرا في رسالة وجهها إلى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، من أن الوكالة وصلت إلى "نقطة الانهيار".

وقال في الرسالة "إنه لمن دواعي الأسف العميق أن أبلغكم اليوم أن الوكالة وصلت إلى نقطة الانهيار، مع دعوات إسرائيل المتكررة لتفكيكها وتجميد تمويل المانحين في مواجهة الاحتياجات الإنسانية غير المسبوقة في غزة".

وكانت الوكالة محور جدل منذ أن اتهمت إسرائيل 12 من موظفيها بالضلوع في هجمات 7 أكتوبر الذي نفذتها حركة حماس على إسرائيل وأدت إلى مقتل 1160 شخصا، معظمهم من المدنيين وبينهم نساء وأطفال، بحسب تعداد وكالة فرانس برس يستند إلى بيانات رسمية إسرائيلية.

وأسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية ردا على تلك الهجمات الدامية لمقتل قرابة 29500 قتيل في غزة، وفق وزارة الصحة التي تسيطر عليها حماس في القطاع الفلسطيني المدمر جراء الحرب.

وأنهت الوكالة على الفور عقود الموظفين المتهمين، وبدأت تحقيقا داخليا، وتم تكليف مجموعة مستقلة بمهمة تقييم الأونروا و"حيادها" السياسي.

وكالة "الأونروا"

صورة أرشيفية لمخيمات لاجئين تابعة للأونروا

توظف "الأونروا" التي تأسست بموجب القرار 302 للجمعية العامة للأمم المتحدة الذي تم تبنيه عام 1949، حوالي 33 ألف شخص في الأراضي الفلسطينية ولبنان والأردن وسوريا، بينهم 13 ألف موظف في غزة وفقا لوكالة فرانس برس.

لكن رغم أن "إسرائيل لم تقدم أي دليل للأونروا حتى الآن" يثبت اتهاماتها، فقد علقت 16 دولة تمويلها الذي يبلغ إجماليه 450 مليون دولار أي ما يعادل أكثر من نصف الدخل المتوقع لعام 2024، وفق ما قاله لازاريني، محذرا من أن أنشطة الوكالة في جميع أنحاء المنطقة "ستكون معرضة لخطر كبير ابتداء من شهر مارس". 

وأضاف لازاريني: "أخشى أننا على شفا كارثة هائلة لها آثار خطيرة على السلام والأمن وحقوق الإنسان في المنطقة".

وقال في تصريحات أخرى إنه "اعتبارا من مارس ستتجاوز النفقات الدخل. وبدون مانحين جدد، ستضطر الأونروا إلى وقف عملياتها في أبريل".

وفي العديد من الدول العربية في الشرق الأوسط، تقدم "الأونروا" بعض الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين وأبنائهم، مثل الرعاية الصحية والتعليم.

قبل تأسيس "الأونروا" كان "برنامج الأمم المتحدة لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين" الذي أنشئ في 1948 يؤدي مهاما إغاثية للاجئين الفلسطينيين، وقد تولت الوكالة الوليدة المهام التي كانت موكلة لهذا البرنامج، وإضافة إلى ذلك كلفت الاستجابة بطريقة أكثر فعالية للاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية لمجمل اللاجئين الفلسطينيين.

ومنذ بدء النزاع العربي الإسرائيلي وحتى إقرار الهدنة في يناير 1949، اضطر أكثر من 760 ألف فلسطيني للفرار من منازلهم أمام تقدم القوات اليهودية حينها أو تم تهجيرهم وطردهم من منازلهم بالقوة، وقد لجأ معظم هؤلاء إلى دول مجاورة، بحسب تقرير لفرانس برس.

ومذاك أصبحت "الأونروا"، في غياب أي جهة أخرى ذات صلاحية، الهيئة الوحيدة الضامنة للوضع الدولي للاجئ الفلسطيني.

أهمية دور "الأونروا"

إسرائيل طالبت إغلاق وكالة الأونروا . أرشيفية

يكرر كبار مسؤولي الأمم المتحدة أن "الأونروا" لا يمكن تعويضها في غزة، حيث تشكل العمود الفقري للمساعدات الإنسانية.

ووصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أواخر يناير الماضي، الوكالة بأنها "العمود الفقري لجميع الجهود الإنسانية في غزة"، وناشد جميع الدول "ضمان استمرارية عمل الأونروا المنقذ للحياة".

وشدد مفوض "الأونروا" لازاريني على أن  الوكالة "ملأت على مدى عقود الفراغ الناجم عن غياب السلام أو حتى عملية سلام"، داعيا إلى منحها "الدعم السياسي" من الجمعية العامة للأمم المتحدة للسماح ببقاء "الأونروا" و"الانتقال نحو حل سياسي طال انتظاره"، فضلا عن إصلاح طريقة تمويلها التي تعتمد أساسا على المساهمات الطوعية.

وقال لازاريني في حديث لصحف "تاميديا" السويسرية أنهم يواجهون حملة واسعة ومنسقة من إسرائيل لتدمير الوكالة.

وأضاف أن "هذا هدف سياسي طويل الأمد؛ لأنهم يعتقدون أنه إذا تم إلغاء الوكالة، فسيتم حل مسألة وضع اللاجئين الفلسطينيين مرة واحدة وإلى الأبد، ومعها حق العودة. هناك هدف سياسي أكبر بكثير وراء هذه المسألة". 

وأكد لازاريني تضرر أكثر من 150 منشأة تابعة لـ "الأونروا" منذ بداية الحرب في غزة.

ولجأ أكثر من مليون فلسطيني في 154 منشأة تابعة لـ "الأونروا" أو على مقربة منها، فيما تواصل الوكالات الأممية عملها في ظروف شبه مستحيلة لتوفير الغذاء ومياه الشرب واللقاحات لسكان غزة، بحسب فرانس برس.

ومؤخرا، حذر المشرف العام لمركز الملك سلمان للإغاثة والمساعدات الإنسانية، عبدالله الربيعة، من أن تجميد الأموال "الأونروا" من شأنه "المساهمة" في زيادة أعداد القتلى المدنيين في غزة.

وقال: "يجب ألا نعاقب الأبرياء، ملايين الأشخاص الذين يعيشون في غزة، بسبب اتهامات موجهة إلى قلة من الناس".

وأضاف الربيعة: "إذا كان لديك نحو مليوني شخص يعيشون في بقعة صغيرة ... ثم توقف تمويل الغذاء والأساسيات الصحية، فأنت في الأساس تدعوهم إلى العيش، بالفعل، في كارثة وتساهم أيضا في موتهم".

من جانبه، قال وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، مطلع فبراير، إنه "لا جهة أخرى قادرة على القيام بالدور الرئيس الذي تقوم به الوكالة في غزة".

وحذر من أن "أي تخفيض في الدعم المالي المقدم للوكالة سينعكس فورا على معاناة أعمق لأهل غزة الذين يواجهون مجاعة جماعية مردها منع إسرائيل إدخال الحد الأدنى من احتياجاتهم الإنسانية".

ونزح بسبب الحرب الدائرة في قطاع غزة المحاصر الذي يعاني أزمة إنسانية خطيرة، 1.7 مليون فلسطيني من أصل 2.4 مليون نسمة، بحسب الأمم المتحدة.

وقال بيان صادر عن اللجنة الدائمة المشتركة بين وكالات الأمم المتحدة التي تشمل الشركاء الرئيسيين المعنيين بالشؤون الإنسانية داخل المنظمة وخارجها، إن "سحب التمويل من الأونروا أمر خطير وقد يؤدي إلى انهيار النظام الإنساني في غزة، مع عواقب إنسانية وحقوقية بعيدة المدى في الأراضي الفلسطينية وفي جميع أنحاء المنطقة". 

عمل "الأونروا" في الشرق الأوسط

الأونروا العمود الفقري لتقديم المساعدات للفلسطينيين. أرشيفية

وتخوف لازاريني من أن حجب التمويل عنها لن يوقف عملياتها في غزة فقط، ولكن أيضا على نشاط الوكالة في الضفة الغربية وسوريا والأردن ولبنان.

ويمكن لنحو 5.9 مليون فلسطيني مسجلين لدى الوكالة حول العالم الاستفادة من خدماتها التي تشمل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والبنى التحتية للمخيمات والتمويلات الصغيرة والمساعدات الطارئة، بما في ذلك خلال الفترات التي تشهد نزاعا مسلحا.

ويلتحق بمدارسها أكثر من نصف مليون طفل. وتستقبل عياداتها أكثر من 7 ملايين زيارة كل عام بحسب موقع "الأونروا" الإلكتروني.

وفي لبنان، يثير قرار وقف التمويل مخاوف على مستويات عدة، ذلك أن "الأونروا" هي الجهة الوحيدة التي تعنى بتقديم خدمات لللاجئين الفلسطينيين هناك.

وقالت مديرة "الأونروا" في لبنان، دوروثي كلاوس، الخميس، إن الوكالة ليس لديها "خطة بديلة" لما بعد مارس المقبل حال تمسك الدول المانحة بوقف التمويل بحسب تقرير لوكالة رويترز.

ويقيم 250 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، معظمهم موزعون على 12 مخيما أقيمت تباعا إثر حرب عام 1948.

ويستفيد نحو 80 بالمئة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من خدمات الوكالة.

وتزداد المعاناة لدى اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى لبنان بعد فرارهم من الحرب في سوريا منذ العام 2011 والمقدر عددهم بنحو 23 ألفا.

ويتلقى نحو 40 ألف طالب فلسطيني التعليم المجاني عبر 62 مدرسة تابعة للوكالة  وموزعة في مناطق عدة في لبنان، كما تقدم مساعدات شهرية لعائلات.

وفي الأردن، قال مدير شؤون الأردن في الوكالة، أولاف بيكر، إن تعليق التمويل "سيكون له عواقب وخيمة"، إذ إن اقتصاد المملكة المتعثر بالفعل سيواجه أوقاتا أصعب إذا استمر الأمر، مما سيضطرها إلى وقف خدماتها أو تقليصها، وفقا لوكالة رويترز.

ويستضيف الأردن 2.4 مليون لاجئ فلسطيني، وهو أكبر عدد من هؤلاء اللاجئين لدى جيران إسرائيل. كما أن الكثير من مواطني الأردن من أصل فلسطيني.

وقال بيكر إن الأردن يقدم بالفعل خدمات في مجال البنية تحتية وغيرها من المجالات بقيمة مليار دولار لعشرة مخيمات فلسطينية في جميع أنحاء المملكة، حيث تدير الوكالة المدارس والخدمات الصحية لنحو 400 ألف نسمة.

وأضاف أن "الأونروا" تساعد الاقتصاد بالفعل بدفع رواتب لعدد 7000 من موظفيها، مما يجعلها واحدة من أكبر أرباب العمل في المملكة، إذ تضخ أكثر من 120 مليون دولار من الرواتب في الاقتصاد سنويا.

وأردف أن خدمات الوكالة تدعم ما يزيد على مليون لاجئ فلسطيني في المملكة بتكلفة أقل 20 بالمئة في المتوسط من الدولة في تقديم خدمات مماثلة.

وقال بيكر  إن"الخيار الأول أمامنا هو تقليص خدماتنا وقد يتطلب الأمر أنماطا مختلفة ولكن الأمر صعب للغاية؛ ماذا تختار، الرعاية الصحية مقابل التعليم أو الصرف الصحي؟".

وقال بيكر: "ربما لن يجد أطفال هذه المدارس مكانا يذهبون إليه ... سيضر ذلك بشدة بالتماسك الاجتماعي في الأردن".

ويخشى فلسطينيون يقطنون مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية ويعتمدون على الوكالة في التعليم والرعاية الصحية من توقف الخدمات الأساسية.

وتعد الوكالة شريان حياة للاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك الضفة الغربية حيث تخدم أكثر من 870 ألف شخص، وتدير 96 مدرسة و43 منشأة أولية للرعاية الصحية.