في 2015، تأسس فرع داعش في الصحراء الكبرى على يد عدنان أبو وليد الصحراوي.
أعلن فرع داعش في الصحراء بيعته لأبي بكر البغدادي في أيار/مايو 2015.

في آذار/ مارس الماضي، نشر إعلام داعش المركزي لأول مرة صورة لمقاتلين من فرعه "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى".

أظهرت الصورة، متواضعة الجودة، سبعة مقاتلين ملثمين، يحملون رشاشات كلاشينكوف وقاذفة آر بي جي، ويرفع أحدهم علم داعش الأسود، وفق ما نشرت مجموعة البحث "مينا ستريم" المتخصصة في تتبع الجماعات المتطرفة في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل.

بدا كأن داعش انتبه لفرعه في الصحراء لأول مرة، رغم أن أمير هذا الفرع، وهو أبو الوليد الصحراوي، أعلن بيعته لأبي بكر البغدادي منذ أيار/ مايو 2015.

ومنذ آذار/ مارس الماضي، تغيرت الأمور تماما. نشرت مجلة "النبأ" التابعة لداعش تغطية من صفحتين عن نشاط فرع الصحراء، وأشاد أبو بكر البغدادي في أول ظهور له منذ سنة 2014 بزعيمه أبي الوليد الصحراوي وهنأ "الإخوةَ في مالي وبوركينا فاسو على بيعتهم". وهذا الأسبوع، نشرت وسائل إعلام داعش المركزية صور "بيعات" جديدة للمقاتلين هناك.

اعتراف متأخر

ظهر تنظيم داعش في الصحراء الكبرى، عندما أعلن عدنان أبو الوليد الصحراوي بيعته للبغدادي منتصف سنة 2015. تزامن ذلك مع توسع داعش الكبير في الرمادي بالعراق وتدمر بسوريا.

لكن هذه البيعة، التي تسببت في عزل الصحراوي ومؤيديه في تنظيم "المرابطين" التابع للقاعدة، ظلت دون رد لأكثر من 17 شهرا. ولم يتدخل داعش لدعم الصحراوي عندما اندلعت الخلافات بينه وبين القيادي في القاعدة بالمغرب الإسلامي مختار بلمختار الذي أصر على بقاء "المرابطين" وفياً لتنظيم أيمن الظواهري.

وكان أبو الوليد الصحراوي، قبل الانضمام إلى "المرابطين" الذي تأسس في آب/أغسطس 2013، هو المتحدث الرسمي باسم حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا.​

​بعد فترة خمول لقرابة عام ونصف، أعلن تنظيم داعش في الصحراء الكبرى عن نفسه بقوة عبر سلسلة عمليات بارزة نهاية سنة 2016. كانت الأولى في مستهل أيلول/سبتمبر، واستهدفت مركزا للدرك في بوركينا فاسو على الحدود مع النيجر، وخلفت مقتل حارسين. ووقعت الثانية، بعد شهر، في بوركينا فاسو أيضا واستهدفت مخفرا للشرطة قرب الحدود مع مالي. أما الثالثة، فحاول خلالها مقاتلو التنظيم اقتحام سجن عالي الحراسة في نيامي عاصمة النيجر، منتصف تشرين الثاني/ أكتوبر 2016. لكنها فشلت.

في هذه الأثناء، صدر أول تحرك من التنظيم المركزي.

"أسابيع بعد الهجمة الثالثة، اعترف تنظيم داعش أخيرا ببيعة فرعه في الصحراء الكبرى التي أعلنها قبل 17 شهرا، في أيار/ مايو 2015"، يقول جايسون وارنر الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية بأفريقيا في مقال نشره بداية سنة 2017 في مجلة “CTCSENTINEL” التي تصدر عن مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأميركية (ويست بوينت).

ويتألّف فرع داعش في الصحراء الكبرى أساسا من مقاتلين من قبائل الفولاني والطوارق وأفراد من أصول صحراوية. وينشط في المثلث الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

ورغم ذلك، جاء إعلان داعش قبول بيعة الصحراوي فاترا، على عكس ما يحدث عادة عند تلقيه بيعات فروع أخرى، إذ اكتفى بنشر فيديو بيعة الصحراوي في قناة تيلغرام التابعة له في 30 تشرين الثاني/ أكتوبر 2016.

وحتى الآن، ورغم اعتراف داعش بالبيعة، لم يمنح فرع الصحراء الكبرى صفة ولاية. ففي أول صورة رسمية نشرها إعلامه المركزي لمقاتليه هناك، صنفهم ضمن "غرب أفريقيا".

جاكوب زين، المتخصص في الجماعات المتطرفة بجامعة جورج تاون والذي أجرى أبحاثا ميدانية في ولاية بورنو في كانون الأول/نوفمبر 2018، يشير إلى احتمال أن يكون داعش أدرج فرعه في الصحراء ولو اسمياً على الأقل، تحت راية فرعه في غرب أفريقيا.

​​ويُرجع جايسون وارنر اعتراف داعش ببيعة الصحراوي في ذلك الوقت بالذات إلى ثلاثة أسباب. أولا، أثبت التنظيم فاعليته وقدرته على تنفيذ هجمات نوعية، كما حدث في تشرين/أكتوبر 2016. ما يعني أنه مثل قوة قتالية إضافية لداعش، لا مجرد إضافة رمزية توسع خريطة انتشاره. ثانيا، دفعت الخسائر المتتالية لداعش في سوريا والعراق وليبيا طوال عام 2016 (خسر الرمادي، وتدمر، ومنبج، وسرت...) التنظيم إلى محاولة تدارك الموقف عبر تكثيف نشاط فروعه.

وثالثا، من المحتمل أن يكون قرار داعش الاعتراف بفرعه في الصحراء الكبرى جاء أيضا لتدارك الأزمة التي عصفت بفرعه في غرب أفريقيا، والمتمثل في بوكو حرام. فالتنظيم الذي أعلن بيعته لأبي بكر البغدادي، في آذار/ مارس 2015 (شهرين فقط قبل بيعة الصحراوي) دخل في خلافات حادة حول القيادة. دفعت هذه الخلافات داعش، في آب/أغسطس 2016، إلى الإطاحة بأبي بكر شيكاو زعيم الحركة، وتعيين أبي مصعب البرناوي خلفا له.

وكان البرناوي، وهو ابن مؤسس الحركة محمد يوسف، يعمل متحدثا رسميا. لكن شيكاو رفض هذا التغيير، وأعلن تشبته بوكو حرام، لينقسم فرع داعش في أفريقيا إلى قسمين أحدها يتبع للبرناوي والثاني يتبع لشيكاو.

"كانت تأويلات شيكاو للتكفير، والتبريرات التي يشرعن بها مهاجمة مسلمين باسم الجهاد، تتعارض مع أفكار أبي بكر البغدادي زعيم داعش"، يقول وارنر.

وأخيرا داعش يهتم!

رغم اعتراف داعش بفرعه في الصحراء الكبرى في تشرين الثاني/ أكتوبر 2016، ظل الفرع ثانويا ضمن أولويات التنظيم. لكن الأوضاع، التي تحدث عنها وارنر، ستتعمق أكثر خلال سنتي 2017 و2018. وستدفع التنظيم المركزي إلى الاهتمام بفرعه في الصحراء.

 كثف الفرع نشاطه، واستهدف قوات الأمن في الدول الثلاث، النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وحتى بعثة الأمم المتحدة.

وفي 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، نفذ الفرع هجوما لفت إليه انتباه مختلف وسائل الإعلام العالمية. واستهدف الهجوم دورية مشتركة أميركية نيجرية في منطقة تونغو تونغو (جنوب غرب النيجر)، مسفراً عن مقتل أربعة جنود أميركيين.

في العام التالي، أدرجت الولايات المتحدة داعش في الصحراء وزعيمه أبا الوليد الصحراوي على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وهو ما فعلته الأمم المتحدة  بدورها.

مع بداية العام 2019، أعلن فرع الصحراء اختطاف وقتل الجيولوجي الكندي كيرك وودمان في شمال شرق بوركينا فاسو. وهي العملية التي احتفت بها مجلة "النبأ"، في أحد أعدادها لشهر آذار/ مارس. وعرضت صورة لرخصة قيادة الجيولوجي الكندي، في تأكيد على وجود قنوات تواصل بين التنظيم المركزي وفرعه في الصحراء.

في مقابل هذا، تكبد التنظيم المركزي خسائر جديدة انضافت إلى خسائر سنة 2016. وفقد معقليه الرئيسيين في الموصل والرقة.

في شريطه الأخير، رسم أبو بكر البغدادي إستراتيجية داعش الجديدة، ودعا فروع التنظيم ومؤيديه في مختلف أنحاء العالم إلى الانتقام لما حدث في سوريا والعراق، وذكر أبا الوليد الصحراوي ومقاتليه بالاسم.

وفي السنوات الثلاث الأخيرة أيضا، ازدادت الخلافات داخل بوكو حرام عمقا. استمر أبو بكر شيكاو في السيطرة على وسط وجنوب ولاية بورنو (شرق نيجيريا)، بما في ذلك غابة سامبيا المعقل التاريخي للحركة، فيما انحاز أتباع البرناوي إلى شمال بورنو في منطقة حوض بحيرة تشاد.

وبحلول آذار/ مارس 2019، انضافت أزمة قيادة جديدة إلى مشاكل بوكو حرام: أطاح داعش بأبي مصعب البرناوي، لصالح زعيم ثان هو أبو عبد الله عمر البرناوي، بعد اتهام القائد السابق بأنه "معتدل" أكثر من اللازم.

دفعت كل هذه التطورات داعش إلى مزيد من الاهتمام لفرعه في الصحراء الكبرى.

داعش والقاعدة يتعاونان

ارتفعت حوادث العنف المرتبة بتنظيمي القاعدة وداعش في بوركينا فاسو من 24 عام 2017 إلى 136 عام 2018. ويُعتقد أن القاعدة تجند أكثر من 800 مقاتل في بوركينا فاسو، بينما يجند فرع داعش في الصحراء الكبرى نحو 300.

 يأتي هذا في وقت خفضت فيه القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا قواتها بـ10 في المئة. وينتظر أن تجري تخفيضا ثانيا بـ10 في المئة أيضا، بحلول صيف سنة 2020.

لكن الملفت هو أن داعش في الصحراء الكبرى، وعلى عكس السياسة الرسمية للتنظيم المركزي، لا يتردد في التعاون مع الجماعات الجهادية الأخرى بما فيها تنظيم القاعدة. وتعتبر داعش القاعدة وزعيمها أيمن الظواهري كفارا مرتدين.

ففي الوقت الذي يصف مقال لأحد مؤيدي داعش "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، أكبر تحالف جهادي في منطقة الساحل مرتبط بتنظيم القاعدة، بجماعة "نصرة الصليبيين ووكلائهم"، نجد متحدثا باسم داعش في الصحراء يقول إن "إخوتنا إياد آغ غالي والمجاهدين الآخرين يدافعون مثلنا عن الإسلام".

وإياد غالي هو زعيم طوارقي يتزعم جماعة أنصار الدين، ويترأس تحالف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين".

وشدد المتحدث باسم داعش، الذي عرف عن نفسه باسم "عمار" في حديثه لوكالة الصحافة الفرنسية، على أن تنظيمه لا يزال يدين بالولاء لأبي بكر البغدادي.

وأضاف أنه سيتعاون مع باقي التنظيمات "لمكافحة الكفار"، في إشارة إلى القوات المشتركة لدول الساحل الأفريقي، وهي مالي والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا وتشاد.

وقال عمار: "سنقوم بكل ما بوسعنا لمنع تمركز قوة دول الساحل الخمس" في منطقة الصحراء الكبرى.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".