أعضاء قبيلة مري البلوشية في محافظة بلوشستان حاملين لبنادق من طراز كلاشنكوف - تموز/يوليو 2004
أعضاء قبيلة مري البلوشية في محافظة بلوشستان حاملين لبنادق من طراز كلاشنكوف - تموز/يوليو 2004

بعد 19 عاما على تأسيسه، صنفت الولايات المتحدة الأمريكية أمس الثلاثاء "جيش تحرير بلوشستان" على قائمتها للإرهاب، بعد تنفيذه هجمات دامية استهدفت مصالح صينية في باكستان.

وقالت الخارجية الأمريكية إنها تهدف من هذه الخطوة إلى حرمان هذه الجماعة من الموارد للتخطيط وتنفيذ أعمال إرهابية.

واعتبرت هذا الجيش جماعة انفصالية مسلحة تستهدف قوات الأمن والمدنيين، لا سيما في مناطق إتنية البلوش في باكستان.

ويُعرض هذا الاعلان كل شخص في الولايات المتحدة يؤازر هذا الجيش لاتهامات جنائية إضافة إلى تجميد أصوله على الأراضي الأمريكية.

وجيش تحرير بلوشستان، هو منظمة انفصالية مسلحة، تنطلق من إقليم بلوشستان جنوب غرب باكستان، وتهدف لتأسيس دولة بلوشية ذات سيادة (فصل بلوشستان عن باكستان).

وتعتبر هذه المنظمة صاحبة تاريخ طويل من عمليات العنف الموجهة ضد باكستان وإيران والصين، وذاع صيتها لأول مرة عام 2000 بعد تبنيها سلسلة تفجيرات.

وعام 2006 صنفت الحكومتان البريطانية والباكستانية هذا الجيش منظمة إرهابية.

وفي نوفمبر 2018، شنت المنظمة هجومين دمويين استهدف أحدهما قنصلية الصين في كراتشي كبرى مدن باكستان مسفرا عن مقتل أربعة أشخاص.

وركز المتمردون في بلوشستان الذين يعتبرون الصين "ظالمة"، هجماتهم في الأشهر والسنوات الأخيرة ضد الاستثمارات الصينية التي تعد جزءا رئيسيا من مبادرة "الحزام والطريق".

وفي مايو الماضي قتل خمسة أشخاص بينهم جندي بعد اقتحام مسلحين لفندق في مدينة جوادر الباكستانية، وأعلن جيش تحرير بلوشستان مسؤوليته عن الهجوم.

ودعا الصين لضرورة وقف "مشاريعها الاستغلالية في بلوشستان" وعدم دعم "إبادة شعب البلوش"، ما يهدد بحصول مزيد من الهجمات، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية.

وفي أبريل الماضي، قتل 14 شخصا على الأقل من القوات البحرية والأمنية الباكستانية في هجوم على حافلات كانت تقلهم في إقليم بلوشستان الواقع على الحدود مع أفغانستان وإيران.

ومنذ 2004 تحارب باكستان المتمردين في الاقليم الذي يشهد بين الحين والآخر اشتباكات طائفية وعرقية، فيما تسعى الحكومة لإقرار مصالحة بالإقليم.

ويذهب البعض لوصف ما يجري كحرب بالوكالة بين الهند وباكستان مسرحها إقليم بلوشستان، وتتهم إسلام أباد الهند بدعم المتمردين هناك، مقابل اتهامات هندية مقابلة لباكستان والصين بدعم جيش محمد وزعيمه (مسعود أزهر) الذي يتخذ من كشمير الهندية مقرا له.

وتعتبر بلوشستان، التي تشكل 44% من مساحة باكستان، من المناطقة الغنية بالموارد الطبيعية كالغاز الطبيعي، النفط، الفحم، النحاس، والذهب، لكنها المحافظة الأقل نموا والأكثر فقرا في البلاد.

ويزعم المتمردون البلوش أن الحكومة المركزية تعيق التنمية لإبقاء الإقليم ضعيفا، وهو ما يحسب ضمن أسباب الصراع والتمرد خصوصا أن غالبية السكان في بلوشستان يفتقرون ظروف العيش الكريمة.

وتنفي إسلام اباد تقارير منظمات حقوقية تتهمها بانتهاك حقوق الإنسان في إطار حملتها لقمع التمرد في بلوشستان، وتتهم عدوتها التاريخية الهند بإثارة التمرد، وهو الاتهام الذي تسخر منه نيودلهي.

وقاتلت حركات التمرد التي أنشأها القوميون البلوش عام 1948، 1958-59، 1962-63 و 1973-77، لكن أوسع تمرد بدأ مطلع عام 2003.

واستغل المتمردون تدهور القانون ووضع النظام في أفغانستان المجاورة وعدم الاستقرار على المستوى الاتحادي، ليكتسبوا قوة ضاربة ليهاجموا جميع المنشآت الحكومية ويقتلوا كبار المسؤولين.

وينضوي تحت جيش تحرير بلوشستان جماعات انفصالية أخرى مثل عسكر بلوشستان والجبهة المتحدة لتحرير بلوشستان.

ونهاية عام 2017، أعلنت السلطات الباكستانية أن أكثر من 300 انفصالي، بينهم 17 قياديا من جماعات مسلحة متمردة، سلموا انفسهم واسلحتهم لقوات الأمن في إقليم "بلوشستان"، في اطار مصالحة سياسية بالإقليم المضطرب.

ومعظم قادة وأعضاء جيش تحرير بلوشستان هم من المجتمع البلوشي، وتحديدا من قبيلة مري وأرجاء بلوشستان.

وأدى مقتل الزعيم البلوشي نواب أكبر بكتي (عام 2006) إلى انتشار موجة العنف في كافة أنحاء الإقليم، وتوحيد القبائل البلوشية في محاربة الحكومة المركزية ورفع شعار الانفصال عن باكستان.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.