ومحمد علي الحوثي، هو رئيس اللجنة الثورية العليا التابعة للجماعة
ومحمد علي الحوثي، هو رئيس اللجنة الثورية العليا التابعة للجماعة

"هو نجل الحسين بن علي بن أبي طالب"، "حفيد رسول الله (ص) حسين بدر الدين الحوثي عليهم السلام"، "استهداف السيد حسين هو استهداف للقران..."، "سيدي حسين قال سنحرر الأقصى وندخل الجنة"، "سيدي عبدالملك الحوثي مصطفى من الله".

هذه عبارات يرددها أتباع ومنظرو جماعة الحوثي الموالية لطهران تقديسا لمؤسسها الراحل حسين بدرالدين الحوثي (قتل عام 2004) وشقيقه الخلف عبدالملك الحوثي.

ولا يؤمن غالبية الأعضاء من المقاتلين البسطاء وحتى قادة ومنظرو الجماعة إلا بما يقوله السيد أو زعيم الجماعة، التي تأسست على اعتقادها باصطفاء الله لهم في الحكم، وهي نظرية يرتكز عليها المذهب الزيدي الذي تنتمي إليه الجماعة.

يقول علي المؤيد، وهو مقاتل حوثي عشريني "صمدنا وانتصرنا منذ أكثر من أربع سنوات رغم أن العالم كله ضدنا".

ويضيف لـ "ارفع صوتك": "وسيطرتنا على معظم أراضي اليمن هي تمكين إلهي لجماعتنا كما يقول السيد. سيدنا اصطفاه الله وسيحكم العالم ذات يوم بالعدل ونحن نؤمن بقدراته".

"الاصطفاء الإلهي"

ونجح حسين الحوثي ومن بعده شقيقه عبدالملك، من خلال مجموعة كتابات وخطابات في تكريس نظرية "الاصطفاء الإلهي" لدى أتباعهم وأنهم المنصورون والغالبون منذ ظهور الجماعة نهاية التسعينيات.

و"الاصطفاء الإلهي"، مصطلح ديني توظفه الجماعات الشيعية لإثبات أحقيتها في الحكم ومسؤولية الدين إلى الأبد عبر أشخاص يدعون الانتساب للنبي محمد.

واستخدم الحوثيون هذه النظرية مبكراً في وثائقهم وأدبياتهم بمسمى "الولاية" التي كان بدر الدين الحوثي (توفي أواخر 2010) أبرز علماء الزيدية، الذين نادوا بها.

لكنها برزت بقوة في فبراير 2012 حين أصدرت مرجعيات دينية "الوثيقة الفكرية والثقافية" التي علق عليها عبدالملك الحوثي خطيا "هذه رؤيتنا وعقيدتنا".

وجاء في الوثيقة "نعتقد أن الله سبحانه وتعالى اصطفى أهل بيت رسول الله (ص) فجعلهم هداة للأمة وورثة الكتاب بعده، إلى أن تقوم الساعة وأن الله يهيئ في كل عصر من يكون مناراً لعباده وقادراً على القيام بأمر الأمة والنهوض بها في كل مجالاتها...".

ويستشهدون على ذلك بآيات قرآنية مثل "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (ال عمران، 33و 34).

"هذا تأكيد بأن الاصطفاء يمتد للذرية كما في الأشخاص، وآل محمد هم امتداد لآل ابراهيم"، يقول محمد البخيتي، وهو عضو بارز في المكتب السياسي لجماعة الحوثيين.

ويتابع: "للأسف صرنا نسمع البعض يصرّح بعدائه وكرهه لآل البيت بدافع الغيرة والحسد، متجاهلين حقيقة أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يأمرنا بخلاف مقتضيات العدل والرحمة، كما يتخذ البعض قضية الاصطفاء الإلهي مدخلاً للهجوم على أنصار الله (الحوثيين)"، في إشارة إلى أن الحوثيين استمرار للإمامة.

وقال حسين الحوثي في إحدى كتاباته التي عرفت لاحقاً بملازم حسين الحوثي، ويتم الترويج لها بشكل كبير في المساجد والمدارس ونحوها، إن الله وعد أهل البيت بالنصر والتمكين و"اصطفاهم" على العالمين وإنهم المؤمنون الذين وعدهم الله بالتمكين في الآية: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور -55).

ويقول الحوثيين إنهم من سلالة آل البيت.

"سلالية أكثر من زيدية"

منذ اجتياح جماعة الحوثيين للعاصمة اليمنية صنعاء في أيلول/ سبتمبر 2014 وسيطرتها على مناطق واسعة شمالي اليمن التفت عائلات هاشمية يمنية كثيرة حول الجماعة (نسبة لأبي هاشم جد الرسول) لتبرز في المقابل وبشكل لافت دعوات لتجريم ما أسموه "الهاشمية السياسية".

ويؤمن عبدالملك الحوثي بأحقيته بالحكم وراثياً باعتباره "من نسل الإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت النبي محمد، كاصطفاء إلهي"، ويغذي عقول أتباعه بهذه القناعة ضمانا للتسليم بعدم الجدال حول أحقية الحكم.

يرى حسين الوادعي، وهو كاتب وباحث يمني بارز، أن "الوثيقة الفكرية والثقافية" للحوثيين "تحمل مضامين سياسية ودينية وعرقية غاية في الخطورة".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "نظرية الاصطفاء الإلهي عنصرية قائمة على أساس السلالة، وأكثر تطرفاً حتى من بعض العنصريات الحديثة".

ويعزو الوادعي وصفه لجماعة الحوثيين بأنها سلالية إلى "ادعائهم الواضح والمثبت بتفضيلهم واصطفائهم على العالمين اعتمادا على النسب الذين يدعونه كأحفاد للرسول (...) وكل شيء ينتهي إليهم في العلم والسياسة وشؤون الحياة الأخرى".

ويستشهد على ذلك باستحواذ الهاشميين على أكثر من 85% من قيادات ومسؤولي اللجان الثورية والأمنية التابعة للجماعة.

ورغم سيطرتها على مفاصل الدولة منذ 2014، لكن هناك من يرى أن تأثيرها على الأرض "محدود".

من جهته، يقول الصحفي اليمني غمدان أبو أصبع لـ "ارفع صوتك": "قبل سيطرتها على السلطة كانت أكثر قبولا في الشارع، واليوم باتت حركة مكروهة ظالمة وسلالية أكثر من كونها زيدية".

ويشغل مهدي المشاط، وهو قيادي حوثي بارز (هاشمي)، وصهر عبدالملك الحوثي، منصب رئيس المجلس السياسي الأعلى (بمقام رئيس للجمهورية) في مناطق سيطرة الحوثيين.

ومحمد علي الحوثي، هو رئيس اللجنة الثورية العليا التابعة للجماعة.

وهما أبرز مثالين على تعزيز الحوثيين سلطتهم الشرعية بصفتهم "من آل البيت".

أبو أصبع يوافق حسين الوادعي، ويقول إن "مفهوم الحق الإلهي خرافة تناقلتها الديانات السماوية والأرضية والهدف تسخير المجتمع لخدمة كهنة الأديان".

ويعتقد بأن سيطرة الحوثي على الأرض "نتجت في معظمها عن عوامل سياسية ساهمت فيها القوى الدولية لتوظيف هذه الميليشيا في خدمة مصالحها، أما الحركة نفسها طائفية غير مقبولة، ومصدر لتفتيت البنية الاجتماعية للشعب اليمني".

وخلال سيطرتهم على أجزاء واسعة من اليمن، فرض قادة حوثيين على طلبة المدارس والمصلين في المساجد والجنود في المعسكرات واللقاءات وغيرها، ترديد "شعار الولاية"، الذي ينص صراحة على ان الله "أمر بتولي عبدالملك الحوثي".

يقول الشعار: "اللهم إنا نتولاك، ونتولى رسولك، ونتولى الإمام علي، ونتولى من أمرتنا بتوليه، سيدي ومولاي عبدالملك بدرالدين الحوثي، اللهم إنا نبرأ من عدوك وعدو نبيك وعدو الإمام علي، وعدو من أمرتنا بتوليه سيدي ومولاي عبدالملك بدرالدين الحوثي".

خاطئة

ويطفح الخطاب الديني لجماعة الحوثيين بعداء شديد للديمقراطية باعتبارها النقيض تماما للمعتقدات التي يسوقونها لاتباعهم للتسليم بأحقيتهم المطلقة في الحكم.

"لو تركت ولاية أمر المسلمين للاختيار البشري (الانتخابات) لكانت خاطئة جدا"، قال عبدالملك الحوثي، في خطاب متلفز نهاية آب/ أغسطس 2018.

واستشهد بمجتمع مكة في صدر الإسلام قائلاً إن "الأغلبية كانت إلى جانب أبي جهل وأبي سفيان وتكذب الرسول (محمد)، ولو قيل انتخبوا لاتجهوا لانتخاب أبي جهل أو أبي سفيان وكفروا برسول الله".

مرضية

في ذات السياق، محمد عزان، وهو شريك حسين الحوثي في تأسيس تنظيم الشباب المؤمن الذي شكل نواة أنصار الله (الحوثيين) في التسعينيات قبل اختلافهما لاحقا، إنه لا فرق بين متخلف يدعي النبوة وآخر يدعي الاصطفاء الإلهي.

ويضيف الباحث في الفكر الإسلامي في منشور على صفحته بموقع فيسبوك مطلع فبراير الماضي، "كلها افتراء على الغيب وهي ظاهرة مرضية".

طهران

ويرى رامي شفيق، وهو صحفي وباحث مصري في شؤون حركات الإسلام السياسي، أنّ ثمة حالة تنظيمية تعكس ارتباط الحوثيين بطهران، كحزب "الدعوة" الشيعي في العراق، و"حزب الله" اللبناني.

يضيف لموقع (ارفع صوتك) "جميعهم يخضعون فقهيا لرؤية الاصطفاء الإلهي" خضوعا سياسيا لطهران، التي تحاول توظيف هذه الجماعات لصالحها في العالم العربي".

الإسلام السياسي

ويعلل حسين الوادعي عدم نجاح الدولة في مواجهة خطاب "الاصطفاء الحوثي" إلى "الوعي الديني المبني على تقديس علي والحسين والإيمان بأفضليتهما للحكم".

لكن أهم عامل -وفقا للوادعي- هو "تكريس الإسلام السياسي لفكرة أن الحكم والسلطة شأن ديني وليس مدني، وأنه يستند إلى القرآن وليس الشعب لهذا وجد الحوثيون الطريق ممهدا لأفكارهم".

من جانبه يرى غمدان أبو اصبع، أن ما يعزز وجود حركة الحوثي "غياب التوافق بين القوى اليمنية وارتهانها للقرار الدولي".

وأكد أن "افتقار الدولة لخطاب يعزز الهوية الوطنية كان له أثر كبير في غياب عقيدة وطنية، لصالح تنامي الخطاب الراديكالي الديني".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".