ومحمد علي الحوثي، هو رئيس اللجنة الثورية العليا التابعة للجماعة
ومحمد علي الحوثي، هو رئيس اللجنة الثورية العليا التابعة للجماعة

"هو نجل الحسين بن علي بن أبي طالب"، "حفيد رسول الله (ص) حسين بدر الدين الحوثي عليهم السلام"، "استهداف السيد حسين هو استهداف للقران..."، "سيدي حسين قال سنحرر الأقصى وندخل الجنة"، "سيدي عبدالملك الحوثي مصطفى من الله".

هذه عبارات يرددها أتباع ومنظرو جماعة الحوثي الموالية لطهران تقديسا لمؤسسها الراحل حسين بدرالدين الحوثي (قتل عام 2004) وشقيقه الخلف عبدالملك الحوثي.

ولا يؤمن غالبية الأعضاء من المقاتلين البسطاء وحتى قادة ومنظرو الجماعة إلا بما يقوله السيد أو زعيم الجماعة، التي تأسست على اعتقادها باصطفاء الله لهم في الحكم، وهي نظرية يرتكز عليها المذهب الزيدي الذي تنتمي إليه الجماعة.

يقول علي المؤيد، وهو مقاتل حوثي عشريني "صمدنا وانتصرنا منذ أكثر من أربع سنوات رغم أن العالم كله ضدنا".

ويضيف لـ "ارفع صوتك": "وسيطرتنا على معظم أراضي اليمن هي تمكين إلهي لجماعتنا كما يقول السيد. سيدنا اصطفاه الله وسيحكم العالم ذات يوم بالعدل ونحن نؤمن بقدراته".

"الاصطفاء الإلهي"

ونجح حسين الحوثي ومن بعده شقيقه عبدالملك، من خلال مجموعة كتابات وخطابات في تكريس نظرية "الاصطفاء الإلهي" لدى أتباعهم وأنهم المنصورون والغالبون منذ ظهور الجماعة نهاية التسعينيات.

و"الاصطفاء الإلهي"، مصطلح ديني توظفه الجماعات الشيعية لإثبات أحقيتها في الحكم ومسؤولية الدين إلى الأبد عبر أشخاص يدعون الانتساب للنبي محمد.

واستخدم الحوثيون هذه النظرية مبكراً في وثائقهم وأدبياتهم بمسمى "الولاية" التي كان بدر الدين الحوثي (توفي أواخر 2010) أبرز علماء الزيدية، الذين نادوا بها.

لكنها برزت بقوة في فبراير 2012 حين أصدرت مرجعيات دينية "الوثيقة الفكرية والثقافية" التي علق عليها عبدالملك الحوثي خطيا "هذه رؤيتنا وعقيدتنا".

وجاء في الوثيقة "نعتقد أن الله سبحانه وتعالى اصطفى أهل بيت رسول الله (ص) فجعلهم هداة للأمة وورثة الكتاب بعده، إلى أن تقوم الساعة وأن الله يهيئ في كل عصر من يكون مناراً لعباده وقادراً على القيام بأمر الأمة والنهوض بها في كل مجالاتها...".

ويستشهدون على ذلك بآيات قرآنية مثل "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (ال عمران، 33و 34).

"هذا تأكيد بأن الاصطفاء يمتد للذرية كما في الأشخاص، وآل محمد هم امتداد لآل ابراهيم"، يقول محمد البخيتي، وهو عضو بارز في المكتب السياسي لجماعة الحوثيين.

ويتابع: "للأسف صرنا نسمع البعض يصرّح بعدائه وكرهه لآل البيت بدافع الغيرة والحسد، متجاهلين حقيقة أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يأمرنا بخلاف مقتضيات العدل والرحمة، كما يتخذ البعض قضية الاصطفاء الإلهي مدخلاً للهجوم على أنصار الله (الحوثيين)"، في إشارة إلى أن الحوثيين استمرار للإمامة.

وقال حسين الحوثي في إحدى كتاباته التي عرفت لاحقاً بملازم حسين الحوثي، ويتم الترويج لها بشكل كبير في المساجد والمدارس ونحوها، إن الله وعد أهل البيت بالنصر والتمكين و"اصطفاهم" على العالمين وإنهم المؤمنون الذين وعدهم الله بالتمكين في الآية: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور -55).

ويقول الحوثيين إنهم من سلالة آل البيت.

"سلالية أكثر من زيدية"

منذ اجتياح جماعة الحوثيين للعاصمة اليمنية صنعاء في أيلول/ سبتمبر 2014 وسيطرتها على مناطق واسعة شمالي اليمن التفت عائلات هاشمية يمنية كثيرة حول الجماعة (نسبة لأبي هاشم جد الرسول) لتبرز في المقابل وبشكل لافت دعوات لتجريم ما أسموه "الهاشمية السياسية".

ويؤمن عبدالملك الحوثي بأحقيته بالحكم وراثياً باعتباره "من نسل الإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت النبي محمد، كاصطفاء إلهي"، ويغذي عقول أتباعه بهذه القناعة ضمانا للتسليم بعدم الجدال حول أحقية الحكم.

يرى حسين الوادعي، وهو كاتب وباحث يمني بارز، أن "الوثيقة الفكرية والثقافية" للحوثيين "تحمل مضامين سياسية ودينية وعرقية غاية في الخطورة".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "نظرية الاصطفاء الإلهي عنصرية قائمة على أساس السلالة، وأكثر تطرفاً حتى من بعض العنصريات الحديثة".

ويعزو الوادعي وصفه لجماعة الحوثيين بأنها سلالية إلى "ادعائهم الواضح والمثبت بتفضيلهم واصطفائهم على العالمين اعتمادا على النسب الذين يدعونه كأحفاد للرسول (...) وكل شيء ينتهي إليهم في العلم والسياسة وشؤون الحياة الأخرى".

ويستشهد على ذلك باستحواذ الهاشميين على أكثر من 85% من قيادات ومسؤولي اللجان الثورية والأمنية التابعة للجماعة.

ورغم سيطرتها على مفاصل الدولة منذ 2014، لكن هناك من يرى أن تأثيرها على الأرض "محدود".

من جهته، يقول الصحفي اليمني غمدان أبو أصبع لـ "ارفع صوتك": "قبل سيطرتها على السلطة كانت أكثر قبولا في الشارع، واليوم باتت حركة مكروهة ظالمة وسلالية أكثر من كونها زيدية".

ويشغل مهدي المشاط، وهو قيادي حوثي بارز (هاشمي)، وصهر عبدالملك الحوثي، منصب رئيس المجلس السياسي الأعلى (بمقام رئيس للجمهورية) في مناطق سيطرة الحوثيين.

ومحمد علي الحوثي، هو رئيس اللجنة الثورية العليا التابعة للجماعة.

وهما أبرز مثالين على تعزيز الحوثيين سلطتهم الشرعية بصفتهم "من آل البيت".

أبو أصبع يوافق حسين الوادعي، ويقول إن "مفهوم الحق الإلهي خرافة تناقلتها الديانات السماوية والأرضية والهدف تسخير المجتمع لخدمة كهنة الأديان".

ويعتقد بأن سيطرة الحوثي على الأرض "نتجت في معظمها عن عوامل سياسية ساهمت فيها القوى الدولية لتوظيف هذه الميليشيا في خدمة مصالحها، أما الحركة نفسها طائفية غير مقبولة، ومصدر لتفتيت البنية الاجتماعية للشعب اليمني".

وخلال سيطرتهم على أجزاء واسعة من اليمن، فرض قادة حوثيين على طلبة المدارس والمصلين في المساجد والجنود في المعسكرات واللقاءات وغيرها، ترديد "شعار الولاية"، الذي ينص صراحة على ان الله "أمر بتولي عبدالملك الحوثي".

يقول الشعار: "اللهم إنا نتولاك، ونتولى رسولك، ونتولى الإمام علي، ونتولى من أمرتنا بتوليه، سيدي ومولاي عبدالملك بدرالدين الحوثي، اللهم إنا نبرأ من عدوك وعدو نبيك وعدو الإمام علي، وعدو من أمرتنا بتوليه سيدي ومولاي عبدالملك بدرالدين الحوثي".

خاطئة

ويطفح الخطاب الديني لجماعة الحوثيين بعداء شديد للديمقراطية باعتبارها النقيض تماما للمعتقدات التي يسوقونها لاتباعهم للتسليم بأحقيتهم المطلقة في الحكم.

"لو تركت ولاية أمر المسلمين للاختيار البشري (الانتخابات) لكانت خاطئة جدا"، قال عبدالملك الحوثي، في خطاب متلفز نهاية آب/ أغسطس 2018.

واستشهد بمجتمع مكة في صدر الإسلام قائلاً إن "الأغلبية كانت إلى جانب أبي جهل وأبي سفيان وتكذب الرسول (محمد)، ولو قيل انتخبوا لاتجهوا لانتخاب أبي جهل أو أبي سفيان وكفروا برسول الله".

مرضية

في ذات السياق، محمد عزان، وهو شريك حسين الحوثي في تأسيس تنظيم الشباب المؤمن الذي شكل نواة أنصار الله (الحوثيين) في التسعينيات قبل اختلافهما لاحقا، إنه لا فرق بين متخلف يدعي النبوة وآخر يدعي الاصطفاء الإلهي.

ويضيف الباحث في الفكر الإسلامي في منشور على صفحته بموقع فيسبوك مطلع فبراير الماضي، "كلها افتراء على الغيب وهي ظاهرة مرضية".

طهران

ويرى رامي شفيق، وهو صحفي وباحث مصري في شؤون حركات الإسلام السياسي، أنّ ثمة حالة تنظيمية تعكس ارتباط الحوثيين بطهران، كحزب "الدعوة" الشيعي في العراق، و"حزب الله" اللبناني.

يضيف لموقع (ارفع صوتك) "جميعهم يخضعون فقهيا لرؤية الاصطفاء الإلهي" خضوعا سياسيا لطهران، التي تحاول توظيف هذه الجماعات لصالحها في العالم العربي".

الإسلام السياسي

ويعلل حسين الوادعي عدم نجاح الدولة في مواجهة خطاب "الاصطفاء الحوثي" إلى "الوعي الديني المبني على تقديس علي والحسين والإيمان بأفضليتهما للحكم".

لكن أهم عامل -وفقا للوادعي- هو "تكريس الإسلام السياسي لفكرة أن الحكم والسلطة شأن ديني وليس مدني، وأنه يستند إلى القرآن وليس الشعب لهذا وجد الحوثيون الطريق ممهدا لأفكارهم".

من جانبه يرى غمدان أبو اصبع، أن ما يعزز وجود حركة الحوثي "غياب التوافق بين القوى اليمنية وارتهانها للقرار الدولي".

وأكد أن "افتقار الدولة لخطاب يعزز الهوية الوطنية كان له أثر كبير في غياب عقيدة وطنية، لصالح تنامي الخطاب الراديكالي الديني".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.