| Source: Courtesy Image

منتصف العام 2018، تلقت امرأة سودانية تنحدر من إقليم دارفور شرقي البلاد 75 جلدة بحكم قضائي على خلفية زواجها دون موافقة والدها.

وبالإضافة إلى عقوبة الجلد، أمرت المحكمة بسجن المرأة ستة أشهر وعلى زوجها بالسجن لمدة عامين.

وجاء الحكم المثير للجدل في أعقاب رفع عائلة السيدة السودانية دعوى قضائية اتهمت فيها ابنتها بالعيش مع رجل بصورة "غير شرعية"، وممارسة الجنس معه خارج إطار الزوجية، على الرغم من مرور نحو عام كامل على زواجهما وإنجابهما طفلا عمره شهرين وقت تنفيذ العقوبة.

وتذرع القاضي في إصدار هذا الحكم بـ"مخالفة" هذا الزواج للشريعة الإسلامية التي تستوجب موافقة ولي الأمر على عقد النكاح، فيما أثارت القضية غضبا عارما في الأوساط الحقوقية التي رأت في هذا النوع من الأحكام واحدة من أسوأ ممارسات القهر ضد المرأة.

​​وتنص المادة 25 من قانون الأحوال الشخصية السوداني على أن شروط صحة عقد الزواج تشمل: إشهاد شاهدين، وعدم إسقاط المهر، ثم وجود الولي الذي يشترط فيه الذكورة والبلوغ والعقل والإسلام.

وعلى الرغم من أن الدستور الانتقالي السوداني ينص على إعلاء قيم العدل والمساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات إلا أن الخرطوم لم تصادق حتى الآن على الانضمام إلى اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 1979.

وأثار تحرك وزارة العدل السودانية في اتجاه المصادقة على الاتفاقية العام الماضي لغطا كبيرا على الصعيدين القانوني والفقهي، حيث رأى فيها القسم النسائي لحزب التحرير السوداني (تكتل إسلامي) “انزلاقا خطيرا في هوة القذارة والفسق والفجور”.

هيئة علماء السودان، من جانبها رفضت مراراً إسقاط الولاية في الزواج ووصفتها بـ “الجرم الكبير”.

القانون الموحد

تأخذ معظم البلدان العربية بالرأي الفقهي الذي يستند إلى روايات عن النبي محمد يقول فيها “أيما امرأة نكحت دون إذن وليها فنكاحها باطل”.

وباستثناء الإمام أبي حنيفة النعمان، الذي أجاز للمرأة أن تزوج نفسها بغير ولي، يشترط أئمة المذاهب الإسلامية السنية الكبرى مالك والشافعي وابن حنبل موافقة ولي المرأة لإتمام عقد الزواج. وهو الشيء نفسه لدى الإمامية.

​​وينص القانون العربي الموحد للأحوال الشخصية، الذي أعتمده مجلس وزراء العدل العرب في نيسان/أبريل 1988، على شرط الولي في الزواج.

وحسب المادتين 20 و21 من هذا القانون، “يتولى ولي المرأة عقد زواجها برضاها”.

ومع ذلك، فإن قوانين الأحوال الشخصية في بعض دول المنطقة تجاوزت هذا الشرط، وكفلت للمرأة الحق في تزويج نفسها، كما هو الحال في العراق والأردن وعدد من الدول المغاربية.

الأكثر تشددا

وتعتبر السعودية أكثر الدول الإسلامية تشددا في مسألة وجوب موافقة ولي أمر المرأة لإتمام عقد الزواج بمبرر ضعف خبرة الفتيات.​

​​ونهاية العام 2016، أصدرت محكمة إماراتية حكما بفسخ زواج فتاة من شاب تزوجته خارج البلد، بعدما تقدم والدها بطلب ذلك مبررا أن الزواج تم دون حضوره.

ويأخذ القانون الإماراتي بالرأي الفقهي الذي يرى بأن زواج المرأة دون ولي “باطل”.

ومع ذلك، يحق للمرأة الراغبة في الزواج رفع أمرها للقاضي الذي يحل محل الولي الممتنع بلا سبب ويزوجها بولايته، وهو ما تقره أيضا قوانين الدول العربية الأخرى التي تشترط الولي لإتمام عقد الزواج.

قتل داخل محكمة

في نيسان/أبريل 2018، قتل شاب يمني شقيقته داخل قاعة محكمة في صنعاء بينما كان القاضي ينظر في دعواها القانونية التي طالبت فيها بنقل “ولاية أمر زواجها” إلى المحكمة، بعد أن رفض والدها عقد قرانها على شاب تقدم لخطبتها.

ولا يسمح قانون الأحوال الشخصية اليمني للمرأة أن تزوج نفسها، ويشترط وجود ولي أمر وشاهدين ليكون عقد الزواج صحيحا.

وتنص المادة 22 من القانون على أن “من أجرى عقد زواج دون ولاية أو وكالة فهو فضولي. وعقد الزواج من الفضولي يعتبر كلا عقد”.

ويرى قانونيون يمنيون أن هذا القانون يكرس عدم المساواة بين الجنسين ويتناقض مع قوانين أخرى تعترف بأهلية المرأة كاملة في قضايا البيع والشراء والتملك وتولي الإدارة العامة والخاصة بعد تجاوزها سن 18 عاما.

الكفاءة

ينص القانون في الأردن وفلسطين على أنه “لا تُشترط موافقة الولي في زواج المرأة الثيب العاقلة المتجاوزة من العمر 18 عاما”.

وأجاز القانون الأردني أيضا للمرأة العاقلة المتجاوزة 18 عاما إذا كانت بكرا تزويج نفسها دون حاجة إلى إذن وليها، ولكن بشرط الكفاءة في العقد، وإلا كان لوليها طلب فسخ النكاح.

وقيد القانون طلب الفسخ بعدم حمل الزوجة، فإن حملت فلا مجال لطلب الفسخ حفاظاً على الولد.

وكذلك هو الحال في سوريا.

تمييز ايجابي

تنص قوانين الأحوال الشخصية في تونس والعراق على حق الأنثى التي أكملت 20 و 18 سنة عقد زواجها من دون إذن أو موافقة الولي.

أما في المغرب، فينص القانون على أن “للراشدة أن تعقد زواجها بنفسها أو تفوض ذلك لأبيها أو لأحد أقاربها. فالولاية حق للمرأة تمارسه الرشيدة حسب اختيارها ومصلحتها”.

وفي الجزائر، تعقد المرأة الراشدة زواجها بحضور وليها أو أحد أقاربها أو أي شخص آخر تختاره.

وإذا تخلف الولي عن الحضور فلن يؤثر بأي شيء على عقد الزواج، لأن حضوره اختياري.

ولا يشترط القانون المصري موافقة الولي لإتمام الزواج، “لكن بالطبع السائد غالبا أن تتزوج الفتاة بحضور أبيها أو وليها وموافقته”، كما يقول لموقع (ارفع صوتك) الصحافي المصري رامي شفيق.

في أحد ردوده حول هذه المسألة، قال مفتي مصر السابق علي جمعة، “البنت تتزوج بمن تريده تحت نظر الأسرة ورعايتها -حتى مع رفضهم له- أولى من أن تذهب وتتزوج بالرغم منهم وبعيداً عنهم وتصبح الأمور في الحياة أكثر تعقيداً وسوءا”.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

"الرغيف" بالفرنسية بترجمة فيفي أبو ديب
"الرغيف" بالفرنسية بترجمة فيفي أبو ديب

يحتفل العالم في 30 سبتمبر من كل عام باليوم الدولي للترجمة، الذي يراد به، بحسب تعريف الأمم المتحدة، "إتاحة الفرصة للإشادة بعمل المتخصصين في اللغة، الذين يلعبون دورًا مهمًا في التقريب بين الدول، وتسهيل الحوار والتفاهم والتعاون، والمساهمة في التنمية وتعزيز السلام والأمن العالميين". في هذه المناسبة التي تحتفي بالمترجمين الذين يمدّون جسوراً بين اللغات والثقافات، حاور "ارفع صوتك" الكاتبة والمترجمة اللبنانية فيفي أبو ديب التي تفخر بترجمتها لرواية "الرغيف" الشهيرة للأديب اللبناني توفيق يوسف عواد من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية.

ما الذي تعنيه الترجمة بالنسبة للمترجمين العرب؟

يزخر التاريخ العربي بالترجمات التي تركت أثرا مهماً وعابرا للغات سواء من العربية وإليها، أو إلى لغات أخرى لإتاحة المحتوى لأكبر شريحة ممكنة من الناس، وهكذا على سبيل المثال ترجم أرسطو في الأزمنة البعيدة، وعرفت الترجمة عصراً ذهبيا في العصر العباسي. ومن منا لا يعرف الجاحظ الذي ذهب إلى ما هو أبعد من الكلمة ليركز على ضرورة النظر في السياق الذي أتى منه النص الأصلي للوصول إلى انسيابية كاملة في النص.

بناء على تاريخ عريق، تجد الترجمة جذورها في السعي لاستقاء المعرفة من مصادر متنوعة والتعرف أكثر إلى الآخر، فاللغة هي مرآة أيضا للتقاليد والتطلعات. وبالنسبة لنا كمترجمات ومترجمين عرب، الترجمة أبعد من أن تختصر بوظيفة، وإنما هي رسالة، لنحمل الإنتاج من العربية أيضا إلى العالم، وهذا ما شعرت به وأنا أحمل رسالة بوزن "الرغيف" (2015) و"طواحين بيروت" (2012) وبإمضاء عواد العريق من جملة كتب ومنشورات أخرى بصيغ مختلفة.

كيف تتم عملية الترجمة وأين هو المترجم في العمل؟

يبدأ الأمر بالتعرف إلى المادة وهذا لا يعني حكماً أن المترجم يختار مواده. أحيانا، يختارها عملاؤنا وبغض النظر عن الرابط الذي ينشأ بين المترجم أو المادة، تبقى القاعدة نقل الرسالة بدقة وبالأسلوب الذي يتواءم معها. العملية تتم على مراحل عدة أهمها اكتشاف النص وقراءته بتمحّص مراراً وتكراراً والبحث بعمق عن السياق الزمني والمكاني الذي نشأ فيه، والتأكد من الأسماء والمفردات التقنية. هذا يعني الغوص في بحث حول الموضوع المتناول، قبل البدء بالعمل مع كل كلمة وسطر ومقطع وصفحة ثم قراءة ثانية وثالثة للتأكد من الإنسيابية في النص ومن الإتساق على مستوى الأفكار.. وقراءة أخيرة للتأكد من أن كل شيء يبدو جيداً.. أحيانا، نتوقف عند تفصيل صغير لأنه يغير شيئا ما بالنبرة.

خلال عملية الترجمة، يتوخى المترجم الإختفاء تماماً خلف هوية الكاتب، لكن ذلك ليس سهلاً على الدوام. ومع ذلك تبقى الأولوية للوفاء للكاتب ولرسالته بغض النظر عن نوع المادة. لا شك بأن المترجم له بصمته وهذا ما يتّضح جلياص من خلال الأعمال المترجمة على يد أكثر من شخص. لا تتشابه أي ترجمة مع الثانية لأن لكل إنسان بالمطلق بصمته وثقافته ومعرفته بالمواد وهي تختلف بدرجات.

ما الأثر الذي تركته ترجمة "الرغيف" للقارىء الأجنبي في نفسك؟

تسلط رواية "الرغيف" الضوء على فترة وضعت لفترة طويلة في الظل من عمر لبنان وهي فترة المجاعة(1915-1918)، بكل البشاعة والفضائح التي تحملها. بلغة سلسة أصفها "بالسهل الممتنع". يعرف قلة من الناس أن عواد كان على بعد ملايين الكيلومترات من البلاد وكان سفيراً في اليابان حين كتب الرواية وهذا يعني أنه استطاع رؤية الصورة بشكل أكثر شمولا وبأن الحنين للوطن لا بد وأنه كان يعتريه. أما عن الأثر في نفسي، فقد كان كبيراً للغاية. أذكر أني عشت فترة آمنت فيها بأن عواد يسكن جسدي وبات أسلوبي شبيهاً بأسلوبه للغاية. حين نترجم وعلى الرغم من كل محاولتنا "تحصين" أنفسنا بعض الشيء من المضمون، قد نصبح أحيانا مهووسين بكتاب أو بكاتب أو بحبكة.

حين ترجمت "الرغيف"، كنت على يقين بأنني أدين لبلدي أيضاً بنقل الحقيقة بلغة متاحة للقارئ الأجنبي. هذا جزء من المسؤولية الإجتماعية خصوصا وأن غض النظر عن الكتابات الإنسانية يعني التعتيم عليها وبالتالي المساهمة بشكل غير مباشر بإطالة الظلم. الترجمة تعني أيضا رفع الصوت ودعوة جمهور أكبر للإنضمام إلى القضية وهذا ما ينطبق على بعض الكتب ذات الأبعاد الفلسفية والإجتماعية.  

هل تنتهي مهمة المترجم مع تسليم العمل وهل يهدد الذكاء الإصطناعي وجوده؟

على العكس تماماً، في عالم الترجمة لا نتوقف عن اكتساب النضج ولذلك قد يعود البعض لترجماتهم فيغيرون فيها الكثير. تتأثر الترجمة بعوامل ذاتية وخارجية متنوعة أهمها الخبرة المكتسبة والتي نتعلم معها أن نصحح لأنفسنا. هذا لا يعني بأن الترجمة تكون خاطئة لكنه يمنح المساحة لبدائل أجمل. أما بالنسبة للذكاء الإصطناعي، فلا شك بأنه يساعد في تسريع وتيرة الأمور لكني لا أعتقد أنه قادر حتى الساعة على استبدال المترجم بكل ذكائه وإحساسه البشري وتقديره لما خفي بين السطور. لذلك، من الضروري للغاية أن يطور المترجم نفسه ويتقن استثمار أدوات الذكاء الإصطناعي الجديدة لتسهيل مهمته وإثرائها، عوضاً عن أن يفوته ركب التكنولوجيا. لغة التكنولوجيا هي لغة العصر ولا بد من أن تدخل في قائمة اللغات التي يتقنها المترجم الحريص على إدامة وجوده.

هل يحدث أن تتفوق الترجمة على النص الأصلي؟

لم لا؟ طالما أن ذلك يصبّ في مصلحة الكاتب ويروج لأفكاره في قالب أجمل. أحيانا قد يقع المترجم في عشق المادة فيزيد من نفسه ومن سعيه لإبرازها بكل تفاصيلها بأفضل طريقة. وأحياناً أيضا قد ننسى أن من يبحث عن الترجمة قد لا يفقه لغة المصدر، وبالتالي يحمل المترجمون ما يراد قوله إلى جمهور يتوق لقراءته وههنا ندين بالشكر للكتاب وللمترجمين وللقراء!