صورة تظهر مسجد الصالح في اليمن من نافذة سيارة/وكالة الصحافة الفرنسية
صورة تظهر مسجد الصالح في اليمن من نافذة سيارة/وكالة الصحافة الفرنسية

تستخدم المجموعات الإسلامية المتطرفة، روايات وأحداثا تاريخية وقراءات متصلة بسيرة الرسول محمد، كي تصبح أسانيد وبراهين "مقدسة" على طريق دولة قيام الخلافة المزعومة، حتى وإن كان ذلك يعني مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء.

وتحفل كتب التراث الإسلامي بمئات الأحاديث والروايات المنسوبة للرسول محمد حول الشام واليمن باعتبارهما أرض “الرباط والمدد”، وهو ما استعاده تنظيم داعش وقبله "القاعدة".

في كتابه الكبير، أخرج الطبري عن أبي هريرة أن النبي محمد قال إن "الله استقبل بي الشام وولى ظهري اليمن، وقال لي يا محمد إني جعلت لك ما تجاهك غنيمة ورزقا وما خلف ظهرك مددا”.

ومن بين الأحاديث المنسوبة للنبي "عليك بالشام فإنها خيرة أرض الله يجتبي إليها خير عباده. فإن أبيتم فعليكم باليمن واسقوا من غُدَرِها فإن الله تكفل لي بالشام وبأهله".

وتتحدث عشرات النبوءات عن أخبار آخر الزمان الذي سيشهد فتنا وحروبا وصراعات وملاحم كبرى بين أهل الحق وأهل الباطل، يكون مسرحها أرض الشام والعراق واليمن.

ومنذ البوادر الأولى لتفجر الأزمة في سورية، كان كثير من المقاتلين على جانبي الصراع، يقولون إن "هذا المسار مهدت له قبل 1400 سنة أحاديث للرسول محمد تناقلها الصحابة والتابعون"، حسب ما ذكرت وكالة رويترز في تقرير نشرته في أبريل 2014.

ومن بين الأحاديث النبوية التي تواترت عبر الأجيال، يتحدث بعض الرواة عن مواجهة بين جيشين إسلاميين كبيرين في الشام، وهو ما تفسره جماعات جهادية سنية متطرفة بأنه حرب بين السنة والشيعة.

وفي المقابل، يعتقد الكثيرون من أتباع المذهب الشيعي في لبنان والعراق وإيران بأن حروب الشام تمهد لعودة الإمام المهدي المنتظر ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا.

وينسب إلى الرسول أحاديث أخرى عن "معارك بين المسلمين والنصارى واليهود"، يكون مسرحها الشام وفلسطين قبل قيام الساعة.

"الأمجاد" الإسلامية

 ويبدو هوس الجماعات المتطرفة بهذه الروايات الدينية واضحا من خلال التسميات التي أطلقها تنظيما القاعدة وداعش على أذرعهما التنظيمية والإعلامية، وبعض عملياتهما الإرهابية.

داعش سمى مجلته بالإنجليزية باسم “دابق”، وهو اسم ليس غريبا عن عالم الملاحم.

ورد في حديث صحيح رواه مسلم أنه “لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق”.

و“دابق” بلدة سورية شمالي حلب، خسرها التنظيم في أكتوبر 2016، ما دفعه لإغلاق مجلة دابق.

لكن التنظيم الإرهابي أنشأ مكانها مجلة "رومية"، وهي مذكورة أيضا في أحاديث آخر الزمان.

كذلك الأمر بالنسبة لاسم وكالة أنباء داعش "أعماق". والأعماق هي موضع في الشام بين حلب وأنطاكيا، كما يذكر ياقوت الحموي في “معجم البلدان”.

وفي هاتين البلدتين، ستدور المعركة الكبرى أو بعض فصولها على الأقل، حسبما يروى عن الرسول محمد.

"جبهة النصرة" (تحرير الشام حاليا) سمت ذراعها الإعلامي أيضا باسم “المنارة البيضاء”، في إشارة إلى حديث "ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق”.

وأطلق تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية على ذراعه الإعلامي "صدى الملاحم"، في تعبير واضح عن ملاحم وفتن آخر الزمان.​

​​فسطاط

في إحدى رسائله الصوتية، قال أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش، الذي مني بهزيمة ساحقة في العراق، "إن الدولة الإسلامية باقية في العراق والشام مادام فينا دم ينبض”.

ودعا الشباب للنفير إلى "أرض الشام المباركة أرض الهجرة والجهاد والرباط"، قائلا إن "الملاحم قد أوشكت وأنهما والله الفسطاطان، فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط كفر لا إيمان فيه".

والبغدادي يشير في ذلك إلى حديث نبوي عن كثرة الفتن في آخر الزمان، وانقسام الناس "إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه إذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد".

جيش المحضار

وبالاستناد إلى روايات من هذا النوع، ظهر عام 1997 جيش "عدن أبين" الإسلامي، الذي أسسه أبو الحسن المحضار، في أول نشاط علني للجماعات الإرهابية في اليمن.

وسمي التنظيم بهذا الاسم تيمنا بحديث نبوي جاء فيه "يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفا، ينصرون الله ورسوله، هم خير من بيني وبينهم"، كما يذكر أبو مصعب السوري أحد كبار منظري الفكر الجهادي في كتابه "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية".

وجنّد التنظيم عشرات الشباب ودرّبهم على مختلف أنواع السلاح في منطقة المراقشة جنوبي اليمن.

وفي أكتوبر 1999 نفذت السلطات اليمنية حكم الاعدام رمياً بالرصاص على المحضار، بعد ادانته بعملية خطف 16 سائحاً غربياً من جنسيات بريطانية وأميركية واسترالية، قُتل أربعة منهم خلال عملية تحريرهم في 28 ديسمبر 1998.

"القاعدة" في اليمن

 "بذل أسامة بن لادن في حدود عام 2000 جهدا متعمدا لتوسيع موطئ قدم القاعدة في اليمن تمهيدا للهجرة إلى هناك واقامة مقر رئيس جديد"، يقول الصحافي عبدالباري عطوان الذي التقى بن لادن في العام 1996.

وأشار إلى أن بن لادن أبلغه "أنه إذا اضطر يوما لمغادرة أفغانستان، سيريد العيش في المنطقة الجبلية من اليمن حيث شعر أنه سيكون موضع ترحيب".

واليمن هي موطن أسلاف بن لادن الذي ينحدر من محافظة حضرموت جنوبي شرق البلاد.

وناشد الرجل البارز في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في تسجيل صوتي عام 2009 قبائل اليمن للانتفاض على حكومتها التي جعلت من البلاد "مركز إمداد للصليبيين على بلاد المسلمين"، على حد قوله.

ووصف الظواهري تلك القبائل، بأنها "قبائل يمن الإيمان والحكمة يمن العزة والإباء والرباط"، في إشارة إلى حديث الرسول محمد “الايمان يمان والحكمة يمانية".

​​

​​

مخزون بشري

لكن التحول الأهم جاء مع إعلان اندماج الفرع السعودي واليمني للتنظيم الإرهابي في 2009، تحت اسم "قاعدة الجهاد في جزيرة العرب"، ليغدو أخطر فروع التنظيم.

ومع ذلك لم يعد القاعدة التنظيم الوحيد النشط في اليمن، حيث تبنى تنظيم داعش معظم العمليات الانتحارية التي استهدفت مواقع وشخصيات عسكرية ومدنية رفيعة خلال الفترة الأخيرة في البلاد.

تركيز هذه التنظيمات على اليمن، جاء عبر استخدام الأحاديث النبوية والروايات عن فضل اليمن وأهلها كمخزون بشري في "نصرة الدين والفتوحات الإسلامية".

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.