أنصار جماعة إسلامية في بيروت يحملون صورة مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا/ ا ف ب
أنصار جماعة إسلامية في بيروت يحملون صورة مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا/ ا ف ب

تحرص جماعات الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة على استغلال مصطلح "الدعوة إلى الله" لخدمة أهداف سياسية ومصالح تنظيمية خاصة.

وكانت جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في آذار/ مارس 1928، من أوائل الجماعات الإسلامية التي أصلت لهذا المصطلح، واستغلته لخدمة أهدافها السياسية السرية والعلنية.

"ليست الدعوة في حقيقة أمرها إلا خروجاً عن المألوفات وتغييراً للعادات والأوضاع، فهل أنتم مستعدون أيها الإخوان؟"، قال الشيخ حسن البنا، وهو مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، في كتابه "رسائل الإمام".

وفي نفس الكتاب، اتهم البنا (1906- 1949) الحكومات الإسلامية بعدم القيام بواجب الدعوة إلى الإسلام، "مع أن الإسلام جعل الدعوة فريضة لازمة"، على حد قوله.

وكان البنا يسعى عبر جماعته إلى "أستاذية العالم". وقال في إحدى رسائله "أيها الإخوان المسلمون.. لسنا حزباً سياسياً، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا.. ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع، ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي".

وأضاف "نحن أيها الناس أصحاب رسول الله وحملة رايته من بعده، والمبشرون بدعوته... فإلينا إلينا أيها المؤمنون العاملون، والمجاهدون المخلصون، فهنا الطريق السوي، والصراط المستقيم".

وأوضح البنا، أن الوصول للحكم لا بد أن يكون بالتدرج والعمل المرحلي الذي ينتهي باستخدام القوة.

ورأى البنا أن كل دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث: "مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وإيصالها إلى الجماهير من طبقات الشعب، ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين، ثم بعد ذلك كله مرحلة التنفيذ، وهي مرحلة جهاد لا هوادة فيه، وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية، وامتحان وابتلاء لا يصبر عليهما إلا الصادقون، ولا يكفل النجاح في هذه المرحلة إلا كمال الطاعة".

ومن هنا جاء إنشاء التنظيم الخاص، الذي كان يمثل الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين، وكان يعرف في دوائر السلطات المصرية باسم "الجهاز السري".

من جهته، قال علي عشماوي، أحد أبرز قيادات التنظيم الخاص ومسؤول الاتصال الخارجي حتى 1964 في كتابه "التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين" إن "التنظيم خطط لمحاولتي اغتيال للزعيم المصري جمال عبد الناصر والاستيلاء على الحكم عامي 1954 و 1965".

"الخارجون عن الطاعة"

في كتابها "النظام الخاص ودولة الإخوان المسلمين"، قالت الباحثة الإعلامية المصرية سوزان حرفي، إن السرية كانت جزءاً من عقيدة النظام وعقيدة أعضائه في جماعة الإخوان المسلمين منذ النشأة.

وأشارت إلى أن البنا، سعى من خلال التنظيم الخاص أو التنظيم السري، لإنشاء "جيش بديل" عن الجيش المصري، هو "جيش المسلمين"، طبقاً لما أكده شقيقه جمال البنا، وكذلك محمود الصباغ أحد أبرز قيادات هذا الجيش في منتصف القرن الماضي.

وقال حسن البنا في إحدى رسائله الموجهة للتنظيم الخاص، وهي رسالة "المنهج" التي رسم فيها مراحل العمل وتكوين الكتائب، إن العدد المستهدف لهذا الجيش في مرحلته هذه 12 ألفاً، مضيفاً "ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة".

وإضافة للدفاع عن "الدعوة"، وحماية ظهرها من الأعداء، كان أيضا من أهم أهداف تشكيل النظام الخاص، الذي يعتبر تنظيماً عسكرياً هرمياً سرياً، "ضرب الخصوم، والخارجين حتى عن الطاعة من داخل الجماعة نفسها"، حسبما تقول حرفي.

داعش وطالبان

وفي دلالة عميقة على تشابه العمل التنظيمي لحركات الإسلام السياسي والجماعات الإرهابية، اتبع تنظيم "القاعدة" نفس نهج الإعداد الهرمي السري لجماعة الإخوان المسلمين.

وبالنسبة لحالة "داعش" في سوريا والعراق، كانت أشكال الارتباط داخل المنظمة شبه علنية تارة وهرمية تارة أخرى بعد بسط النفوذ على الأرض.

بينما أخذت حالة طالبان التي حكمت أفغانستان شكل الدولة ثم عادت إلى السر والارتباط الخفي.

دعوات للقوة

يقول أبو بكر ناجي، وهو شخصية متطرفة غامضة، في كتابه "إدارة التوحش" إن "الدعوة بجهودها التقليدية لن تؤتي ثمارها".

وأكد على ضرورة الجهاد واستخدام القوة لإنجاح الدعوة، بالقول "يجب أن يقاتل الدعاة بكل ما تعنيه كلمة قتال من معنى".

في السياق، يرى أبو محمد عاصم المقدسي، وهو من أبرز منظري التيار الجهادي، أن "الكفر بالطواغيت ومناهجهم والتهم الباطلة لا تدخل ضمن السرية بل من علنية الدعوة" مضيفا "ينبغي إعلانها من أول الطريق".

وقال إن "ملة إبراهيم هي طريق الدعوة الصحيحة وفيها مفارق الأحباب وقطع الرقاب. أما غيرها من الطرائق التي يريد أصحابها إقامة دين الله دون أن يستغنوا عن المراكز والمناصب ودون أن يغضبوا أصحاب السلطات فليست من ملة إبراهيم في شيء".

وأضاف المقدسي نقلاً عن كتاب "في ظلال القرآن" لسيد قطب "لا بد أن يقف أصحاب الدعوة من قومهم موقف المفاصلة الكاملة.. ويوم تتم المفاصلة يتحقق وعد الله بالنصر لأوليائه والتدمير على أعدائه".

وتابع أن "العزلة خير وأفضل من الدعوة المنحرفة عن طريق المرسلين".

وبدا زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في كتابه "الحصاد المر للإخوان المسلمين في 60 عاماً" الصادر في أيلول/ سبتمبر 1988، واضحاً في حب "خلط الدعوة بالقوة وليس الدعوة باللين واليسر".

وقال مخاطباً قيادات الإخوان المسلمين إن "دعوتهم دون استخدام القوة لن تفيد".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

سناء الله غفاري، المصنف على قوائم الإرهاب الأميركية، زعيم تنظيم داعش أفغانستان.
سناء الله غفاري، المصنف على قوائم الإرهاب الأميركية، زعيم تنظيم داعش أفغانستان.

مرّت فترة طويلة على تمرد "ولاية خراسان" على توجيهات القيادة المركزية لتنظيم داعش في سوريا والعراق بشأن ملف الإعلام. ويبدو أن التنظيم رضخ أخيرا للأمر الواقع، وتعايش مع فشله في فرض سياسته الإعلامية و”مواقفه الشرعية “ على واحد من أخطر فروعه وأكثرها دموية.

الثابت أن قيادة داعش غير راضية على خروج الفرع الخراساني ( جنوب آسيا وآسيا الوسطى) عن سياسته الإعلامية الموحدة وتشكيله منظومة إعلامية موازية، لكنها تدرك أيضا أن مسايرة عناد أمراء هذه الولاية المارقة أقل ضررا من الدخول في مسارات العزل والإبعاد وما ستفضي إليه من متاهات الانشقاق والصراعات الداخلية كما حدث في نيجيريا.

الخروج عن "وحدة الإعلام"

يعتبر ملف الإعلام من أهم الملفات لدى تنظيم داعش وأكثرها تعقيدا وحساسية، لذلك حرص منذ البداية على ضبطه وفق سياسة مركزية لا مجال فيها للاجتهاد أو الارتجال، وهذا ما عبر عنه "أبو محمد العدناني" بصفته ناطقاً رسمياً ورئيساً للجنة العامة المشرفة، في رسالة خاصة عممها على كافة دواوين وولايات التنظيم.

وصرّح آنذاك: "يُمنع الاجتهاد مطلقاً في عمل أو نشر إصدارات مقروءة أو مسموعة أو مرئية باسم الدولة الإسلامية على شبكة الإنترنت".

ولأن كل ولاية بعيدة تابعة لداعش لديها مكتبها الإعلامي المكلف بتوثيق العمليات والبيعات، وتحرير الأخبار وغير ذلك، فقد أرسلت القيادة المركزية في سوريا والعراق وثيقة من سبع صفحات إلى مسؤولي المكاتب الإعلامية نظمت فيها عملهم، وبينت حدود صلاحياتهم، متوخيّة في ذلك أدق التفاصيل، وإن كانت تفاصيل تقنية بحتة مثل الألوان، والخطوط، وزوايا التصوير وغيرها.

وشددت الوثيقة على أن النشر يكون حصراً من صلاحيات "ديوان الإعلام المركزي" وألّا يتم نشر أي مادة إلا بعد المصادقة عليها من "لجنة المتابعة الإعلامية"، بالإضافة إلى اعتبار  وسائل إعلام داعش المركزية هي النوافذ الإعلامية الرسمية الوحيدة التي يجب أن تنشر كل ما يتعلق بأخبار التنظيم. وفرضت على المكاتب الإعلامية  في "الولايات" والمدن إرسال موادهم وخاماتهم إليها.

يمسك "ديوان الإعلام المركزي" بكل خيوط الترسانة الدعائية لداعش، ولا يقبل بأي خروج عن " نصّه" حتى أنه حظر على عناصر التنظيم فتح حسابات شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي إلا إن كانت لأغراض شخصية، ومنع تواصلهم مع المنابر الإعلامية أو الإدلاء بتصريحات صحافية تحت أي ظرف.

ويبدو أن كل ولايات التنظيم امتثلت لتوجيهات الإعلام المركزي، باستثناء "ولاية خراسان" التي تمردت على أوامره وأنشأت مؤسساتها الإعلامية المستقلة.

ورغم التنبيهات التي جاءتها من قيادات داعش، إلا أنها لا تزال متمسكة بنهجها المستقل.

خراسان خارج السرب!

دأبت بعض القنوات والصفحات التي ينشط فيها أنصار داعش على وصف سلوك "ولاية خراسان" على أنه "تغريد خارج السرب"، فقد أسست الولاية ترسانتها الدعائية الخاصة، تضم ناطقا رسميا، ومجلات، ومؤسسات للإنتاج المرئي، ووكالات إخبارية وغيرها.

أرسل المدعو "أبو عبد الله الأسترالي" وهو "أمير ديوان الإعلام"، توبيخاً إلى "ولاية خراسان" في رسالة شددت على ضرورة الامتثال لتوجيهات الديوان ومستنكرا "نشر صور وفيديوهات دون الرجوع للإعلام المركزي"، وفق تعبيره.

ونبّه إلى أن "الإعلام المركزي يسعى لتوحيد لغة الخطاب بمراقبة الإنتاج والإشراف عليه ومراجعته قبل نشره، سواء كان خبرا أو صورة أو فيديو أو إصداراً أو كلمة صوتية".

وطالب الأسترالي قادة "ولاية خراسان بالسير  "وفق السياسة التي رسمها ديوان الإعلام، وعدم الاجتهاد في نشر أي مادة.. دون مراجعة لجنة المتابعة الإعلامية".

وأضاف : نود منكم أن تأمروا جميع الإعلاميين ألا يقوموا بفتح أي حسابات أو مواقع أو قنوات أو مؤسسات لجعلها منصات نشر حصرية لما يقوموا بتوثيقه، وغلق كل القنوات والحسابات والمؤسسات التي خصصوها لذلك".

لكن الذي جرى بعد هذه الرسائل أن "ولاية خراسان" تمادت في رفضها الانصياع لتوجيهات قيادة داعش في سوريا والعراق، بل نشطت في توسيع منظومتها الإعلامية وتكريس استقلاليتها عن "ديوان الإعلام".

وأطلقت الولاية مؤسسات للإنتاج الإعلامي أبرزها مؤسسة "العزائم"، ومجلات دورية بسبع لغات، أهمها "صوت خراسان" التي تصدر باللغة العربية والإنجليزية والتركية والطاجكية والأذرية والبشتو والأردية والهندية والأوزبكية وغيرها من اللغات.

كما عيّنت المدعو "سلطان عزيز إمام" ناطقا رسميا باسمها. وقد فاق إنتاجها الإعلامي ما تنتجه ولايات داعش كلها مجتمعة.

وبدا أن "ولاية خراسان" قد ذهبت أبعد من مجرد التمرد على تعليمات "ديوان الإعلام" فأعلنت في منشور لها أن "مؤسسة العزائم هي المؤسسة الإعلامية الرسمية لولاية خراسان".

وتأكيدا منها على رسميتها، قامت حصريا بنشر صور ومقاطع فيديو لمنفذي عملياتها، بعضها لم تنشره "وكالة أعماق" نفسها، ما يعني أن المؤسسة لا ترسل معظم موادها إلى "ديوان الإعلام المركزي".

تنظيم داعش من جهته يرفض حتى الآن الاعتراف بالإنتاج الإعلامي لـ"ولاية خراسان"، ولا يعتبر مؤسساتها مؤسسات رسمية ولا حتى مناصرة.

كذلك، فإن الموقع الإلكتروني الأكبر على الإنترنت التابع لـ"ديوان الإعلام المركزي" لم يدرج أي مادة لمؤسسة "العزائم" ضمن أقسامه، ولم يقم بإضافة أعداد مجلة "صوت خراسان" إلى قائمة المجلات "الأعجمية" التي أتاحها للتحميل على غرار مجلات "دابق" و"رومية" و"دار الإسلام"، ولم يضف قسما خاصا بمؤسسة "العزائم" مع أنه خصص أقساما لكل مؤسسات التنظيم الأخرى، بما فيها تلك التي توقف نشاطها منذ سنوات كمؤسسة "الحياة" و"الفرات" و"الاعتصام".

حتى "مؤسسة إنتاج الأنصار" التي كلفها ديوان الإعلام بأرشفة  وإعادة نشر كل ما يصدر عن المؤسسات المناصرة للتنظيم، لم تقم بنشر أي مادة تعود لـ"العزائم"؛ ما يعني أن قيادة داعش لا تعترف بالمؤسسة وإصدارتها.

 

مكتبة "العزائم" وفتاوى الموت

لم يكن إنشاء "ولاية خراسان" منظومتها الدعائية المستقلة التجلي الوحيد لتمردها على توصيات المركز، بل أسست أيضا "هيئة شرعية" متخصصة في الفتاوى الدينية، وتحرير المسائل الفقهية وفق رؤيتها الخاصة أطلقت عليها اسم "مكتبة العزائم"، على غرار "مكتبة الهمة" التي تتبع رسميا لداعش.

المثير أكثر أن بعض الفتاوى التي تصدرها "مكتبة العزائم" تخالف تلك التي يعتمدها تنظيم داعش في سوريا والعراق.

من بين الفتاوى التي روجتها "مكتبة العزائم" تلك التي تُجيز تفجير مساجد السنة باعتبارها "مساجد ضرار لا يرتادها إلا المشركون".

واستناداً إلى هذه الفتوى قامت الولاية بتفجير عدد من مساجد أفغانستان لقتل قادة من حركة طالبان، وهي العمليات التي لم تتبناها "وكالة أعماق" لأنها تخالف " الموقف الشرعي "لداعش بخصوص استهداف مساجد السنة.

لا تجرؤ قيادة داعش المركزية على فتح نقاش فقهي مع "ولاية خراسان" حول تفجير مساجد السنة، لأنها تدرك تماما أنها ستدخل بذلك مجددا في دوامة ذلك السجال العقدي المزمن عن "العذر بالجهل" و"الناقض الثالث" و"التسلسل في التكفير" ومفهوم "الكفر بالطاغوت"، وهو الجدل الذي سينتهي ، كما حدث سابقا وأكثر من مرة،  بتبادل تهم التكفير والتبديع والخروج من الملة.

وعطفاً على ذلك، قد تحكم "ولاية خراسان" على قيادة داعش  نفسها بـ"الردّة"، لأنها "أسلمت المشركين، ولم تحقق أحد شروط الإيمان وهو الكفر بالطاغوت". وقد حدث هذا بين داعش وعدد كبير من أعضائها الذين قاموا بتكفير  قيادة التنظيم.

تعاني قيادة داعش في علاقتها مع "ولاية خراسان" من المشاكل ذاتها التي كان تنظيم القاعدة وحركة طالبان يعانون منها في علاقتهم مع حركة طالبان فرع باكستان. فهذه الأخيرة كانت تسوق نفسها باعتبارها "تابعة للقاعدة وطالبان في وزيرستان وباكستان" لكنها في الوقت ذاته لا تأبه بالأوامر والتوجيهات التي كانت تأتيها من القيادة العامة لكليهما.

ويُذكر أن حاسوب أسامة بن لادن غصّ بعشرات الرسائل التي كانت تأتيه من رجاله أمثال "عطية الله الليبي" و"أبو يحيى الليبي" و"عزام الأميركي"، يطالبونه فيها بوضع حد لتمرد طالبان باكستان، أو على الأقل إخراج بيان ينوّه إلى عدم وجود أي علاقة بين التنظيم وبين الحركة.