506989 4

بعد هزيمة تنظيم داعش في آخر معاقله بقرية الباغوز السورية واستسلام مئات المقاتلين الذين اقتيدوا إلى المعتقلات، تم نقل النساء (والأطفال) إلى مخيم الهول للاجئين بمدينة الحسكة تمهيدا للبت في أمرهن ومحاكمة من يثبت تورطهن بارتكاب جرائم إرهابية وتقرير مصير الأخريات وخاصة من يطلق عليهن "المهاجرات" القادمات من مشارق الأرض ومغاربها اللواتي ترفض البلدان التي يحملون جنسيتها استقبالهن على أراضيها.

حولت مجموعة نساء من الدواعش المخيم إلى "إمارة" إسلامية بدلا من إبداء ندمهن على المجيء إلى "أرض الخلافة" المزعومة وإعلان براءتهن من العقيدة التكفيرية. فأنشأن جهازا للحسبة يعاقبن فيه "مرتكبات المنكرات" واتخذنه مقرا لتخطيط وتنفيذ العمليات الإرهابية ضد الحراس ومركزا لتحريض فلول المقاتلين ضد عناصر قوات سوريا الديمقراطية ومطالبتهم بشن الهجمات على المخيم لتحريرهن والعودة بهن إلى أرض الخلافة.

معالم الإرهاب القادم قد اكتملت ولم يبق أمامنا سوى انتظار انفجار القنابل الموقوتة

​​وفي ظل التدهور المتواصل للأوضاع في المخيم حيث يعاني اللاجئون من نقص في الغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية وانقطاع التيار الكهربائي ومع تعثر الجهود المتعلقة بتسوية أوضاعهم، يتحول المخيم رويدا رويدا إلى بؤرة إرهابية وأرضية خصبة لإنتاج جيل جديد من الإرهابيين الحاقدين على كل شيء والراغبين في الانتقام من كل من يحملونه المسؤولية في مقتل قريب أو حبيب.

وقد ارتفعت مؤخرا حدة التهديدات القادمة من داخل المخيم، كما ازداد اهتمام أنصار الدواعش في مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة على موقع "تلغرام" حيث أظهرت عدد من القنوات اهتماما كبيرا بقضية اللاجئات وتم تدشين عدد من الوسوم وإطلاق حملات لجمع الأموال من أجل المساهمة في إطلاق سراحهن عبر مهربين يتعاونون مع حراس المخيم من عناصر قوات سوريا الديمقراطية.

أحد أخطر التطورات يتمثل في تسجيل مصور من داخل مخيم الهول ظهرت فيه مجموعة من المنقبات وخلفهن شعار داعش طالبت المتحدثة فيه زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي بتجهيز "الانغماسيين والاستشهاديين من أجل تحريرهن" ووصفت فيه نساء الدواعش بأنهن "كقنبلة موقوتة على وشك الانفجار وسيسمع صداها العالم بأسره.. وأن القادم أدهى وأمر".

ارتفعت مؤخرا حدة التهديدات القادمة من داخل المخيم

​​وفي يوم 22 من شهر يوليو الماضي، ظهر تسجيل مصور لأطفال في داخل المخيم يهددون "بالدعس على رؤوس المرتدين" واسترداد المناطق التي تم تحريرها من سيطرة تنظيم داعش. وقبل أيام من ذلك تناقلت القنوات المؤيدة لداعش تسجيلا قصيرا لأطفال يرفعون علم التنظيم فوق عمود إنارة مع صيحات التكبير ومرددين الشعار الداعشي الشهير "باقية".

وانتشرت مؤخرا العديد من الرسائل بعضها كتب باللغة الإنكليزية من نسوة في داخل المخيم يطالبن فيها بتحريرهن وشن الهجمات الإرهابية في الدول الغربية. ففي رسالة نشرتها قناة "بلاد الحرمين الأسيرة" وهي من القنوات المهتمة بقضية نساء الدواعش على موقع "تلغرام" كتبت إحداهن مخاطبة "المجاهدين" في كل مكان قائلة: "يا أيها الموحدون في كل مكان افتحوا على أمم الكفر باب العذاب وكونوا ذئابا منفردة وأسودا ضارية على أعدائكم لا تناموا على الضيم ولا ترضوا بالدون وخذوا بالثأر لإخوانكم وأخواتكم في الشام والعراق وجميع الولايات فإن عملياتكم في عقر ديارهم ترهبهم وتشفي صدور المؤمنين فأنتم إخواننا وأملنا بعد الله عز وجل".

فيما حذرت أخرى في رسالة كتبت يدويا باللغة الإنكليزية بأن "أبناء الدولة الإسلامية يؤخذون إلى دول الكفر ليتربوا على أيدي الخنازير الذين قتلوا آباءهم وأمهاتهم. هبوا وانهضوا فالأمة جريحة ونحن نموت موتا بطيئا".

حولت نساء الدواعش المخيم إلى "إمارة" إسلامية

​​تلك العوامل وغيرها عززت مخاوف العديد من المراقبين من عودة تنظيم داعش إلى الواجهة، ومن ضمنهم المؤرخ السوري سامي مبيض الذي يرى ضرورة معالجة الأوضاع داخل المخيم بصورة "جادة وعاجلة" وإلا فإنها "سوف تنفجر في المستقبل القريب وسيزداد التطرف وأعمال العنف".

وقد أورد مبيض في المقال الذي نشره على موقع "The Arab Weekly" تصريحا لمنظمة Un Ponte Per الإغاثية الإيطالية أعلنت فيه بأن "الأوضاع داخل المخيم توشك أن تتحول إلى كارثة إنسانية".

وختاما يؤسفني القول بأن معالم الإرهاب القادم قد اكتملت ولم يبق أمامنا سوى انتظار انفجار القنابل الموقوتة إن لم يتدخل المجتمع الدولي للعمل على معالجة وتأهيل نساء الدواعش وأطفالهن ليتحولوا إلى أفراد صالحين في مجتمعاتهم.

منصور الحاج/موقع الحرة

اقرأ للكاتب أيضا: الحب أكبر!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
نساء الدواعش.. قنابل على وشك الانفجار 9A9928AB-F471-46E9-921A-2353BEBCFA3E.jpg AFP نساء-الدواعش-قنابل-على-وشك-الانفجار سيدة في مخيم الهول شرق دير الزرو 2019-08-01 15:59:56 1 2019-08-01 16:05:56 0

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.