مدرهة نصبت بصنعاء القديمة تنشر باذن خاص من مؤسسة عرش بلقيس وهي منظمة مدنية يمنية
مدرهة نصبت بصنعاء القديمة تنشر باذن خاص من مؤسسة عرش بلقيس وهي منظمة مدنية يمنية

لا تزال "الأرجوحة" أو ما يعرف محليا بـ "المدرهة" تمثل إحدى أبرز المظاهر التقليدية المرتبطة بموسم الحج والحجيج لسكان مدينة صنعاء القديمة في اليمن.

"نصبنا مدرهة في باحة منزلنا، وستظل قائمة حتى يعود والدي من الحج"، يقول عبدالفتاح الصنعاني، وهو شاب يمني لموقع (ارفع صوتك).

اعتاد اليمنيون خاصة في المناطق الشمالية إحياء أيام الحج بنصب المدرهة وهي عادة متوارثة منذ مئات السنين لوداع واستقبال حجاج بيت الله الحرام.

ونصب المدرهة أمر شائع سواء في باحة منزل الشخص الذي يذهب لأداء مناسك الحج أو أحد جيرانه.

​​و(المدرهة)، هي عبارة عن أرجوحة تصنع من الأخشاب القوية، يتم ربط أعمدتها بسلاسل حديدية أو حبال قوية ومتينة. ويتحرى الأهل عن أهمية توثيق أعمدتها خشية انقطاعها، لأن انقطاعها يحمل اعتقاداً ينذر بالشؤم من أن الحاج في خطر، "خاصة وأن السفر للحج كان قديما شاقا ومحفوف بالمخاطر ويستغرق أشهرا"، على حد تعبير سكان في مدينة صنعاء القديمة.

وتعود بداية المدرهة حسب المصادر التاريخية إلى أكثر من 1200 عام، وأصبحت تقليدا سنويا للتذكير بموسم ذهاب وعودة الحجاج اليمنيين وإحياء للتراث الشعبي الذي يزخر به اليمن.

مدرهة نصبت في صنعاء/ارفع صوتك

​​

"يوضع على المدرهة شال أو عمامة الحاج الذكر، أو قماش امرأة إذا ذهبت للحج، وتسمى المدرهة باسمه. وتستمر بعد عودة الحاج من مكة شهرين تقريبا يجتمع خلالها الجيران والأهل والأقارب والأصدقاء يتدرهون وينشدون"، قال رجل خمسيني يمني يدعى محمد عبدالله.

أضاف لموقع (إرفع صوتك) أنه ما زال يتذكر تلك الأيام الجميلة، عندما كان يذهب وهو طفل إلى حيث تقام المداره يتسلى ويستمتع بسماع ذلك الصوت الجميل للمنشدين أثناء التدره.

لكنه اعترف بتراجع هذه العادة الاجتماعية التاريخية لدى غالبية السكان في السنوات الأخيرة، إلا أن جهودا رسمية ومجتمعية وفردية خجولة تحاول إحياءها والحفاظ عليها.

وهناك نص شعري محدد من النصوص الشعبية يردد أثناء التدره، أولا عندما يتم تركيب المدرهة يقال: "يا المدرهة.. يا المدرهة من ركبك عشية من ركبك على القمر والشمعة المضية".. ثم يقال: "يا المدرهة يا المدرهة.. مالصوتش (صوتك) واهي (منخفض).. قالت أنا واهية وما حد كساني .. كسوتي رطلين حديد (السلاسل) والخشب رُماني".

ومن بين ما ينشده الشخص الذي يدعى "المُمَدْرِّه"، "يا مبشر بالحج بشارتك بشارة.. هِنيَت لك يا حاجنا فزت بالغفراني".

والنص الشعري الخاص بالمدرهة يغلب على كلماته الشجن وطابع الحزن، وتُغنى بأبيات عفوية وبطريقة خاصة ومؤثرة.

راحة الحج

تتميز غالبية الدول العربية بممارسة طقوس وموروثات مختلفة في توديع واستقبال حجاج بيت الله الحرام.

في سوريا، يأخذ الحاج معه بعض الأطعمة التي يكون تحضريها سريع، من بينها "الكشك" لتحضير شوربة الكشك، والجبن والسمن البلدي، والزيتون وزيت الزيتون، والزعتر الحلبي، توفيرا للنفقات في الحج.

يقول أحمد العلي، وهو مواطن سوري، "قبيل رحيل الحاج تتوافد إليه الناس لتوديعه بالجلوس معه لمدة لا تتجاوز الساعة، ثم يرافقه إلى المطار عند الرحيل أهله وأصدقاؤه وأحباؤه كي يكسبوا بذلك رؤيته بآخر لحظات رحيله".

وخلال فترة تواجد الحاج في مكة يشرع أناسه بتجهيز الكتابات والرسومات التي تتحدث عن فضل حج بيت الله، وقبل عودته يعد أهله ما لذّ وطاب من أطعمة وأشربة بينها الكباب والمحاشي والمناسف استعدادا لاستضافة من سيأتي ويسلم عليه في منزله.

أضاف العلي لموقع (ارفع صوتك) "هناك ضيافة مشتهرة في بلادنا يشتريها أهل الحاج هي راحة الحج وتصنع من السكر والنشأ والفستق الحلبي على شكل مستطيل صغير مجمدة، لتوزيعها على الضيوف أثناء زيارتهم للحاج فور عودته من الحج".

وقبل اندلاع الثورة السورية عام 2011 كانت تكلفة الحج لا تتعدى 1500 دولار للشخص الواحد، أما اليوم فـ 4 آلاف دولار تقريبا، حيث بات الذهاب لمكة عن طريق تركيا فقط.

فرقة المزمار

في العقود والسنوات الأخيرة تراجع بشكل واضح ما تبقى من عادات وموروثات شعبية طالما تفاخر بها أهلها على مدى قرون.

في مصر فور عزم الحاج التوجه للحج تقام الأفراح والليالي التراثية وجلسات المديح والإنشاد الديني التي لا تخلو من فرقة المزمار البلدي ونساء الزف، وحفلات وداع يلبس خلالها الحاج الثوب الأبيض ويودع بصف من السيارات، وتتميز السيارة التي تقله بالرايات البيضاء المعلقة على جوانبها كعلامة بارزة مميزة له كحال زفة العريس.

وقبيل عودته من الحج يقوم أهله بـ"دهان" منزلهم والنقش عليه ببعض الرسومات كالطائرات والسفن، وكتابة بعض آيات القرآن والأبيات الشعرية المعبرة عن الابتهاج بالحجاج والترحيب والتهنئة بسلامة وصولهم، بينها "ألف مبروك وحج مبروك" كدلالة على إتمام الفريضة والتباهي بها علانية.

وفي صعيد مصر، تجهز بعض العائلات حصاناً مزيناً بزي معين، ويمر الحصان حاملا الحاج على كل منزل بالقرية، ليستقبله الأهل والجيران ويبادلونه المصافحات والتبريكات، كإحدى العادات المتوارثة بهدف ازالة الخصومات والضغائن.

واعتاد الحجاج في صعيد مصر بأخذ بعض الأطعمة الجافة معهم إلى مكة مثل "الدقة" المصنوعة من السمسم المحمص و"الملوخية اليابسة" و"القرقوش" أي الخبز الشمسي المحمص، والجبن القريش.

لكن في الواقع اندثرت كثير من هذه الطقوس باستثناء في القرى النائية المنسية في جيوب الوجه البحري الضيقة والصعيد، كما شرحت لموقع (ارفع صوتك) إيمان النمر، وهي باحثة مصرية في مجال التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا.

الطابع الاجتماعي

في الأردن يتحول بيت الحاج إلى قبلة لأهل البلدة والجيران والأقارب ممن أتوا لمصافحته وطلب الدعاء لهم، وعند عودته يوزع الهدايا للحضور أبرزها المسابح وماء زمزم.

وفي غزة بفلسطين اعتاد سكانها توديع ذويهم الحجاج بما يعرف بـ "التحنينة"، وهي تعبير عن حنين وشوق الذاهبين لأداء مناسك الحج، وتقوم على مديح النبي محمد...

ومثل بعض الدول العربية، يقوم الشخص العراقي الذي ينوي الحج بزيارة الأهل والأصدقاء وتوديعهم ويسألهم عن ما الذي يودون أن يدعي لهم في مكة.

وعند العودة يستقبلونه بالزغاريد والتهليل والتكبير، ليقوم هو بدوره بسرد كافة تفاصيل رحلته للحج.

في جنوب الجزائر، يجمع سكان المدينة بيض الدجاج التي بحوزتهم، لمدة 15 يوما قبل توجه الحجاج إلى مكة، ويقدمونها هدية لأهاليهم، كعادة متوارثة منذ القدم، ليتم سلق البيض للحجاج الذين يأخذون جزء منها إلى الأراضي المقدسة ليأكلوا منها.

وقبل ثلاثة أيام من موعد الحج، يعد أهل الحجيج ما يسمى "الكرامة"، وهي صدقة من طعام كثير يطبخ باللحم ويدعى إليه الأقارب والجيران، ويعتبر سكان الجنوب هذه العادة الوداع الأول للحاج، ليأتي الوداع الثاني والأخير، حين ينتقل الحجيج إلى المساجد ومنها إلى الحافلات ثم المطار محطتهم الأخيرة في الطريق إلى السعودية.

واعتاد أهل المدينة ومكة والطائف في السعودية بإقامة احتفال خاص من نوعه لكل من أراد الحج لأول مرة، يتضمن زف الحاج بعد ارتدائه زي الإحرام، ويتم إلقاء الورود والحلوى عليه، ويقام له حفل على وجبة الغداء، ويتضمنها طرب ينتهي بعد صلاة المغرب، كما تقدم للحاج هدية تسمى بلغة أهل الحجاز "توجيبة" وهي عبارة عن مبلغ مالي كنوع من المساعدة.

وعند عودته يستقبلونه بأهازيج وأكلات شعبية في احتفالية اسمها "سرارة" وتؤدى الرقصات الشعبية بمشاركة الجميع، فضلا عن توزيع هدايا الحج على الحضور، ويتميز الحاج بأن يتم وضع الحناء على قدمه وذقنه.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".