صورة من مسلسل ساندي بل
صورة من مسلسل ساندي بل

هل جربت أن تشاهد مسلسلات وأفلام الكرتون (الأنمي اليابانية) التي سحرت قلبك وعقلك في طفولتك، الآن، بعد أن صرت في الثلاثين أو الأربعين من عُمرك؟ 

المشاهدات في يوتيوب لهذه المسلسلات تدل على أن مئات الآلاف قاموا بذلك. وحين جربت الأمر، وجدت الفرق لرؤيتي لها الآن وفي السابق، فالأحداث والتجارب والآراء والأفكار المتراكمة خلال السنوات الفائتة، تمنحنا منظاراً مختلفاً.

وكان يُدهشني عظم الأفكار التي قُدمت لنا من خلال تلك المسلسلات (مثل عدنان ولينا، الحوت الأبيض، صراع الجبابرة، النسر الذهبي) وبأن أكثر ما شاهدناه أطفالاً، لا تنتهي صلاحيّته بالتقادم، لا سيما المقتبس من روايات عالمية. 

ولاحظت التنوع في سياق الإنتاجات اليابانية مكانياً رغم أنها وجهت بالأساس لليابانيين ثم ترجمت ودبلجت للغات عدة، ما أكسبها شهرة عالمية. كما ينقسم الأنمي لعدة أنواع استناداً إلى الفئة العُمرية المستهدَفة وطبيعة القصص أو عدد الحلقات، واليابان هي الأكثر شهرة وإنتاجاً وتحقيقاً للأرباح في هذا المجال على مستوى العالم. 

وفي النسخ العربية، نكتشف مدى أسلمة الكثير من القصص، بشكل ينزع منها سمة الانفتاح على الثقافات الأخرى التي يمكنها الوصول للأطفال بسلاسة عبرها بل وتخلق مساحات من الحوار بينهم وعائلاته، كما يخلق تناقضاً بين بيئتها والواقع الذي يعيشه الطفل العربي.

ومن الممتع جداً الاستماع إلى لغة عربية رصينة بلا أخطاء نحوية، قد يتعلّم منها الأطفال الذين يشاهدونها، بمجرد الاستماع والتركيز. 

نختار من هذه المسلسلات، خمس حكايات، عابرة للزمن، وصالحة لتشاهدها/يها مع أطفالك، أو أصدقائك من الأطفال، خصوصاً الفتيات.

وحين شاهدت هذه المسلسلات مؤخراً، شعرت أن ما قدمته لنا كأطفال وربما كنساء صغيرات تحديداً، أكبر مما وصل إلينا بالمفهوم السطحي، لكن يبدو أنه أسهم في تشكيل وعينا دون أن ندرك ذلك.

هل كنا نقلدهن من دون وعي؟ هل نحن نتاج هذه الواقعية المفرطة التي تجعل من شما التي تستبدل بغضها لشعرها بحب الطبيعة والخيال الخصب والقراءة النهمة؟ وتخلق من جودي الفتاة اليتيمة الشقية تلك الكاتبة الحكيمة والمرأة عزيزة النفس حتى في أبأس أوقاتها؟

فالفتيات في هذه القصص لسن مجرد رسومات جميلة وشقاوة ولعب مع أولاد الجيران أو قصص حب لكنها تحمل في طيّاتها أحلاماً نسويّة في الحرية والاستقلالية والسعي لتحقيق الذات والنضال من أجل الوصول إلى الأهداف، بالإضافة إلى الرغبة في صناعة القرار والتمرد على الجمود والنمطي في الحياة اليومية.

وربما الصفات الأبرز في هذه النماذج أنها كانت حقيقية، تقدّم نفسها كما هي، دون ادّعاد أو زيف أو تكلّف، بل بمنتهى الشفافية، كما تبدو متصالحة مع نفسها في عالم ينحو باتجاه رفض الذات وجلدها.

وربما الطريف الذي يقدم لنا حكمة في نفس الوقت، أن فكرة الشخص الشرير التي كانت في أذهاننا ليست نفسها الآن، والمسلسلات التالية منح لكل الأشرار والشريرات (في ذاكرتنا الطفلة) فرصة ثانية للتغيير وبأن الإنسان أكثر تعقيداً من فكرة "أبيض-أسود" فقط.

​​​شما في البراري الخضراء

اسم المسلسل بالإنجليزية "Anne of Green Gables" وهو نفس اسم الرواية التي اقتُبس منه "آن في المرتفعات الخضراء"، للكاتبة الكندية لوسي مود مونتغمري وصدرت عام 1908، فيما أنتجت شركة يابانية المسلسل الكرتوني عام 1979.

ومكان الرواية هو كندا، فيما زمنها القرن التاسع عشر.

تظهر فيه شمّا الفتاة التي تتعرّف على نفسها، ما تحب وما تكره، ولا تخجل من التعبير عن هذه الذات، كما لا تخشى السؤال. نشأت في دار أيتام لا متسّع لخيالها في نهارات الدار، بسبب ضوضاء القاطنين فيها، لذا أحبّت الليل، ما قبل النوم والأحلام، لأنها تجد فيها نفسها التي تتمناها. 

كانت تبغض شعرها الأحمر، والنمش الذي يغطّي وجهها، ونحافتها، وتعتقد أنها غير جميلة، وكان لديها أمل بأن يتغيّر لون شعرها حين تكبر، لكن ذلك تغيّر مع مرور الزمن، حين انتقلت للعيش مع عائلة مكونة من أخ وأختين أعزبين، وكان طلبهما الأساسي فتىً ليساعدهما في أعمال البيت والمزرعة، إذ كبرا في السن. 

تدخل شمّا حياة الأخوين، تخرجهما من الجمود والسكون، وتجدد حياتهما بحديثها وأفكارها وحيويتها وامتنانها المتواصل للحياة التي تعيشها معهما، خصوصاً أنها في واحة غنّاء، قريبة من بحيرة وجدول ماء وغابة.

​​في بداية المسلسل تقول شمّا باكية لاعتقادها بأنها ستعود لملجأ الأيتام بسبب تفضيل منيرة (الأخت) الأولاد على البنات "الناس في القرى يطلبون أولاداً لاعتقادهم أنهم أكثر فائدة وينسون أن الفتيات يستطعن العمل كالأولاد".

في آخر حلقة تأتي كلمات شمّا تلخيصاً لحياتها ولواقعيتها "أرى أشياء كثيرة رائعة بانتظاري، عملاً يعطيني السعادة. أردت أن أصبح معلّمة والآن أصبحتُ معلمة (...) في كلّ طريق ستسلكين ستجدين شيئاً غير عاديّ في نُقطةٍ ما، لا يوجد طريق مستقيم، هناك التواءات في كل مكان، ولا تعرفين ما يوجد خلفها (...) الناس الذين لا يحلمون فقط آفاقهم ضيقة. من يستطيع أن يحلم ويبقي عينيه مفتوحتين للأشياء الجميلة التي يراها لا يمكنه أن يُصبح غير قَنوع".

​​التوأمان​​

اسمه بالإنجليزية "Mischievous Twins: The Tales of St. Clare's"، أنتج عام 1991، وهو مقتبس عن سلسلة كتب قوامها 9 أجزاء تحت عنوان "St. Clare's" للكاتبتين البريطانيتين باميلا كوكس وإينيد بلايتون، ونشرت خلال الحرب العالمية الثانية، بين عامي 1941 و1945.

ويسلّط المسلسل الضوء على حياة الفتيات في المدارس الثانوية الداخلية، ليس من خلال التوأمين فقط وهما باتريشيا وإيزابيل، بل من خلال صديقاتهما وطبيعة التدريس. 

​​وقوام القصّة هو رفض التوأمين (14 عاماً) المتكرر وعدم تقبّل البقاء في مدرسة "فتيات الغد" التي انتقلا إليها بعد تفوقهما في مدرسة "رود رووف". واعتبرا المدرسة الجديدة لا تليق بفتاتين غنيتين ومتفوقتين مثلهما، إلا أن الأحداث والقصص والمغامرات التي يعشنها في الأخيرة تصقل من شخصيتهما وتجعلهما أكثر انفتاحاً على الواقع. 

وفي نهاية المسلسل، يتم ترشيحهما لقراءة خطاب الخرّيجين من المدرسة، ويبدآنه بجملة رائعة وواقعية مفادها أنهما لا يعرفان ما هو حلمهما لكنهما سيعرفانه يوماً.

ساندي بل 

اسمه في الإنجليزية "Hello! Sandybell"، أنتج عام 1981.

نرى ساندي بل الطفلة والمراهقة والشابة الطموحة، في 47 حلقة تبدأ من قرية صغيرة في سكوتلندا ثم لندن في بريطانيا، وبعدها تذهب في مهمات إلى فرنسا واليونان وإيطاليا، حين تصبح مراسلة صحافية.

​​

وطيلة مرحلة الطفولة تظن ساندي أن أمها متوفاة، وأنها تعيش مع أبيها، لتكتشف لاحقاً أن الرجل الذي ربّاها ليس أبوها إنما تبناها بعد حادثة غرق والديها، لكن وفاة والدتها لم تكن مؤكدة، لتقرر البحث عنها وأمل كبير يدفعها نحوها، وبالفعل تجدها. 

المسلسل يروي الصداقة بين ساندي بل وأبناء القرية وبينها والكلب أوليفر، بالإضافة إلى قصة حب مع مارك الرسام، وحب أهل القرية لها، وإصرارها على تحقيق ما تريد، يتخلل كل ذلك مواقف طريفة أو خطرة، لكن ذلك لا يثنيها عن أهدافها.

​​​صاحب الظل الطويل

أحداث هذا المسلسل في نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، تروي حياة طفلة يتيمة تعيش في ملجأ للأيتام اسمها "جودي أبوت"، لكنها تحصل على منحة لإتمام دراستها الثانوية من قبل رجل ثري لا تعرفه، لكنه اشترط مقابل ذلك أن تكتب له رسالة كل شهر حتى لو لم يرد عليها. 

ولا تتعرف إلى ذلك الرجل شخصياً إلا في أواخر الحلقات من المسلسل، ولأنها لم تر سوى ظلّه الطويل، نعتته بـ"صاحب الظل الطويل". 

ورسائل جودي أبوت كانت تنقلنا من عالم شقاوتها وصوت ضحكاتها وتقافزها إلى عالم امرأة أخرى، تعبّر عن نفسها بقوة، وثقة عارمة، ولغة رائعة، وتصبح كاتبة مميزة، وأولى قصصها التي تحظى بالتقدير كانت عن فتاة تسعى للحرية وتحقيق استقلاليتها.

​​وتميزت جودي أبوت بثقتها العالية بنفسها رغم أن العديد من الفتيات كن ينتقدن تلقائيتها أو طريقتها في ارتداء الملابس.

والمسلسل مقتبس عن رواية للكاتبة الأميركية جين ويبستر صدرت عام 1912 بعنوان "Daddy Long-legs"، وتم إنتاج المسلسل عام 1990.

​​بيرين

يروي المسلسل رحلة فتاة صغيرة اسمها بيرين وأمها من الهند إلى فرنسا، بواسطة عرَبة.  إنتاج عام 1978، وهو مقتبس عن رواية فرنسية اسمها "En Famille" للكاتب هيكتور مالوت صدرت عام 1893، وحين ترجمت للإنجليزية أخذت اسم ""The story of Perrine".

صورة لغلاف الرواية، طبعة عام 1929

​​

​​

لماذا هذه الرحلة؟ تسعى بيرين وأمها للوصول إلى بيت جدها الفرنسي، إذ ولدت لأم هندية وأب فرنسي، لكن والدها يموت ويوصيهما بالذهاب لبيت عائلته في مسقط رأسه.

القصة تتخللها لحظات جميلة وأخرى صعبة جداً، خصوصاً أن العائلة فقيرة، كما تمرض الأم وحالتها الصعبة تتطلب دواءً ليس بالمقدور توفيره، لتقوم بيرين ببيع بعض الأغراض من أجل ذلك. 

تموت والدتها في الطريق، ويتعيّن عليها السير حتى قرية والدها مسافة 150 كيلومتراً وحدها، وبالكاد تصل وتنجو من الجوع.

ما زلت أتذكر مشهد تمزق حذاء بيرين الوحيد، والطريقة التي صنعت فيها حذاء جديداً بنفسها. كما أتذكر طريقتها في تقسيم رغيف الخبز وكان كل ما لديها لتتقي الموت جوعاً. 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- ا ف ب
صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- تعبيرية

عرفت الحضارة العربية الإسلامية تنوعاً فريداً من نوعه، إذ حظي معظم الفنون برعاية السلاطين والأمراء في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وأثبتت الموسيقى حضورها كأحد الفنون المهمة في بلاطات الحكام والأوساط الشعبية على السواء.

وتمكن الموسيقيون -رغم النظرة الفقهية السائدة المحرمة للموسيقى- من ممارسة فنهم أغلب الأحيان. فعلى ماذا استند الفقهاء في تحريمهم للموسيقى والغناء؟ وكيف انتشرت الموسيقى رغم ذلك؟ وما أبرز الفتاوى التي أباحت الموسيقى قديماً وحديثاً؟

 

التحريم والمنع

وقف أغلب الفقهاء المسلمين موقفاً متشدداً من الموسيقى والغناء، مستندين إلى مجموعة من الأدلة والشواهد، منها "الآية السادسة من سورة لقمان" ونصها "...وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...".

قال بعض الصحابة -منهم عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن العباس- إن "لهو الحديث الوارد في الآية هو الغناء" كما ذكر محمد بن جرير الطبري في تفسيره.

أيضاً، استند الفقهاء لبعض الأحاديث والآثار التي رفضت إجازة الغناء والألحان، من ذلك ما ورد في "صحيح البخاري" منسوباً للرسول محمد "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر (الزنا) والحرير والخمر والمعازف"، و"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عن مصيبة". فضلاً عن الأثر المنسوب لعبد الله بن مسعود "الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقل".

اعتماداً على تلك الأدلة، ذهب عدد كبير من الفقهاء إلى تحريم الموسيقى والغناء بشكل قاطع، أمثال شمس الدين القرطبي، وابن الصلاح، وابن القيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر الهيثمي وابن تيمية.

كما ذكر محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" أن المذاهب الفقهية السنية الأربعة "اتفقت على تحريم آلات الطرب كلها".

لم يقتصر هذا التحريم على علماء أهل السنة والجماعة وحدهم، بل شاركهم فيه أغلب الفقهاء المنتمين إلى المذهب الشيعي الإمامي. على سبيل المثال، أجاب السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق على سؤال حول حكم الغناء بأن "...الغناء حرام كله وهو الكلام اللهوي الذي يؤدي بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، بل يحرم أيضاً علي الأحوط الكلام غير اللهوي الذي يؤدي بتلك الألحان...".

 

أسباب الانتشار

عرفت الموسيقى والأغاني طريقها إلى مختلف أنحاء دولة الخلافة الإسلامية، وتمكنت من الانتشار بين العامة والخاصة على السواء، كما وثق المؤرخون.

بدأ هذا الانتشار في بدايات الحضارة الإسلامية. يذكر الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه "الفتح الرباني" أن المؤرخين نقلوا العديد من الروايات التي تثبت أن بعض الصحابة سمعوا الغناء والموسيقى ولم يجدوا فيهما بأساً على الإطلاق. من هؤلاء  عبد الله بن الزبير الذي "كان له جوار عوادات".

وأورد الشوكاني أن "عبد الله بن عمر بن الخطاب دخل على ابن الزبير وكان بجواره عود، فقال له (ما هذا يا صاحب رسول الله؟) فناوله إياه، فتأمله ابن عمر، وقال (هذا ميزان شامي)، فرد ابن الزبير (توزن به العقول)".

وأضاف أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كان من المشهورين بسماع الموسيقى، وأن عبد الله بن عمر لما وجد رجلاً يريد أن يبيع جارية تضرب على العود، نصح الرجل بعرضها على ابن جعفر، فنفذ الرجل مشورته، وباع الجارية.

في السياق نفسه، أكد الشوكاني أن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص سمعا الغناء، وأن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز كان معتاداً على سماع الموسيقى قبل أن يصل لكرسي الخلافة.

بشكل عام، تتعدد الأمثلة على انتشار الموسيقى والغناء في الدولة الإسلامية، وكثيراً ما عُرف الموسيقيون بممارسة العلوم الشرعية. في أواخر القرن الثاني الهجري اشتهر آمر مفتي المدينة، يوسف بن الماجشون، ويذكر المزي في كتابه "تهذيب الكمال" أنه "كان مولعاً بسماع الغناء ارتجالاً وغير ارتجال..."، كما يُنقل عن المحدث المشهور يحي بن معين أنه كان يذهب ليوسف ليسمع منه الحديث "وجواريه في بيت آخر يَضربْنَ بالمِعْزفة، يقصد آلة العزف...".

في القرن الثالث الهجري، وبالتزامن مع حالة الترف التي عرفها المسلمون تحت لواء الدولة العباسية، ظهر الموسيقي الشهير أبو إسحاق الموصلي الذي كان مقرباً بشكل كبير من الخليفة هارون الرشيد. وقد وصفه شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر اعلام النبلاء" بأنه "ذو الفنون... صاحب الموسيقى، والشعر الرائق...".

كما ظهر تلميذه أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، المعروف باسم زرياب. بذل زرياب جهوداً كبيرة لنقل الموسيقى المشرقية للغرب بعدما غادر بغداد وسافر إلى الأندلس، لينضوي تحت لواء الدولة الأموية في قرطبة.

من جهة أخرى، لعب زرياب دوراً مؤثراً في تطوير التقنيات الموسيقية عندما أضاف وتراً خامساً للعود، وأدخل على الموسيقى مقامات لم تكن معروفة قبله، أما أعظم أعماله فكان إشرافه على "دار المدنيات" التي اُفتتحت زمن الخليفة عبد الرحمن الأوسط وضمت العشرات من المغنيات البارعات في فنون الغناء والعزف.

في القرن الرابع الهجري، ازداد انتشار فن الموسيقى في جنبات العالم الإسلامي حتى قام أبو الفرج الأصفهاني بتأليف كتابه الشهير "الأغاني"، وهو موسوعة أدبية، جمع فيها الاصفهاني الأغاني والألحان المتميزة في عصره والعصور السابقة عليه مع ذكر الطرق المختلفة للغناء.

 

إباحة الموسيقى

بدأ الاتجاه الفقهي المُجيز للموسيقى يزداد قوة في الأندلس في القرن الخامس الهجري على يد الفقيه الظاهري الشهير أبو محمد علي بن حزم القرطبي.

في كتابه "المُحلى"، شكك ابن حزم في جميع الأحاديث التي ذكرت تحريم الغناء والموسيقى، وقال "لا يصح في هذا الباب -يقصد باب تحريم الموسيقى والغناء- شيء أبداً، وكل ما فيه موضوع، ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله لما ترددنا في الأخذ به...".

في الوقت نفسه تقريباً، كان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يقود حملة روحانية صوفية لتذكية النفس في المشرق الإسلامي، فأباح الغناء والسماع باعتباره وسيلة لخلاص الروح وتحريرها.

مما قاله الغزالي في ذلك "مَن لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج".

في العصر الحديث، تزايدت الفتاوى المُجيزة للغناء والموسيقى بشكل ملحوظ، ففي كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" تعرض الشيخ المصري محمد الغزالي لتلك المسألة الجدلية، قائلاً "النبي مدح صوت الصحابي أبي موسى الأشعري عندما سمعه يتغنى بالقرآن. وقال له (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)". يعلق الغزالي على تلك القصة "لو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك. وقد سمع رسول الله الدف والمزمار دون تحرج، ولا أدري من أين حرم البعض الموسيقى ونفر في سماعها؟".

ذهب رجل العالم السنّي يوسف القرضاوي إلى المعنى نفسه، عندما ناقش حكم الغناء في بحث منشور على موقعه الإلكتروني، قال في خاتمته "...والذي نفتي به ونطمئن إليه من بين تلك الأقوال إن الغناء -في ذاته- حلال فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح بحرمتها، وكل ما ورد في تحريم الغناء إما صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح...".

هذا التوجه المُجيز للغناء، سيزداد قوة عندما يرتبط ببعض المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر ودار الإفتاء، فضلاً عن بعض المرجعيات الشيعية القوية في العالم الإسلامي. على سبيل المثال، قال مفتي مصر الأسبق علي جمعة في فتوى رسمية "الأغاني والموسيقى منها ما هو مُبَاحٌ سماعه ومنها ما هو مُحَرَّمٌ؛ وذلك لأن الغناء كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح... فالموسيقى والغناء المباح: ما كان دينياً أو وطنياً أو كان إظهاراً للسرور والفرح في الأعياد والمناسبات...".

المعنى نفسه، ذهب إليه شيخ الازهر السابق محمد سيد طنطاوي، عندما أجاب على سؤال حول حكم اتخاذ الموسيقى مهنة ومورد رزق، حيث قال "سماع الموسيقى وحضور مجالسها وتعلمها أياً كانت آلاتها من المباحات، ما لم تكن محركةً للغرائز باعثةً على الهوى والغواية والغزل والمجون مقترنةً بالخمر والرقص والفسق والفجور واتُّخِذَت وسيلةً للمحرمات...".

الأمر ذاته، قال به المرجع الشيعي اللبناني السابق محمد حسين فضل الله، عندما اعتبر أنّ الأغاني "لا تدخل في باب المحرّمات، إذا ما لامست القيم الإنسانيّة والفكرية العميقة في مضمونها، وترافقت مع موسيقى راقية".

في السنوات الأخيرة، بدأ الموقف الفقهي المتسامح مع الموسيقى والغناء يكسب أرضاً جديدة في السعودية وباقي دول الخليج العربي، تزامن ذلك التغيير الفقهي مع تغير سياسة النظام الحاكم في السعودية عقب وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في سنة 2017.

وتُعدّ فتوى الشيخ السعودي عادل الكلباني، إمام الحرم المكي السابق، التي أباح فيها الغناء، من أشهر الحالات المبينة لتغير وجهة نظر بعض الفقهاء بخصوص الحكم في تلك المسألة.

أكد الكلباني في فتواه أن الغناء مباح "شريطة ألا يصحبه مجون أو سكر أو تلفظٌ بكلامٍ ماجن"، وأنه "لا يوجد نص صريح في الكتاب أو السنة ينص على تحريم الغناء"، كما ذكر أنه "يمكن تعليم الموسيقى في مدارس السعودية".

أثارت الفتوى الكثير من ردود الفعل داخل السعودية وخارجها، خصوصاً بعدما تبعتها فتوى مشابهة من الداعية الإماراتي وسيم يوسف، إذ تراجع في فتواه عن رأيه السابق في تحريم الموسيقى، وقال في برنامجه "من رحيق الإيمان"، الذي تبثه قناة "أبو ظبي" إن أدلة تحريم الموسيقى "ضعيفة. ولا يمكن التعويل عليها".

اُنتقدت  تلك الفتاوى من قِبل العديد من علماء السعودية المحافظين على النهج الوهابي السلفي. في هذا السياق، قال مفتي عام السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، إن "الدعاة الذين غيروا مواقفهم تجاه الغناء وسماع الموسيقى منتكسون عن الحق"، واستبعد أن تكون خطوة تغيير آرائهم نابعة من مراجعات فكرية حقيقية.