مدرسة مونيكا وفيرونيكا، التقطت عام 1954 تنشر بإذنهما
مدرسة مونيكا وفيرونيكا، التقطت عام 1954 تنشر بإذنهما

طرقات خفيفة على باب الغرفة، إنها مونيكا، السيدة السبعينية التي ترتدي نظارات، ولديها أربع قطط، تسألني "هل تودّين تناول الفطور الآن؟" كانت الساعة السابعة صباحاً، أخبرتها "أستطيع الانتظار لغاية الثامنة" وهو موعد الفطور لجميع المستأجرين في بيتها.

وكانت لاحظت استيقاظي مبكراً، لوداع زوجي، فظنّت أني سأذهب أيضاً، لتحرص أن أتناول الفطور قبل ذلك، شكرت لطفها وكنت مستعدة للتعرف عليهما لتوفر الوقت قبل العودة لفرجينيا، وهو ما تمنحه الإقامة في بيوت "Airbnb"، حيث يلتقي الغريب بالغريب، أحدهما يفتح بيته والآخر قلبه، أو كليهما معاً، وربما تقيم وتغادر البيت دون أن ترى صاحبه.

ولفيرونيكا ومونيكا سبب للانتساب لقائمة المضيفين في "Airbnb" عطفاً على تجربتهما المتشابهة نوعاً ما، منذ الطفولة حتى الآن.

تعرّف مونيكا نفسها في ملفها بالموقع " فنانة وبستانية متعطشة للقراءة ومحبة للحيوانات. متقاعدة تتطلع لاستضافة المسافرين من جميع أنحاء العالم. أستمتع بالطهي والترفيه!.

أخذنا الحديث أثناء شرب القهوة، التي طلبتها قبل الفطور، وضعتا أمامي الكرواسان ومربى الكرز والمشمش والفراولة، والزبدة، وموضوع تلو آخر، تشعب الحوار، ابتداء من تاريخ لوس أنجلوس حتى حقوق النساء المكتسبة والمفرّط بها.

وخلال ذلك، قالت مونيكا "وصلنا أميركا بلا جنسية، لا أنتمي لمكان بعينه. فعلياً لا أشعر بالانتماء لأي مكان حتى الآن".

"لا شعور بالذنب"

بدت الصديقتان متحمستين للحديث عن تاريخ المدينة المكتظة بالمباني والسيارات، تنتابهما حسرة على الأيام الخوالي، حين كانت الجبال مشرفة على المحيط الهادئ، وهو المشهد الذي غيّبته المباني والبيوت المتراكمة حول الشواطئ اليوم.

أما الأزمة المرورية التي ستجربها بنفسك إن زرت المدينة، فهي جادّة فعلًا، ومؤرقة للسائح فكيف لو كنت تعيش هناك؟ وبدء الحديث عن الأزمة مع اللوس أنجلوسي تماماً كبدء دردشة مع شخص ما عن الطقس.

وبحكم قرب المدينة من المكسيك، وكجزء من كاليفورنيا، الولاية غير الصديقة لأفكار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن الموضوع الثاني قد يكون محنة المهاجرين وسياسات ترامب تجاههم.

تخفق فيرونيكا البيض في وعاء صغير، لتعدّ لي العجّة، ثم تذيب مكعب الزبدة في المقلاة، وتتحدث عن ابنتها فخورة باعتمادها على نفسها في التعليم والحصول على الدكتوراة في المجال العلمي، وإيجاد فرصة عمل جيدة.

تحرك قرص البيض من أطرافه في المقلاة، وحين ينضج، تضعه لي في إناء أبيض أنيق بغطاء، مرفقاً بملعقة، وتقدمه لي.

وأثناء تناول العجة الشهيّة، ننتقل لموضوع الهجرة واللجوء، تبدأه بالاحتفاء في التنوع الإنساني بمدينة لوس أنجلوس، وعن العائلات التي عرفتها طيلة حياتها من جنسيات متنوعة، صينية وباكستانية ومكسيكية، والمذاقات الطيبة على موائد الشعوب المجتمِعة في هذه البقة الجغرافية.

تقول: أنا أساساً لاجئة، جئنا أميركا عام 1952..

أنا: من أين؟

تضحك فيرونيكا "من المخيم.. أنا فعلياً بلا جنسية!"

تضيف: "أنا أعرف حقاً ما تعنيه كلمة لجوء؛ لقد ولدتُ في مخيم، عشت فيه سبع سنوات، لا أعرف ما هو شكل البيت. مررنا بأوقات عصيبة جداً، بحيث نمنا مرات عدة جائعين، أو قدّم لنا طعام سيء، ومن يعرف اللجوء والتهجير لا يمكنه أن يكون ضد هؤلاء الناس".

تضع فيرونيكا (74 عاماً) راحة يدها على صدرها قائلة "هناك شيء يظل مفقوداً للأبد، ولا يمكن تعويضه" مضيفةً "يعتقدون أن اللاجئ قد ينسى إذا ما انتقل لمكان أفضل أو تم علاجه نفسياً، لكن لا، أنت لا تعيش كشخص طبيعي، شعور أنك مكروه ومرفوض في أي مكان، لا يمكن نسيانه".

تستعيد ذكرياتها مع محنة اللاجئين السوريين والنازحين العراقيين، ونتبادل المعلومات والقصص والمشاعر عنهما. 

تقول  "صحيح أن العالم بشكل عام أكثر ترحيباً باللاجئين، لكن المأساة مستمرة، لم ينهها أحد". وترى أن "غياب الشعور بالذنب وغياب العقاب هو السبب في استمرار الحروب".

تتابع فيرونيكا متسائلة: "إذا لم يُعاقب مرتكبو جرائم الحرب منذ القرن الماضي ولم يعتذروا حتى عن أفعالهم، فما الذي سيمنع تكرار غيرهم لها الآن؟"

عن الضحايا "المنسيين"

ولدت فيرونيكا في مخيم للاجئين، لأب من جذور ممتدة لألمانيين هاجروا لكرواتيا عام 1650، فبقي اسم العائلة الألماني معه، ليتم تهجيره خلال نشوب الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة (سلوفينيا، كرواتيا، صربيا والجبل الأسود، البوسنة والهرسك، مقدونيا)، بعد خروج الألمان منها، أما والدتها فهي كرواتية.

عاشت عائلتها عاماً واحداً في مخيم شرقي ألمانيا، ثم بسبب علاقة والدها الطيبة مع الموظفين والجنود الروّس الذين كانوا يشرفون على المخيم، ساعده أحدهم في الهرب إلى مخيم غرب ألمانيا، ليمكثوا فيه 6 سنوات أخرى، قبل بزوغ اتفاق أوروبي بإعادة توطين اللاجئين أو "النازحين" حسب وصفهم في تلك الحقبة، وقبل عدد من الدول استقبالهم، خصوصاً أن الكثير منهم رفض العودة لموطنه خشية القتل أو السجن، وهو ما حدث بالفعل مع عدد كبير منهم. 

وكانت الحرب العالمية الثانية خلّفت نحو (7-11) مليون نازح بين ألمانيا والنمسا وإيطاليا. تقول فيرونيكا "كان الألمان يكرهوننا، وكان الطعام شحيحاً، وهم يعتقدون أننا نأكل حصصهم" وقالت هذا الكلام ألمانية لأمها، فأجابتها الأم في حينه "لو لم تشنّوا الحرب علينا ما كنت ستريننا هنا".

أميركا كانت من الدول المستضيفة، وذلك بعد تقديم الرئيس الأميركي هاري ترومان طلباً للكونغرس من أجل سن تشريعات، جنباً إلى جنب مع مجموعة ضغط اللاجئين، وهي لجنة المواطنين المعنية بالأشخاص المشردين، السماح للاجئين الأوروبيين  بدخول الولايات المتحدة، ليتم توقيع أول قانون للمشردين في تموز/يونيو 1948، سمح لـ 200،000 نازح بدخول أميركا خلال العامين المقبلين، ثم تم تمديد فترة الاستقبال، حتى 1952.

لماذا اختارت عائلتك أميركا؟ تقول فيرونيكا، إن عمتها وعمتها سبقوهما للولايات المتحدة، لذا كانت أول ما فكر به والدها، بينما توزع أقارب لها في أستراليا وفنزويلا والبرازيل وكندا.

وموّلت رحلتهم الكنيسة الكاثوليكية، التي استردت المال منهم لاحقاً، كما توضح فيرونيكا.

تتذكر أول يوم وصلوا فيه أميركا،  تقول "خلال حياتي معها لم أر أمي تبكي سوى مرتين، في هذا اليوم، ويوم وفاة أبي"، مشيرة إلى أنهم جاؤوا في سفينة عسكرية، توقفت بهم في مدينة نيوأورليانز (ولاية أريزونا)، ومن هناك انتقلوا عبر القطار إلى ولاية كاليفورنيا للاستقرار في لوس أنجلوس. 

"كنّا في هذه المدينة أقليّة" تقول فيرونيكا، وتحضر مونيكا صورة تذكارية لمدرستهما، تظهر فيرونيكا إلى جانب فتاة أخرى، الوحيدتين من البشرة البيضاء، فيما أغلبية الطلبة من الأميركان- أفريكان، وعدد من آسيويين وهيسبانيك (من دول لاتينية). 

مدرسة مونيكا وفيرونيكا، التقطت عام 1954 تنشر بإذنهما

تتذكر فيرونيكا حياتها كطفلة في المخيم "مات أحد أقربائي جوعاً. كان هناك نقص كبير في الملابس، وفي الشتاء تخيط لنا أمي السترات الدافئة من الأغطية العسكرية، عدا عن خياطة أشياء أخرى لنا، كانت ماهرة في ذلك".

توشك على البكاء أثناء قولها "مأساتنا نسيت في غمرة انشغال العالم وتركيزه على الهولوكست، أمي وأبي وأقاربي كانوا يرفضون الحديث أوقاتاً كثيرة، لأنهم بمجرد التذكر يصابون بالتروما (صدمة)". 

وقبل توديعهما طلبت منهما صورة "سيلفي" للذكرى، ضحكت فيرونيكا "وأنا بهذا الشكل؟" ثم فكت ربطة شعرها، فانسدل بلونه الذهبي الجميل حول عنقها، وابتسمنا جميعاً للصورة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

نحو 13 ألف موظفا يعملون في الأونروا في غزة . أرشيفية
مفوض "الأونروا" يحذر من "نقطة الانهيار" (أرشيف)

في أحدث تطور يتعلق بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التابعة للأمم المتحدة، يقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إغلاقها، وهي أحد بنود خطته لـ"اليوم التالي" لقطاع غزة بمجرد انتهاء الحرب.

وكررت إسرائيل خلال الفترة الماضية اتهاماتها للوكالة الأممية بأنها تغطي على أعمال حماس، ودعت لاستبدالها بمنظمات إغاثة دولية أخرى.

المفوض العام لوكالة "الأونروا"، فيليب لازاريني، حذر مؤخرا في رسالة وجهها إلى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، من أن الوكالة وصلت إلى "نقطة الانهيار".

وقال في الرسالة "إنه لمن دواعي الأسف العميق أن أبلغكم اليوم أن الوكالة وصلت إلى نقطة الانهيار، مع دعوات إسرائيل المتكررة لتفكيكها وتجميد تمويل المانحين في مواجهة الاحتياجات الإنسانية غير المسبوقة في غزة".

وكانت الوكالة محور جدل منذ أن اتهمت إسرائيل 12 من موظفيها بالضلوع في هجمات 7 أكتوبر الذي نفذتها حركة حماس على إسرائيل وأدت إلى مقتل 1160 شخصا، معظمهم من المدنيين وبينهم نساء وأطفال، بحسب تعداد وكالة فرانس برس يستند إلى بيانات رسمية إسرائيلية.

وأسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية ردا على تلك الهجمات الدامية لمقتل قرابة 29500 قتيل في غزة، وفق وزارة الصحة التي تسيطر عليها حماس في القطاع الفلسطيني المدمر جراء الحرب.

وأنهت الوكالة على الفور عقود الموظفين المتهمين، وبدأت تحقيقا داخليا، وتم تكليف مجموعة مستقلة بمهمة تقييم الأونروا و"حيادها" السياسي.

وكالة "الأونروا"

صورة أرشيفية لمخيمات لاجئين تابعة للأونروا

توظف "الأونروا" التي تأسست بموجب القرار 302 للجمعية العامة للأمم المتحدة الذي تم تبنيه عام 1949، حوالي 33 ألف شخص في الأراضي الفلسطينية ولبنان والأردن وسوريا، بينهم 13 ألف موظف في غزة وفقا لوكالة فرانس برس.

لكن رغم أن "إسرائيل لم تقدم أي دليل للأونروا حتى الآن" يثبت اتهاماتها، فقد علقت 16 دولة تمويلها الذي يبلغ إجماليه 450 مليون دولار أي ما يعادل أكثر من نصف الدخل المتوقع لعام 2024، وفق ما قاله لازاريني، محذرا من أن أنشطة الوكالة في جميع أنحاء المنطقة "ستكون معرضة لخطر كبير ابتداء من شهر مارس". 

وأضاف لازاريني: "أخشى أننا على شفا كارثة هائلة لها آثار خطيرة على السلام والأمن وحقوق الإنسان في المنطقة".

وقال في تصريحات أخرى إنه "اعتبارا من مارس ستتجاوز النفقات الدخل. وبدون مانحين جدد، ستضطر الأونروا إلى وقف عملياتها في أبريل".

وفي العديد من الدول العربية في الشرق الأوسط، تقدم "الأونروا" بعض الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين وأبنائهم، مثل الرعاية الصحية والتعليم.

قبل تأسيس "الأونروا" كان "برنامج الأمم المتحدة لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين" الذي أنشئ في 1948 يؤدي مهاما إغاثية للاجئين الفلسطينيين، وقد تولت الوكالة الوليدة المهام التي كانت موكلة لهذا البرنامج، وإضافة إلى ذلك كلفت الاستجابة بطريقة أكثر فعالية للاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية لمجمل اللاجئين الفلسطينيين.

ومنذ بدء النزاع العربي الإسرائيلي وحتى إقرار الهدنة في يناير 1949، اضطر أكثر من 760 ألف فلسطيني للفرار من منازلهم أمام تقدم القوات اليهودية حينها أو تم تهجيرهم وطردهم من منازلهم بالقوة، وقد لجأ معظم هؤلاء إلى دول مجاورة، بحسب تقرير لفرانس برس.

ومذاك أصبحت "الأونروا"، في غياب أي جهة أخرى ذات صلاحية، الهيئة الوحيدة الضامنة للوضع الدولي للاجئ الفلسطيني.

أهمية دور "الأونروا"

إسرائيل طالبت إغلاق وكالة الأونروا . أرشيفية

يكرر كبار مسؤولي الأمم المتحدة أن "الأونروا" لا يمكن تعويضها في غزة، حيث تشكل العمود الفقري للمساعدات الإنسانية.

ووصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أواخر يناير الماضي، الوكالة بأنها "العمود الفقري لجميع الجهود الإنسانية في غزة"، وناشد جميع الدول "ضمان استمرارية عمل الأونروا المنقذ للحياة".

وشدد مفوض "الأونروا" لازاريني على أن  الوكالة "ملأت على مدى عقود الفراغ الناجم عن غياب السلام أو حتى عملية سلام"، داعيا إلى منحها "الدعم السياسي" من الجمعية العامة للأمم المتحدة للسماح ببقاء "الأونروا" و"الانتقال نحو حل سياسي طال انتظاره"، فضلا عن إصلاح طريقة تمويلها التي تعتمد أساسا على المساهمات الطوعية.

وقال لازاريني في حديث لصحف "تاميديا" السويسرية أنهم يواجهون حملة واسعة ومنسقة من إسرائيل لتدمير الوكالة.

وأضاف أن "هذا هدف سياسي طويل الأمد؛ لأنهم يعتقدون أنه إذا تم إلغاء الوكالة، فسيتم حل مسألة وضع اللاجئين الفلسطينيين مرة واحدة وإلى الأبد، ومعها حق العودة. هناك هدف سياسي أكبر بكثير وراء هذه المسألة". 

وأكد لازاريني تضرر أكثر من 150 منشأة تابعة لـ "الأونروا" منذ بداية الحرب في غزة.

ولجأ أكثر من مليون فلسطيني في 154 منشأة تابعة لـ "الأونروا" أو على مقربة منها، فيما تواصل الوكالات الأممية عملها في ظروف شبه مستحيلة لتوفير الغذاء ومياه الشرب واللقاحات لسكان غزة، بحسب فرانس برس.

ومؤخرا، حذر المشرف العام لمركز الملك سلمان للإغاثة والمساعدات الإنسانية، عبدالله الربيعة، من أن تجميد الأموال "الأونروا" من شأنه "المساهمة" في زيادة أعداد القتلى المدنيين في غزة.

وقال: "يجب ألا نعاقب الأبرياء، ملايين الأشخاص الذين يعيشون في غزة، بسبب اتهامات موجهة إلى قلة من الناس".

وأضاف الربيعة: "إذا كان لديك نحو مليوني شخص يعيشون في بقعة صغيرة ... ثم توقف تمويل الغذاء والأساسيات الصحية، فأنت في الأساس تدعوهم إلى العيش، بالفعل، في كارثة وتساهم أيضا في موتهم".

من جانبه، قال وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، مطلع فبراير، إنه "لا جهة أخرى قادرة على القيام بالدور الرئيس الذي تقوم به الوكالة في غزة".

وحذر من أن "أي تخفيض في الدعم المالي المقدم للوكالة سينعكس فورا على معاناة أعمق لأهل غزة الذين يواجهون مجاعة جماعية مردها منع إسرائيل إدخال الحد الأدنى من احتياجاتهم الإنسانية".

ونزح بسبب الحرب الدائرة في قطاع غزة المحاصر الذي يعاني أزمة إنسانية خطيرة، 1.7 مليون فلسطيني من أصل 2.4 مليون نسمة، بحسب الأمم المتحدة.

وقال بيان صادر عن اللجنة الدائمة المشتركة بين وكالات الأمم المتحدة التي تشمل الشركاء الرئيسيين المعنيين بالشؤون الإنسانية داخل المنظمة وخارجها، إن "سحب التمويل من الأونروا أمر خطير وقد يؤدي إلى انهيار النظام الإنساني في غزة، مع عواقب إنسانية وحقوقية بعيدة المدى في الأراضي الفلسطينية وفي جميع أنحاء المنطقة". 

عمل "الأونروا" في الشرق الأوسط

الأونروا العمود الفقري لتقديم المساعدات للفلسطينيين. أرشيفية

وتخوف لازاريني من أن حجب التمويل عنها لن يوقف عملياتها في غزة فقط، ولكن أيضا على نشاط الوكالة في الضفة الغربية وسوريا والأردن ولبنان.

ويمكن لنحو 5.9 مليون فلسطيني مسجلين لدى الوكالة حول العالم الاستفادة من خدماتها التي تشمل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والبنى التحتية للمخيمات والتمويلات الصغيرة والمساعدات الطارئة، بما في ذلك خلال الفترات التي تشهد نزاعا مسلحا.

ويلتحق بمدارسها أكثر من نصف مليون طفل. وتستقبل عياداتها أكثر من 7 ملايين زيارة كل عام بحسب موقع "الأونروا" الإلكتروني.

وفي لبنان، يثير قرار وقف التمويل مخاوف على مستويات عدة، ذلك أن "الأونروا" هي الجهة الوحيدة التي تعنى بتقديم خدمات لللاجئين الفلسطينيين هناك.

وقالت مديرة "الأونروا" في لبنان، دوروثي كلاوس، الخميس، إن الوكالة ليس لديها "خطة بديلة" لما بعد مارس المقبل حال تمسك الدول المانحة بوقف التمويل بحسب تقرير لوكالة رويترز.

ويقيم 250 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، معظمهم موزعون على 12 مخيما أقيمت تباعا إثر حرب عام 1948.

ويستفيد نحو 80 بالمئة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من خدمات الوكالة.

وتزداد المعاناة لدى اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى لبنان بعد فرارهم من الحرب في سوريا منذ العام 2011 والمقدر عددهم بنحو 23 ألفا.

ويتلقى نحو 40 ألف طالب فلسطيني التعليم المجاني عبر 62 مدرسة تابعة للوكالة  وموزعة في مناطق عدة في لبنان، كما تقدم مساعدات شهرية لعائلات.

وفي الأردن، قال مدير شؤون الأردن في الوكالة، أولاف بيكر، إن تعليق التمويل "سيكون له عواقب وخيمة"، إذ إن اقتصاد المملكة المتعثر بالفعل سيواجه أوقاتا أصعب إذا استمر الأمر، مما سيضطرها إلى وقف خدماتها أو تقليصها، وفقا لوكالة رويترز.

ويستضيف الأردن 2.4 مليون لاجئ فلسطيني، وهو أكبر عدد من هؤلاء اللاجئين لدى جيران إسرائيل. كما أن الكثير من مواطني الأردن من أصل فلسطيني.

وقال بيكر إن الأردن يقدم بالفعل خدمات في مجال البنية تحتية وغيرها من المجالات بقيمة مليار دولار لعشرة مخيمات فلسطينية في جميع أنحاء المملكة، حيث تدير الوكالة المدارس والخدمات الصحية لنحو 400 ألف نسمة.

وأضاف أن "الأونروا" تساعد الاقتصاد بالفعل بدفع رواتب لعدد 7000 من موظفيها، مما يجعلها واحدة من أكبر أرباب العمل في المملكة، إذ تضخ أكثر من 120 مليون دولار من الرواتب في الاقتصاد سنويا.

وأردف أن خدمات الوكالة تدعم ما يزيد على مليون لاجئ فلسطيني في المملكة بتكلفة أقل 20 بالمئة في المتوسط من الدولة في تقديم خدمات مماثلة.

وقال بيكر  إن"الخيار الأول أمامنا هو تقليص خدماتنا وقد يتطلب الأمر أنماطا مختلفة ولكن الأمر صعب للغاية؛ ماذا تختار، الرعاية الصحية مقابل التعليم أو الصرف الصحي؟".

وقال بيكر: "ربما لن يجد أطفال هذه المدارس مكانا يذهبون إليه ... سيضر ذلك بشدة بالتماسك الاجتماعي في الأردن".

ويخشى فلسطينيون يقطنون مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية ويعتمدون على الوكالة في التعليم والرعاية الصحية من توقف الخدمات الأساسية.

وتعد الوكالة شريان حياة للاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك الضفة الغربية حيث تخدم أكثر من 870 ألف شخص، وتدير 96 مدرسة و43 منشأة أولية للرعاية الصحية.