أطفال لاجئون أثناء حل واجبات مدرسية/ مصدر الصورة: ا ف ب
أطفال لاجئون أثناء حل واجبات مدرسية/ مصدر الصورة: ا ف ب

منذ نزحت مع أسرتها من منطقة تل الرمان غربي مدينة الموصل العراقية في شباط/فبراير 2017، لم ترتدْ الطفلة صبرية (11 عاما) المدرسة للعام الثالث على التوالي في حالة تعبر عن ظاهرة قائمة في أوساط اللاجئين والنازحين من مناطق النزاعات في البلدان العربية.

"أحب المدرسة والمعلمات، كنت قد درست بالروضة، والصف الأول ثم توقفت كنت شاطرة في المدرسة"، قالت صبرية التي كانت تقطن مخيم العليل جنوبي الموصل الذي أخلي قبل أيام قليلة، منذ اضطرت أسرتها للنزوح على خلفية اجتياح تنظيم داعش بلدات شمالي العراق.

علي (12 عاما)، هو الآخر كان نازحا مع أسرته في ذات المخيم العراقي، يؤكد لـ(ارفع صوتك): "الدواعش ما خلونا ندرس ما يريدوننا نتعلم بل نموت".

يتابع "كانوا يدرسونا قنابل (استخدام القنابل في الحرب) وذبح وقتل، موّتُوا أهل الموصل".

وحتى بعد تحرير الموصل من داعش قبل أكثر من عامين لم يتلق هؤلاء الأطفال التعليم النظامي في مخيمات النزوح.

مؤشرات متدنية

وتسببت النزاعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحرمان ملايين الأطفال من التعليم.

وفيما يعد أطفال العالم حقائبهم للذهاب إلى المدرسة، هنالك نحو أربعة ملايين طفل لاجئ محرومون من الدراسة.

فمن بين 7.1 مليون طفل لاجئ ممن هم في سن الدراسة، 3.7 مليون طفل لا يرتادون المدارس، وفقا لتقرير أصدرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نهاية آب/ أغسطس الماضي.

ويوضح تقرير "أزمة في تعليم اللاجئين" بأنه مع تقدم الأطفال اللاجئين في السن، تصبح الحواجز التي تحول دون حصولهم على التعليم أكثر صعوبة، إذ يرتاد 63% من الأطفال اللاجئين المدارس الابتدائية فقط، مقارنة بـ91% على مستوى العالم.

ومع تقدم الأطفال اللاجئين بالعمر، تزداد هذه الفجوة إذ لا يصل ثلثا الأطفال اللاجئين الملتحقين بالمدارس الابتدائية إلى المدرسة الثانوية تقريبا، حيث يلتحق 23% فقط من الأطفال اللاجئين بالمدارس الثانوية، مقارنة بـ 84% من الأطفال على مستوى العالم.

وتصل نسبة التحاق اللاجئين بمؤسسات التعليم العالي إلى 3% مقارنة بالنسبة العالمية وهي 37%.

ويشكل الأطفال دون الثامنة عشرة من العمر نسبة 50% من مجموع اللاجئين والنازحين (الفارين من الحروب والاضطهاد والنزاعات) حول العالم البالغ عددهم أكثر من 70 مليون شخص بنهاية عام 2018.

ويأتي 67% من لاجئي العالم من خمس دول هي: سوريا وأفغانستان وجنوب السودان وميانمار والصومال.

وكشف تقرير لمفوضية شؤون اللاجئين العام الماضي بأن 57% من اللاجئين حول العالم البالغ عددهم نحو 25 مليون لاجئ، يأتون من سوريا (6.3 مليون شخص)، وأفغانستان (2.6 مليون)، وجنوب السودان (2.4 مليون شخص).

ونهاية آب/ أغسطس 2018، قالت مفوضية شؤون اللاجئين إن ارتفاع مستوى الفقر والديون بين اللاجئين السوريين أدى إلى عجز حوالي 700 ألف منهم عن الالتحاق بالمدارس، مبيناً أن الآلاف منهم لم يرتادوا المدرسة ولو ليوم واحد.

"جيل ضائع"

وفيما تتسع دائرة العنف، يتعرض ملايين الأطفال لخطر التحول إلى "جيل ضائع" بسبب الحرمان من الحصول على المعرفة والمهارات اللازمة للنجاح في مرحلة البلوغ.

وحذرت منظمة اليونيسيف في وقت سابق من أن العالم بصدد فقدان جيل كامل من الأطفال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأنه "يجب التحرك وإلا سيلحق ضرر على المدى البعيد بالأطفال في المنطقة ويتعذر تغييره".

وقال الصحفي السوري فؤاد بصبوص "إن مستقبل الأطفال اللاجئين المحرومين من التعليم سواء السوريين أو غيرهم، ومستقبل بلدانهم أصبح في خطر".

وأضاف عبر الهاتف من سوريا لـ"ارفع صوتك" أن "هؤلاء الأطفال سيكونون أكثر عرضة للتشرد واكتساب سلوكيات سيئة ستقود لنتائج سلبية في المستقبل".

وتعد إيران ولبنان وباكستان وأوغندا وتركيا وألمانيا الأكثر استضافة للاجئين.

حماية

وانتقدت منظمات حقوقية دولية​، عديد الدول المستضيفة للاجئين تبعاً لحرمان أطفال طالبي اللجوء من التعليم الذي يعتبر حقاً أساسياً للجميع وفقاً للمواثيق والاتفاقيات الدولية.

ويشير إعلان نيويورك بشأن اللاجئين والمهاجرين إلى أهمية التعليم كعنصر أساسي في الاستجابة الدولية للاجئين.

وتقول الأمم المتحدة إن "التعليم يحمي الشباب والأطفال اللاجئين من التجنيد القسري في الجماعات المسلحة وعمالة الأطفال والاستغلال الجنسي وزواج الأطفال، كما يعزز من صمود المجتمع، ويمكنهم من أن يعيشوا حياة منتجة ومثمرة ومستقلة".

وقال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي،  إن "المدرسة هي المكان الذي يُمنح فيه اللاجئون فرصة ثانية. إن عدم منح اللاجئين الفرصة لتطوير المهارات والمعرفة التي يحتاجونها للاستثمار في مستقبلهم يعني بأننا نخذلهم".

وتابع أن "التعليم وسيلة لمساعدة الأطفال على التعافي، وهو أيضا المفتاح لإعادة بناء بلدانهم. بدون التعليم، فإن مستقبل هؤلاء الأطفال ومجتمعاتهم سوف يتعرض لضرر بالغ".

وأكد غراندي: "نحتاج للاستثمار في تعليم اللاجئين وإلا فسوف ندفع ثمن جيل من الأطفال محكوم عليهم أن يكبروا وهم غير قادرين على العيش بشكل مستقل والعثور على عمل والمساهمة الكاملة في مجتمعاتهم".

وتشدد الأمم المتحدة على ضرورة شمل اللاجئين في أنظمة التعليم الوطنية بدلاً من الالتحاق بالمدارس الموازية غير الرسمية، والسماح لهم باتباع منهاج رسمي معترف به بدءاً من مرحلة التعليم ما قبل الابتدائي والإعدادي والثانوي، الأمر الذي سيمنحهم المؤهلات المعترف بها والتي يمكن أن تكون نقطة انطلاقهم نحو الجامعة أو التدريب المهني العالي.

وتدعو المفوضية إلى اتباع نهج أكثر واقعية من جانب المدارس والجامعات ووزارات التعليم تجاه التوثيق، في إشارة إلى حلحلة إشكالية عدم امتلاك اللاجئين وثائق الهوية.

وحتى عندما تتوفر هذه الوثائق، فإن بعض الدول المضيفة ترفض الاعتراف بالشهادات الصادرة في بلدان اللاجئين الأصلية "يجب إعادة النظر ومعالجة هذه الإشكالية" تقول منظمات دولية حقوقية.

والأربعاء الماضي دعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة اليونيسف، والمنظمة الدولية للهجرة، جميع الدول الأوروبية لتعزيز الموارد والدعم العملي المقدم لأنظمة التعليم المحلية لضمان التعليم عالي الجودة للأطفال اللاجئين والمهاجرين واستمرارهم فيه.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.