مقاتل في جماعة الحوثي، صورة أرشيفية/ المصدر: فرانس برس
مقاتل في جماعة الحوثي، صورة أرشيفية/ المصدر: فرانس برس

خاص بـ"ارفع صوتك":

تعرض أحمد العلي (15 عاما)، أواخر العام الماضي 2018، لضربٍ مبرح من بعض زملائه في مدرسة حكومية بالعاصمة اليمنية صنعاء؛ لارتدائه قميصاً رسم عليه العلم الأميركي.

كما تعرض للشتم بألفاظ جارحة وتمزيق قميصه الذي يمثل "الخيانة" برأيهم، وفق ما روى أحمد لـ"ارفع صوتك".

تعكس هذه الواقعة جانباً من التعبئة المعادية لأميركا، الموجهة للطلبة، إذ تعمم وزارة التربية والتعليم ومكاتبها المحلية على المدارس المتواجدة في مناطق سيطرة الحوثيين تعليمات بتنفيذ أنشطة تخدم رؤية الجماعة، من بينها الدوس على علمي أميركا وإسرائيل ورفض التطبيع، وفقا لإفادات معلمين.

وتفرض الجماعة المتمردة على طلبة المدارس يومياً ترديد شعار أيديولوجي وديني إيراني المصدر يعرف بـ"الصرخة" في طابور الصباح، ويتضمن هتافات بـ"الموت لأميركا وإسرائيل" و"اللعنة على اليهود".

وتطلق جماعة الحوثي على ذلك الشعار المقتبس من نداء للمرشد الإيراني السابق الخميني "هتاف البراءة" ويستخدم كغلاف لنشاطها المذهبي.

أنشطة وشعارات طائفية

ومع بدء العام الدراسي 2019/2020، فرضت الجماعة على طلبة المدارس ترديد "شعار الولاية"، الذي ينص صراحة على أن الله "أمر بتولي عبدالملك الحوثي".

وينص الشعار على "اللهم إنا نتولاك، ونتولى رسولك، ونتولى الإمام علي، ونتولى من أمرتنا بتوليه، سيدي ومولاي عبدالملك بدرالدين الحوثي، اللهم إنا نبرأ من عدوك وعدو نبيك وعدو الإمام علي، وعدو من أمرتنا بتوليه سيدي ومولاي عبدالملك بدرالدين الحوثي".

كما تفرض الجماعة إقامة "أنشطة طائفية"، بغرض فرض أفكارها على التلاميذ في تهديد واضح للنسيج الاجتماعي.

"يأتي هذا على حساب الأنشطة المدرسية المختلفة التي يفترض أن تنمي مهارات الطلاب"، قالت وكيلة مدرسة بصنعاء فضلت عدم ذكر اسمها حفاظاً على أمنها الشخصي لـ "ارفع صوتك".

واضطر عبدالعزيز الصبري لنقل نجله من مدرسة حكومية بصنعاء إلى مدرسة خاضعة للحكومة الشرعية في تعز جنوبي غرب البلاد، بعدما أساء مدرسون وطلاب معاملته لرفضه ترديد الشعارات الحوثية في طابور الصباح.

يقول الصبري: "كانوا يقولون لنجلي سيف أنت لا تردد الشعار يعني أنت مع العدوان"، في إشارة إلى التحالف العسكري الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين منذ عام 2015.

"كونوا أنصار الله"

وفرض الحوثيون قسرا أنشطة تخدم أجندتهم على المدارس، خصوصا بعدما عينوا مدراء موالين لنشر "الثقافة القرآنية" المستقاة من محاضرات مؤسس الجماعة حسين الحوثي (قتل عام 2004).

وأمام المئات في طابور صباحي لمدرسة حكومية شمالي صنعاء، استهل القيادي في جماعة أنصار الله الحوثيين المكنى (أبو علي) كلمته بتلاوة الآية القرآنية "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله" (سورة الصف 14) ليحث الطلاب على إسناد جبهات القتال بمختلف "أنواع الصمود".

واستشهد الرجل عديد المرات بتوجيهات زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، الذي يصفونه بـ"السيد" حيال ذلك. ومع ذكر اسمه كان العديد من الطلاب والمدرسين يرددون "الصرخة".

وقتل المئات من طلاب المدارس منذ بداية الحرب بعدما انخرطوا في القتال في صفوف الحوثيين.

وقال مدير مدرسة في صنعاء، أكد على عدم ذكر اسمه، إن "الذين يشاركون بالقتال ضمن صفوف الحوثيين مؤمنون بثقافة وفكر الجماعة".

ويؤكد أن إدارات مدارس وعائلات طلبة أسهمت في تعبئة الطلاب بالثقافة الحوثية التي تقدس حق السلالة الحوثية في الحكم امتثالا "لأمر إلهي"، وفقا لمعتقدها.

"تثقيف" حوثي

وتنظم جماعة الحوثي "دورات ثقافية" لمدراء المدارس والمعلمين والإداريين في مكاتب التربية وديوان الوزارة المسندة ليحيى الحوثي شقيق زعيم الجماعة، ومن يتخلف يكون عرضة للمضايقات.

وتتوسع هذه الدورات لتشمل المخيمات الصيفية التي يحشد لها آلاف الطلاب خلال العطلة الصيفية، لإقناعهم بتقديس أهداف الجماعة وقيادتها وتقديس حربها "ضد أمريكا وإسرائيل وعملائها"، وترسخ الولاء والتضحية وحمل السلاح وتحريم معارضة قيادتها.

يقول مدير مدرسة أهلية في صنعاء، فضل هو الآخر عدم ذكر اسمه "يجبروننا بالقوة على حضور دورات نحن في غنى عنها".

ويوضح أن معظم المحاضرات التي شارك فيها تركز على حق الولاية للحوثي كونه من نسل النبي محمد (ص) من ابنته فاطمة الزهراء وزوجها علي ابن ابي طالب وابنائه من بعده.

وتحث المحاضرات على نصرة الجماعة بالمال والرجال وحشد الشباب للالتحاق بالقتال، وتعبئة الطلاب بهذه الثقافة في الأنشطة المدرسية، وفقا للمدير.

ويعزز الحوثيون نشر أفكارهم بملصقات وكتابات بارزة على واجهات المدارس والفصول الدراسية باقتباسات لقيادة الجماعة تحض على اعتناق مبادئ الجماعة والتضحية لأجلها.

احتفالات

وتبقي الجماعة المواطنين في مناطق سيطرتها في حالة تعرض دائمة لأفكارها وحدها، بعدما أقصت كل الأطياف الأخرى.

ولأجل ذلك تفرض احتفالات وفعاليات مستمرة تشمل المدارس بينها "أسبوع الشهيد وأسبوع الصمود والمولد النبوي وميلاد فاطمة الزهراء، وذكرى مقتل مؤسس الجماعة حسين الحوثي" وعديد مناسبات أخرى بينها ذكرى 21 أيلول/ سبتمبر عندما سيطرة الجماعة بالقوة على صنعاء.

وتعمم وزارة التربية التابعة للحوثيين بين الحين والآخر على المدارس للمشاركة في فعاليات خاصة بالحرب منها على سبيل المثال مرور أربعة أعوام على "الصمود في وجه العدوان السعودي- الأميركي".

وتنظم معارض صور لقتلى الجماعة في الحرب وضحايا الغارات الجوية وزيارات للجرحى وذوي القتلى، باعتبارهم "شهداء"، وندوات ثقافية في جميع المدارس وتتحول بعض الحصص الدراسية إلى محاضرات لما تسميه "الصمود الأسطوري في وجه العدوان".

ولا يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، إذ تأمر الوزارة المدارس الخاصة أيضاً بإقامة فعاليات فنية وثقافية وخطابية ورياضية، وتنفيذ زيارات إلى مقابر قتلى الحرب من أتباعها، وتفرض رقابة صارمة يترتب عليها عقوبات على المدارس المخالفة.

ومن بين 20 معلماً تحدثوا لـ "ارفع صوتك" أجاب 75% منهم بأن الحوثيين يستخدمون تلك الفعاليات والمناسبات لنشر فكرهم الطائفي.

 

طلاب يمنيون يغادرون بوابة جامعة صنعاء/ارفع صوتك
الولاية وإيران وحزب الله في مناهج جامعة صنعاء.. دراسة أم حرب؟
ومن بين 13 اسماً قاموا بتأليف ومراجعة مقرر “الصراع العربي الإسرائيلي”، اثنان كما ورد في القائمة، لا يحملان مؤهلاً أكاديمياً هما قياديان في جماعة الحوثيين، أحدهما مشرف دائرتها الثقافية، والمسؤول عن جمع وإخراج أفكار حسين الحوثي.

آثار نفسية

وفرضت جماعة الحوثيين على جميع مدارس صنعاء نصب لوحات تحمل صور أشلاء أطفال سقطوا بغارات جوية لطيران التحالف الذي تقوده السعودية، ما يتسبب بآثار نفسية على الطلبة.

تقول الطالبة هنادي (18 عاما) لـ"ارفع صوتك": "أشعر بألم نفسي ووجع لا يوصف كلما شاهدت هذه الصور، أنا أكره مشاهدة الصور التي تتضمن دماء وقتلاً...".

وقال الباحث اليمني عبدالناصر الشرعبي إن "الشحن الطائفي وكراهية الآخر الذي يتعرض له الأطفال وطلاب المدارس يجعلهم عدوانيين مع محيطهم،  ويصبح من الصعوبة تقويم سلوكهم أو أفكارهم".

ويضيف أن تعريض الطلاب لأنشطة طائفية وتحريضية كهذه تؤثر على قدراتهم في التحصيل العلمي إذ "تصبح مواجهة الأعداء أولوية لديهم بدلاً من التعليم".

وتابع الشرعبي: "تكريس هذه الأنشطة للطلاب يستهدف الذاكرة الوطنية وينشئ جيلاً محطماً وعدوانياً وطائفيا بامتياز".

ردّ الوزارة

من جهتها، نفت وزارة التربية والتعليم الحوثية تدخل الجماعة في العملية التعليمية وفرض أفكارها على التلاميذ أو إجبار المعلمين على حضور دورات ثقافية.

وقالت إن الأنشطة التي تنفذها المدارس تأتي "من باب التفاعل مع المناسبات الدينية وإحياء للموروث الثقافي الشعبي".

وكان وزير حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً محمد عسكر اتهم خلال ندوة في مدينة جنيف على هامش أعمال الدورة 38 لمجلس حقوق الإنسان 2018، جماعة الحوثي بتجنيد أكثر من 15 ألف طفل منذ أيلول/ سبتمبر 2014 وإشراكهم في القتال ضمن صفوفها.

وتتهم منظمات حقوقية محلية ودولية كافة أطراف الصراع في اليمن بتجنيد الأطفال وطلاب المدارس والدفع بهم إلى جبهات القتال.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".