مدخل مقر وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) في ولاية ميريلاند
مدخل مقر وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) في ولاية ميريلاند

في إحدى غرف مبنى وكالة الأمن القومي الأميركية في ولاية ميريلاند، جلست أربعة مجموعات في محطات العمل التي أقيمت على شكل مقاعد الطلبة في المدارس الثانوية.

المراقبون يجلسون خلف لوحات مفاتيح أجهزة الكومبيوتر، محللو الاستخبارات يقفون على جانب من الغرفة، واللغويون وموظفو الدعم عند الجهة أخرى.

كانت كل محطة مزودة بأربع شاشات كمبيوتر مسطحة على أذرع قابلة للتعديل، ومجموعة قوائم الأهداف والعناوين والأسماء المستعارة عبر الإنترنت معلقة على جدار غرفة العمليات.

الجميع يجلسون على كراسي مكتبية كبيرة الحجم بانتظار ليلة طويلة من العمل.

كانت الغرفة المزدحمة تنتظر كلمة واحدة: "أطلق النار".

الجميع يرتدون الزي العسكري. جداول ومناقشات في اللحظات الأخيرة وتجارب نهائية.

"كانوا ينظرون في عيني ويقولون: هل أنت متأكد من أن هذا سيعمل؟" يقول نيل، أحد الموجودين في الغرفة. ويضيف "في كل مرة كان عليّ أن أقول نعم، بغض النظر عما فكرت به"، كان نيل عصبيا، لكنه واثق من عمله.

القيادة الأمريكية السيبرانية ووكالة الأمن القومي لم تعمل معاً على شيء بهذا القدر من قبل.

أنهم فريق (ARES)، الذي تشكل عام 2015، لمواجهة نشاط تنظيم داعش على مواقع التواصل الاجتماعي، في عملية عرفت باسم "السمفونية المتوهجة"، حيث كان التنظيم ينشط في نشر فيديوهات عمليات القتل والتعذيب التي يقوم بها عناصره، ويسعى إلى كسب مقاتلين جدد ودعم مالي.

 

فريق (ARES)

في أغسطس 2015، كانت كل من وكالة الأمن القومي وقيادة سايبر الأمريكية، الذراع السيبراني الرئيسي للجيش، على مفترق طرق حول كيفية الرد على جماعة إرهابية جديدة انفجرت في مواقع الإنترنت بشراسة وعنف لا مثيل لهما.

الشيء الوحيد الذي بدا أن الجميع متفقون عليه هو أن داعش قد وجدت طريقة لفعل شيء لم تفعله منظمات إرهابية أخرى: "لقد حولت الويب إلى سلاح".

يستخدم داعش بشكل روتيني التطبيقات المشفرة ومواقع التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت لنشر رسالته وتجنيد موالين جدد وشن هجمات.

كانت الاستجابة لداعش تتطلب نوعاً جديداً من الحروب، وهكذا أنشأت وكالة الأمن القومي وقيادة سايبر الأميركية الولايات المتحدة فرقة عمل سرية لتقوم بمهمة خاصة وعملية ستصبح واحدة من أكبر وأطول العمليات الهجومية عبر الإنترنت في التاريخ العسكري للولايات المتحدة.

مقر وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) في ميريلاند

"أطلق النار"

يتذكر نيل الذي يقود فريق (ARES)، والذي طلب ذكر اسمه الأول فقط لحماية هويته: "شعرت أن هناك أكثر من 80 شخصاً في الغرفة، وبعد ذلك كان الجميع يصطفون على الجدار الخلفي الذي أحاول مشاهدته".

كان نيل يجلس في مكان صغير مرتفع في الجزء الخلفي من طابق العمليات، لتتسنى له رؤية واضحة لجميع شاشات المشغلين.

في تلك اللحظة كان نيل قادرا على رؤية شاشات تسجيل الدخول الفعلية لعناصر داعش في مختلف أنحاء العالم.

كل هدف من عناصر التنظيم تم اختياره مسبقاً ووضعه على قائمة الأسماء المستهدفة، وبحلول يوم بدء العملية، أصبحت قائمة الأسماء المعلقة على الجدار بطول 7 أقدام.

وبينما كان عناصر التنظيم ينامون، كانت غرفة نيل مليئة بمشغلي الإنترنت العسكريين في مدينة "فورت ميد" بالقرب من "بالتيمور" عاصمة ولاية ميريلاند، وكانوا على استعداد لإغلاق حسابات أولئك العناصر، كل ما كانوا ينتظرونه أن يقول نيل كلمة واحدة: "أطلق النار".

رجل يستخدم جهاز كمبيوتر

 

كان هذا الأكثر تعقيداً

لن تكون هناك مبالغة إذا نسبت فكرة "عملية السمفونية المتوهجة" إلى نيل، وهو جندي احتياطي من قوة مشاة البحرية في الثلاثينات من عمره.

يروي نيل أنه كان بالطابق السفلي في وكالة الأمن القومي، وكان حينها يصادف عيد الغطاس، في ذلك اليوم كان يستمر بمراقبة مواقع تبث دعاية للتنظيم والتي بدأها منذ شهور، حيث كان يتتبع بتركيز مقاطع الفيديو والمجلات التي تم تحميلها إلى مصدرها، ويبحث عن طرق للكشف عن كيفية توزيعها أو من الذي قام بتحميلها.

لاحظ نيل شيئاً لم يره من قبل، كان داعش يستخدم 10 حسابات وخوادم أساسية فقط، لإدارة توزيع محتواه في جميع أنحاء العالم.

لم يكن مسؤولو الشبكة بالمجموعة حذرين كما ينبغي، اختصروا المسافة واستمروا في العودة إلى نفس الحسابات وبنفس الطريقة لإدارة شبكة داعش بالكامل، اشتروا أشياء عبر الإنترنت وقاموا بتحميل وسائط داعش واجروا المعاملات المالية، وكان يتم تبادل الملفات من خلالهم.

حينها قال نيل مبتسماً "لو استطعنا الاستيلاء على هؤلاء، فسنفوز بكل شيء".

ركض الشاب إلى مكتب قيادته في وكالة الأمن القومي، وأمسك القلم وبدأ في رسم دوائر وخطوط متشابكة على السبورة.

يتذكر نيل "كنت أشير في كل مكان وأقول، كل شيء متصل، هذه هي النقاط الرئيسية. اسمحوا لي أن أبدأ".

شعر نيل وكأنه في فيلم، كان يحاول أن يشرح لهم ما يجري "ولم يكن أحد يفهمني" يقول نيل.

لكن مع استمرار الشاب المندفع في شرحه ورسمه على السبورة، كان بإمكانه رؤية القادة وهم يبدؤون بإيماءة الفهم.

ومن تلك الرسومات غير الواضحة، بدأت المهمة المعروفة باسم "عملية السمفونية المتوهجة" في التبلور، وكان الهدف هو بناء فريق وعملية من شأنها أن تعطل العملية الإعلامية لداعش.

 

الضربة القاصمة

قضى نيل ربيع وصيف عام 2016 في التحضير للهجوم.

وعلى الرغم من أن أعضاء فريق (ARES) لم يكشفوا عن كل ما فعلوه لتدمير شبكة داعش، فإن أحد الأشياء التي استخدموها في وقت مبكر هو الاستعداد للتسلل.

لكن كانت هناك مشكلة. فعناصر داعش ليسوا في سوريا والعراق فحسب، بل كانوا في كل مكان حول العالم.

أمضى الفريق شهوراً في إطلاق مهام صغيرة أظهرت أنهم يمكنهم مهاجمة محتوى تنظيم داعش على خادم، يحتوي على معلومات مهمة.

بدأت القيادة تتفاعل مع أفكار جندي البحرية نيل، الذي تحدث إليهم بضرورة اختراق حسابات كل عناصر داعش في سوريا والعراق.

وبحلول خريف عام 2016، اكتملت الخطة لدى الفريق، وتم إعلام الرئيس الأميركي بذلك.

 

اندفاع لا يصدق

وبعد أشهر من النظر إلى صفحات الويب الثابتة وتتبع مساراتها عبر شبكات التنظيم، بدأت فرقة العمل في تسجيل الدخول كعدو، وقاموا بحذف الملفات، كما بدأوا ينتقلون عبر شبكات داعش التي قاموا بتحديدها منذ شهور.

 الشاشات التي كانوا يشاهدونها داخل غرفة العمليات في مبنى وكالة الأمن القومي هي نفس الشاشات التي ينظر إليها شخص ما في سوريا في الوقت الفعلي.

وعندما يحاول هذا الشخص تحديث شاشته، سوف يرى: خطأ 404: الوجهة غير قابلة للقراءة.

يقول نيل "كنا نرسم الخط ووجدت مجموعة من الورق في زاوية مكتبي، علمت في أول 15 دقيقة أننا كنا في طريقنا لتحقيق ما نحتاج إلى تحقيقه بالضبط".

وبمجرد سيطرة فريق (ARES) على الخوادم العشر، أغلقوا حسابات الأشخاص الرئيسيين، واستمروا في طريقهم لإكمال القائمة المستهدفة.

وكان هناك شيء آخر قال نيل إنه كان من الصعب وصفه.

"عندما تتصل من خلال الكمبيوتر وعلى الجانب الآخر تكون منظمة إرهابية، وأنت على مقربة من ذلك، وتلمس شيئاً ما يخصهم، وتضع الكثير من الوقت والجهد لإلحاق الأذى بهم، هذا اندفاع لا يصدق. فلديك السيطرة على اتخاذ هذا من مكان بعيد".

جمعت مراحل عملية "السمفونية المتوهجة" بين العمليات النفسية وتطور التكنولوجيا الفائقة.

وبسبب تلك العمليات سيبقى عنصر داعش مستيقظاً طوال الليل وهو يحرر فيلماً ويطلب من أحدهم المساعدة في تحميله.

 

الهجوم مستمر

كانت الأفكار التي تدفقت من أعضاء الفريق لا حصر لها.

"دعونا نستنزف بطاريات هواتفهم المحمولة، أو إدراج الصور في مقاطع الفيديو التي لم يكن من المفترض أن تكون هناك"، يقول أعضاء الفريق.

بدأت مجلة "دابق" الشهيرة في تلك المرحلة على الإنترنت في فقدان المواعيد النهائية لمنشوراتها، وتم غلقها في نهاية المطاف.

اختفى تطبيق الهاتف المحمول "أعماق" الذي يقدم خدمة الأخبار الرسمية للتنظيم.

وبعد ثلاث سنوات من إعلان كلمة نيل "أطلق النار" على مواقع داعش، يستمر فريق (ARES) في البحث بشبكات التنظيم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".