صورة أرشيفية/ المصدر: موقع بيكسابي
صورة أرشيفية/ المصدر: موقع بيكسابي

تعرّف الأمم المتحدة المهاجر، بأنه "شخص أقام في دولة أجنبية لأكثر من سنة بغض النظر عن الأسباب سواء كانت طوعية أو كراهية، وبغض النظر عن الوسيلة المستخدمة للهجرة سواء كانت نظامية أو غير نظامية".

ضمن هذا المفهوم أنا مهاجرة إذن، إذ تخطت مدة إقامتي ثلاث سنوات في الولايات المتحدة الأميركية، لكن ما لا أعرفه، السبب الذي يدعو المهاجرين من مختلف الدول، على الأقل هنا في أميركا، للبحث أغلب الوقت على ما يشبه الماضي الذي تركوه في بلادهم.

ينقلون بلادهم هنا من خلال التصاميم الداخلية لبيوتهم، وملابسهم التقليدية التي يرتديها أكثرهم في أعياد أميركا الرسمية وفي أعياد مواطنهم الأصلية، كما نراها في مطاعمهم المنتشرة في كل مكان، والأحياء السكنية التي تجمعهم (China Town, little Italy, Little Haiti)، حتى ترى بريق سعادة في عيونهم إذا اشتموا رائحة أو سمعوا أغنية أو حضروا فعالية تذكرهم ببلادهم، عدا عن لغاتهم الأصلية التي تموت، بل تنتقل من جيل لجيل.

وبوجود كل ذلك، تبدو أميركا مثل عالم مصغّر، وتبدو بلادي البعيدة قريبة، كما لا أراني أعود إليها، لكن أحب زيارتها كلما سنحت الفرصة، وفي حين كانت "نعم لأميركا" أسهل قرار ربما اتخذته في حياتي، فإنه صعب جداً عند الكثيرين، هؤلاء الذين لا نقرأ عنهم في ملفات الهجرة وأعداد المتقدمين لها من الدول العربية، وهم أشخاص قالوا لفرص الهجرة المتاحة "لا"، ومنهم من جرّبها وعاد.

لماذا قالوا "لا"؟ يبدو السؤال كأن الأمر "غير طبيعي"، ربما.. هو بالفعل "غير مألوف" في الوقت الحالي، حيث الأوضاع السياسية والظروف الاقتصادية تتجه للأسوأ في عدد من البلدان العربية.

 

"لا أستطيع العيش خارج بغداد"

تقول صبا محمد (37 عاماً) وهي معلمة في مدرسة ابتدائية وأم لولدين وبنت واحدة، إنها لجأت مع عائلتها للولايات المتحدة الأميركية عام 2015، لكنها عادت بعد شهور قليلة مع أبنائها من دون زوجها، الذي أصرّ على البقاء.

وعن تجربتها، تروي لـ"ارفع صوتك": "قرر زوجي نهاية عام ‏‏2014 الهجرة لأميركا، وتم ذلك، خاصة أنه كان يعمل مترجماً مع القوات الأميركية في العراق بعد عام  2003، أما أنا فأخذت إجازة سنة كاملة دون راتب من عملي لغرض الهجرة".‏

"كان زوجي سعيداً حين وصلنا أميركا" تقول صبا، مضيفة "وحصل على عمل بمساندة أختي التي هاجرت ‏قبلنا عام 2010، لكنني لم أتقبل العيش بهذا البلد بسهولة. طالما شعرت بالكآبة والغربة والوحدة القاتلة رغم وجود عائلة أختي".‏

ونقلت هذا الشيء لزوجها، الذي أقنعها بالبقاء معه، لكنها لم تستطع التأقلم مع الحياة الجديدة. تتذكر صبا: "طيلة مدة إقامتي كنت متعبة نفسياً، ورغم مغريات الحياة إلا أنني كنت أبكي كثيراً".

وخلال تلك الفترة، أصيبت والدة صبا المقبمة في بغداد بمرض السرطان، ما زاد من حزنها، فقررت العودة، رغم رفض زوجها. تقول "فكرت بأمّي كثيراً، خصوصاً أنها تعيش وحدها بعد هجرة أخي وعائلته لتركيا،وشعرت أني علي العودة للمكوث بجانبها في أزمتها".

"عدتُ للعراق مع أطفالي" كان قرارها حاسماً، لتستأنف صبا حياتها في بغداد حتى بعد شفاء والدتها، أما زوجها فتتواصل معه هاتفياً، وما زال منذ ذلك الحين يقنعها بالعدول عن موقفها، لكنها  ترفض الهجرة، قائلة "لا أستطيع العيش خارج بغداد".

ومن بغداد أيضاً، نلتقي مهند عادل (30 عاماً)، الذي حاول -عبثاً- العيش في تركيا.

يقول لـ"ارفع صوتك" إنه تقدم بجميع الأوراق اللازمة التي تتيح له السفر لتركيا والهجرة إليها، لكن بعد وصوله هناك عام 2016 سرعان ما تغيّر قراره، إذ أخذه الحنين للأهل والأصدقاء.

لم يستطع مهند الذي يحمل شهادة جامعية في إدارة الأعمال، الاندماج بالمجتمع التركي خلال مدة ستة شهور قضاها هناك وعمل فيها حلاقاً مع شريك آخر في رأس المال، رغم وجود عشرات العراقيين المقيمين في محيط سكنه، وحاول التأقلم لكن "محاولاته بالفشل" وفق تعبيره.

ومنذ رجوعه، يعيش مع والدته في بغداد، وهي نفسها التي أقنعته سابقاً في السفر. يقول "أنا نادم أساساً لأنني هاجرت".

يقول مهند "كيف سمحت لنفسي أن أترك أصدقاء طفولتي وتجمعنّا يومياً في المقهى وقضاء أمتع ‏الأوقات، كيف يمكنني نسيان سفرنا سوياً لمحافظات العراق، وصخبنا، أنا عراقي وعليّ تحمل ما ‏يحدث لبلدي كما غيري من العراقيين من خير أو شر.. لن أهاجر وأترك بلدي أبداً". ‏

"سأكتفي بالممكن"

"لا أعتقد أن الحل بالهجرة" يقول الشاب الثلاثيني اليمني ماهر عثمان لفرص الهجرة المتعددة التي تتاح له.

وماهر متخصص في السياسات العامة والإدارة، حاصل على ماجستير من  المعهد الكوري للتنمية، عام 2015.

يقول لـ"ارفع صوتك": "أفضّل البقاء في اليمن مهما كانت الظروف سيئة والبيئة طاردة. هذا البلد يحتاج أن نخدمه من الداخل وليس الخارج، والحرب لا شك ستنتهي، وفي حينه سنساهم ببناء بلدنا".وكان ماهر شارك في دورة تدريبية في شباط/ فبراير 2018، في هولندا، ويقول لـ"ارفع صوتك": "كان يمكنني تقديم طلب لجوء لكنني لم أفعل".

ويروي أسباباً أخرى لرفضه هذا، بقوله "الغربة والهجرة لها ثمنها. أن تعيش بعيداً عن أهلك ولا تحصل على فرصة عمل وفقاً لتخصصك الذي صنعته منذ تخرجت من التعليم. إذ يضطر غالبية المهاجرين البدء بحياة مهنية جديدة ويعانون خلال" مضيفاً "التقيتُ شباباً يمنيين هاجروا ولمست الجانب المظلم للهجرة من خلال تجارهم".

"لهذا قررت أن أعود إلى بلادي وأبقى فيها وأكتفي بالممكن" يقول ماهر، الذي ينظم اليوم دورات تدريبية للشباب في العاصمة صنعاء، كما يستخدم منصاته في مواقع التواصل لنشر مواضيع توعوية و"تعزيز الأمل، لأن الشباب يستطيع جعل المستحيل ممكناً" وفق تعبيره.

"ليست سويسرا لكني أحبها"

يقول صديقي الفلسطيني الثلاثيني، وفضّل عدم ذكر اسمه، إن "الأخطر من الهجرة أو العدول عن قرارها، هو الهجرة نفسياً، مثل أن يتملكني التفكير المتواصل بالهجرة لكن سبباً أو أسباباً تمنع ذلك، ما يجعل المواطن خارج مفهوم المواطنة -البائس أصلاً- حتى دون مغادرة وطنه".

وكان الكاتب والباحث المصري يوسف زيدان تحدث عن هذه المسألة في كتابه "التقاط الألماس من كلام الناس"، والنص كما هو: 

ربما هذا ما حدث مع هاشم (اسم مستعار)، من فلسطين أيضاً، يقول لـ"ارفع صوتك" إنه تلقى عرضاً للهجرة إلى إسبانيا وهو في سن 21 عاماً، لكنه رفض، لأن الرجل الذي قدم له العرض اشترط عليه الزواج بابنته، فشعر هاشم أنه يتعرض للابتزاز، خصوصاً أنه والفتاة لا يعرفان بعضهما البعض.

هو اليوم في أواخر الأربعين، وطالما حلم بالعيش في بلد أوروبي، لكن محاولاته الفردية بالهجرة لم تنجح، ليتوقف عنها لاحقاً.

يقول هاشم: "أنا مع أن يبحث الإنسان عن فرص لتحقيق طموحاته وأن يجرّب، لا أن يعيش ويموت في بلده لحجج عديدة، والهجرة بالنسبة لي مثل اختيار التخصص الجامعي، قد تنجح فيه أو لا، وفي حالة عدم التوفيق تجرّب غيره. ومن أحب الهجرة فليهاجر وإذا لم يستطع التأقلم أو لم يجد ما يتمناه هناك إما يعود أو يجرّب في مكان آخر".

ويتفق براء ملبس (24 عاماً) من رام الله في فلسطين، مع العبارة الأخيرة لهاشم، لكن براء، يرفض الهجرة قطعياً، على الرغم من توفر جميع الأسباب الممكنة. 

ويعيش براء في قرية اسمها "المزرعة الشرقية" عدد سكانها أربعة آلاف، بينما المهاجرون منها 13 ألفاً، تسعة آلاف في أميركا وحدها، كما يقول.

"عايش في هالبلد مش متزحزح منها" يقول براء لـ"ارفع صوتك"، ويعيش مع زوجته، فيما عائلته المكونة من أمه وأبيه وإخوته وأخواته جميعهم في الولايات المتحدة.

ومنذ شهر تسلّم براء رسالة من القنصلية الأميركية من أجل الخطوات النهائية في إجراءات الهجرة، إذ قدمت له عائلته الطلب منذ سبع سنوات، لكنه لا يريد إتمام هذا الطريق.

ويوضح عبر رسائل صوتية لـ"ارفع صوتك": "أنا متعلّق في بلدي، أحبها جداً، بطبيعتها وتضاريسها وتنوع أرضها ومناخها. لا أقول إن الوضع ممتاز، الظروف صعبة، ومثلي مثل غيري أعاني منها، ولا أقول إن بلدي سويسرا، لكنّي أحبها ولا أريد الرحيل".

ويعمل براء مصوّراً فوتوغرافياً. يقول "أحمل كاميرتي وأخرج كل يوم جمعة لتصوير أماكن جديدة"، وبلهجته المحليّة يضيف "بكون مبسوط كتير كتير ما بديش (لا أريد) إشي تاني من الحياة".

وأتيحت فرص الهجرة لبراء مراراً وتكراراً كما أن زوجته نفسها تحاول إقناعه بذلك، وهي تحمل الجنسية الأميركية فقط، ما يضطره لتجديد إقامتها كل شهرين من القنصلية في القدس، إذ أتت البلاد عبر فيزا سياحية.

ومن خلال توضيحه، يبدو أن براء هو "المتبقّي" فعلاً من عائلته الصغيرة والممتدة في بلده. يقول "جميع عائلة ملبس هناك إلا أنا، حوالي 250 شخص، تستطيعين القول  249 هناك (أميركا) وأنا هنا، وهذا ليس سهلاً أبداً، أشتاق لهم كثيراً، لكنّي قد أزورهم فأنا أحب الذهاب كسائح لكن ليس كمهاجر".

لهذه الدرجة؟ يرى براء أن "صلة الرحم والعلاقات الاجتماعية أقوى في فلسطين فيما هناك العمل أهم شيء"، ولا يريد الدخول في حدود البطاقة الخضراء (الغرين كارد)، حيث ما إن يأخذها حتى تتقلص مدة إقامته خارج أميركا إلى أن يحصل على الجنسية.

يقول عبد الباسط خلف، وهو صحافي فلسطيني مختص بقضايا البيئة، إنه رفض مشروع الهجرة رغم توفر الظروف والخبرات المناسبة، ويراها نوعاً من "الهروب وردة فعل على حالة إحباط كبرى".

يضيف لـ"ارفع صوتك": "من يعجز عن تحقيق الذات والنجاح في وطنه، لن يستطيع ذلك في الغربة، وإن أسعفه الحظ سيظل يلاحَق بالعنصرية والتمييز والشعور بالاغتراب، ويتصاعد ذلك مع خريف العمر".

ويرى عبد الباسط أن "ثمة ارتباط رمزي وروحي بين الإنسان ووطنه، يظل يلازم المهاجر وإن أخفى ذلك، حتى تراه آخر أيامه يتمنى أن يُدفن في بلده".

شارك في إعداد القصص، دعاء يوسف من العراق، وغمدان الدقيمي من اليمن.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

الكعبة
ارتبطت شعيرة الحج بالسياسة منذ فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي.

يحظى الحج بأهمية كبرى عند المسلمين، فهو أحد أبرز الفرائض الرئيسية في الدين الإسلامي. إلى جانب مضامينه الروحية، ارتبط الحج -بشكل قوي- بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.  كيف تأثرت تلك الفريضة الدينية بالمتغيرات السياسية التي عرفتها البلاد الإسلامية؟ وما هي أبرز الحوادث التي اُستخدم فيها الحج للتعبير عن الخلافات والنزاعات حول السلطة؟

 

زمن الأمويين والعباسيين

ارتبطت شعيرة الحج بالسياسة منذ فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي. في ستينات القرن الأول الهجري، ثار عبد الله بن الزبير على السلطة الأموية. واتخذ من مكة عاصمة لحكمه، بينما بقي الأمويون يحكمون من دمشق. في تلك الأثناء، تم استغلال موسم الحج لإقناع الحجاج بالانضمام لابن الزبير. رد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على ذلك بمنع أهل الشام من الخروج للحج.

في سنة 73 هجرية، انقلبت الأوضاع رأساً على عقب. تمكن الجيش الأموي، بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي من حصار ابن الزبير في مكة. "وحَجَّ الحَجَّاج بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور... ولم يحج -أي ابن الزبير- ذلك العام ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة"، وذلك بحسب ما يذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك".

تكرر الموقف في أربعينيات القرن الثاني الهجري، وذلك بالتزامن مع اشتعال الثورة العلوية في الحجاز ضد الحكم العباسي. منع والي مصر العباسي خروج رعاياه لأداء فريضة الحج خوفاً من تأثرهم بالدعاية السياسية العلوية، "فلم يحجّ في تلك السنة أحد من مصر ولا من الشام؛ لما كان بالحجاز من الاضطراب من أمر بني الحسن"، وذلك بحسب ما يذكر ابن تغري بردي في كتابه "النجوم الزاهرة".

 

"درب زبيدة".. من قوافل الحج والتجارة إلى قائمة التراث العالمي
عُرف طريق الحج الكوفي باسم "درب زبيدة" نسبة إلى زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي تكفلت بعمارته، وأنشأت العديد من الآبار والبرك وأماكن الاستراحة على طول الطريق إلى مكة. بعد أن كان الحجاج يعانون من وعورة الطريق وشح المياه، ليُخلد الطريق ذكرها منذ ذلك التاريخ.

من جهة أخرى، تجلت أهمية الحج كحدث مركزي في العبادات الإسلامية في مجموعة من المواقف السياسية المهمة. على سبيل المثال، استغل الخليفة العباسي هارون الرشيد قيامه بالحج في سنة 186ه، ليعلن عهده إلى ولديه الأمين والمأمون. اصطحب الرشيد ابنيه معه في رحلة الحج "واستكتب كلاً منهما عهداً بما عليه وله قبل الآخر، وعلَّق العهدين بالكعبة"، وذلك حسبما يذكر الكاتب أحمد فريد رفاعي في كتابه "عصر المأمون".

في القرن الرابع الهجري، استغل القرامطة الأهمية الرمزية لشعيرة الحج في قلوب المسلمين لإثبات تفوقهم العسكري على الخلافة العباسية. في سنة 317هـ، تمكن القرامطة -بقيادة أبي طاهر الجنّابي- من مهاجمة مكة. وبعدها، اقتلعوا باب الكعبة والحجر الأسود. وحملوه معهم إلى هَجَر، الواقعة شرقي شبه الجزيرة العربية. وتسببت تلك الحوادث في تعطيل الحج لسنين متواصلة.

 

من عباس الصفوي إلى تأسيس السعودية

وقع الاستغلال السياسي للحج أيضاً في عصر الدولة العثمانية. سيطر العثمانيون على الحجاز، وأعلنوا حمايتهم للحرمين الشريفين. واستغلوا ذلك في دعايتهم السياسية ضد أعدائهم من الصفويين.

بالمقابل، حاول الشاه عباس الصفوي أن يقلل من منزلة الحج لدى رعيته في إيران. يذكر عبد العزيز بن صالح في كتابه "عودة الصفويين" إن الشاه حاول أن يقنع الإيرانيين بالتخلي عن أداء فريضة الحج. ووجه اهتمامه لتعظيم مقام الإمام علي الرضا، ثامن الأئمة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، في طوس. ودعا الإيرانيين لزيارة المقام والتبرك به. ولتشجيعهم على ذلك، سافر عباس سيراً على الأقدام من أصفهان إلى مشهد، وقطع في هذه الرحلة ما يزيد عن 1200 كيلو متر على مدار 28 يوماً.

الأهمية السياسية لشعيرة الحج ظهرت بشكل أكثر وضوحاً في بدايات القرن العشرين، بالتزامن مع اندلاع "الثورة العربية الكبرى" ضد العثمانيين في سنة 1916م. يذكر الباحث لوك شانتر في كتابه "الحج في الحقبة الاستعمارية" أن الإشراف على فريضة الحج كان أحد المسائل المُتنازع عليها بين علي بن الحسين، شريف مكة، وابن سعود، أمير نجد.

يقول شانتر إن شريف مكة كان يرى في الحج "رمزاً لاسترجاع استقلالية مملكته ووسيلة لتأكيد طموحاته بإقامة الخلافة، لكن إدارته العشوائية جداً للحج أسهمت في التقليل من قيمته في نظر القوى الاستعمارية والأمة الإسلامية الدولية، فالحج هو معيار للحكومة الرشيدة. وهذا ما أدركه أمير نجد، ابن سعود، الذي وضع الحج ضمن مخططه لاسترداد الحجاز ولعب بذكاء على هذين الجانبين، الجانب الدبلوماسي من خلال تسهيل حج الرعايا المسلمين التابعين للإمبراطوريات أثناء حرب الحجاز وحمايتهم، وجانب الشرعية من خلال تقديم نفسه كمجدد لمؤسسة أضاعت هيبتها المملكة الهاشمية".

من جهة أخرى، ارتبط موسم الحج بالمحمل المصري، والذي اختلطت فيه الرموز الدينية والسياسية معاً. مع وصول المماليك للحكم، بدأت عادة إرسال كسوة الكعبة سنوياً إلى مكة في موكب عظيم واحتفال مهيب. عُرف هذا الموكب باسم المحمل، ورمز إلى تبعية الحجاز لسلاطين مصر. ظلت تلك العادة المتبعة سارية لقرون عديدة. وفي سنة 1926م، دارت حولها بعض الأحداث الدامية. عندما وصل المحمل المصري إلى مكة، قام بعض الرجال المسلحين التابعين لابن سعود بإطلاق النيران على القافلة المصرية بسبب رفضهم عزف الموسيقى العسكرية المصاحبة لوصول المحمل. رد عليهم المصريون بإطلاق النيران، وسقط بعض القتلى والجرحى من الجانبين. بيّن ذلك الحدث رفض الدولة السعودية الناشئة الاعتراف بسلطة ملوك مصر. بعد تلك الحادثة، عاد المحمل المصري مرة أخرى إلى الحجاز. ولكن في سنة 1962م، توقفت تلك العادة بشكل نهائي. وذلك بسبب الخلافات السياسية الكبيرة التي نشبت بين الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، وملوك الدولة السعودية.

 

إيران وقطر

في العصر الحديث، ارتبط الحج بالعديد من الأحداث السياسية المهمة. على سبيل المثال، في سنة 1987، قام عدد كبير من الحجاج الإيرانيين بالتظاهر في مكة، وحملوا صور مرشدها الأعلى الخميني، كما رفعوا لافتات مهاجمة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. تسببت تلك المظاهرات في اندلاع أحداث عنف بين الحجاج الإيرانيين من جهة والشرطة السعودية من جهة أخرى. عبرت تلك الأحداث عن الخلافات السياسية العميقة بين الجمهورية الإيرانية، والمملكة العربية السعودية.

في سنة 2015م، تصاعد الخلاف بين إيران والسعودية مرة ثانية بسبب الحج. في تلك السنة، توفى ما يزيد عن 700 حاج في حادث تدافع بمنطقة منى في موسم الحج. على إثر تلك الحادثة، قام العديد من المسؤولين الإيرانيين بمهاجمة الحكومة السعودية. على سبيل المثال، قال المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي: "هناك الكثير من الأسئلة التي يطرحها العالم الإسلامي في هذا المجال، وعلى حكام السعودية أن يعتذروا للأمة الإسلامية وللأسر المفجوعة ويتحملوا المسؤولية عن هذا الحادث بدلاً من اللجوء إلى الإسقاط وإلقاء اللوم على الآخرين".

في السياق نفسه، هاجم نائب رئيس مجلس خبراء القيادة الأسبق، محمود الهاشمي الشاهرودي الإدارة السعودية للحج، ووصفها بأنها "لا تصلح بأي شكل كان لتولي إدارة الحرمين الشريفين" وطالب بـ"تولي إدارة إسلامية لائقة للحرمين الشريفين وشؤون الحج والعمرة الواجبين على المسلمين في كل العالم تشترك فيها كافة الدول الاسلامية بعيداً عن ممارسات الحكومة المحلية".

في سنة 2017م، ارتبط الحج بمجموعة من المشكلات الدبلوماسية التي نشبت بين بعض الدول العربية وبعضها البعض. في الخامس من يونيو من تلك السنة، أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر بسبب اتهامها بدعم جماعة الإخوان المسلمين وبعض التيارات الإسلامية. في هذا السياق، تم إغلاق الحدود بين السعودية وقطر، ورفضت الرياض نقل الحجاج القطريين إلى أراضيها عن طريق خطوط الطيران القطرية. اُعترض على تلك القرارات من جانب الحكومة القطرية. وأعربت وزارة الخارجية القطرية عن رفضها ما سمته الاستغلال السياسي لفريضة الحج، واستغربت إعلان السعودية قصر نقل الحجاج القطريين على الخطوط الجوية السعودية فقط، وقالت إنه" "أمر غير مسبوق وغير منطقي".

من جهته، ألقى وزير الخارجية السعودي الأسبق، عادل الجبير بالمسؤولية على عاتق الدوحة، واتهم قطر بتسييس قضية الحج بهدف النيل من المملكة العربية السعودية. على إثر تلك الاعتراضات المتبادلة، قررت الرياض في نهاية المطاف، فتح الحدود البرية أمام الحجاج القطريين. ووجه الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، بإعفاء الحجاج القطريين من التصاريح الإلكترونية لدخول المملكة العربية السعودية. ووافق على إرسال طائرات خاصة تابعة للخطوط الجوية السعودية إلى مطار الدوحة لنقل كافة الحجاج القطريين واستضافتهم بالكامل على نفقته الخاصة.