صورة أرشيفية/ المصدر: موقع بيكسابي
صورة أرشيفية/ المصدر: موقع بيكسابي

تعرّف الأمم المتحدة المهاجر، بأنه "شخص أقام في دولة أجنبية لأكثر من سنة بغض النظر عن الأسباب سواء كانت طوعية أو كراهية، وبغض النظر عن الوسيلة المستخدمة للهجرة سواء كانت نظامية أو غير نظامية".

ضمن هذا المفهوم أنا مهاجرة إذن، إذ تخطت مدة إقامتي ثلاث سنوات في الولايات المتحدة الأميركية، لكن ما لا أعرفه، السبب الذي يدعو المهاجرين من مختلف الدول، على الأقل هنا في أميركا، للبحث أغلب الوقت على ما يشبه الماضي الذي تركوه في بلادهم.

ينقلون بلادهم هنا من خلال التصاميم الداخلية لبيوتهم، وملابسهم التقليدية التي يرتديها أكثرهم في أعياد أميركا الرسمية وفي أعياد مواطنهم الأصلية، كما نراها في مطاعمهم المنتشرة في كل مكان، والأحياء السكنية التي تجمعهم (China Town, little Italy, Little Haiti)، حتى ترى بريق سعادة في عيونهم إذا اشتموا رائحة أو سمعوا أغنية أو حضروا فعالية تذكرهم ببلادهم، عدا عن لغاتهم الأصلية التي تموت، بل تنتقل من جيل لجيل.

وبوجود كل ذلك، تبدو أميركا مثل عالم مصغّر، وتبدو بلادي البعيدة قريبة، كما لا أراني أعود إليها، لكن أحب زيارتها كلما سنحت الفرصة، وفي حين كانت "نعم لأميركا" أسهل قرار ربما اتخذته في حياتي، فإنه صعب جداً عند الكثيرين، هؤلاء الذين لا نقرأ عنهم في ملفات الهجرة وأعداد المتقدمين لها من الدول العربية، وهم أشخاص قالوا لفرص الهجرة المتاحة "لا"، ومنهم من جرّبها وعاد.

لماذا قالوا "لا"؟ يبدو السؤال كأن الأمر "غير طبيعي"، ربما.. هو بالفعل "غير مألوف" في الوقت الحالي، حيث الأوضاع السياسية والظروف الاقتصادية تتجه للأسوأ في عدد من البلدان العربية.

 

"لا أستطيع العيش خارج بغداد"

تقول صبا محمد (37 عاماً) وهي معلمة في مدرسة ابتدائية وأم لولدين وبنت واحدة، إنها لجأت مع عائلتها للولايات المتحدة الأميركية عام 2015، لكنها عادت بعد شهور قليلة مع أبنائها من دون زوجها، الذي أصرّ على البقاء.

وعن تجربتها، تروي لـ"ارفع صوتك": "قرر زوجي نهاية عام ‏‏2014 الهجرة لأميركا، وتم ذلك، خاصة أنه كان يعمل مترجماً مع القوات الأميركية في العراق بعد عام  2003، أما أنا فأخذت إجازة سنة كاملة دون راتب من عملي لغرض الهجرة".‏

"كان زوجي سعيداً حين وصلنا أميركا" تقول صبا، مضيفة "وحصل على عمل بمساندة أختي التي هاجرت ‏قبلنا عام 2010، لكنني لم أتقبل العيش بهذا البلد بسهولة. طالما شعرت بالكآبة والغربة والوحدة القاتلة رغم وجود عائلة أختي".‏

ونقلت هذا الشيء لزوجها، الذي أقنعها بالبقاء معه، لكنها لم تستطع التأقلم مع الحياة الجديدة. تتذكر صبا: "طيلة مدة إقامتي كنت متعبة نفسياً، ورغم مغريات الحياة إلا أنني كنت أبكي كثيراً".

وخلال تلك الفترة، أصيبت والدة صبا المقبمة في بغداد بمرض السرطان، ما زاد من حزنها، فقررت العودة، رغم رفض زوجها. تقول "فكرت بأمّي كثيراً، خصوصاً أنها تعيش وحدها بعد هجرة أخي وعائلته لتركيا،وشعرت أني علي العودة للمكوث بجانبها في أزمتها".

"عدتُ للعراق مع أطفالي" كان قرارها حاسماً، لتستأنف صبا حياتها في بغداد حتى بعد شفاء والدتها، أما زوجها فتتواصل معه هاتفياً، وما زال منذ ذلك الحين يقنعها بالعدول عن موقفها، لكنها  ترفض الهجرة، قائلة "لا أستطيع العيش خارج بغداد".

ومن بغداد أيضاً، نلتقي مهند عادل (30 عاماً)، الذي حاول -عبثاً- العيش في تركيا.

يقول لـ"ارفع صوتك" إنه تقدم بجميع الأوراق اللازمة التي تتيح له السفر لتركيا والهجرة إليها، لكن بعد وصوله هناك عام 2016 سرعان ما تغيّر قراره، إذ أخذه الحنين للأهل والأصدقاء.

لم يستطع مهند الذي يحمل شهادة جامعية في إدارة الأعمال، الاندماج بالمجتمع التركي خلال مدة ستة شهور قضاها هناك وعمل فيها حلاقاً مع شريك آخر في رأس المال، رغم وجود عشرات العراقيين المقيمين في محيط سكنه، وحاول التأقلم لكن "محاولاته بالفشل" وفق تعبيره.

ومنذ رجوعه، يعيش مع والدته في بغداد، وهي نفسها التي أقنعته سابقاً في السفر. يقول "أنا نادم أساساً لأنني هاجرت".

يقول مهند "كيف سمحت لنفسي أن أترك أصدقاء طفولتي وتجمعنّا يومياً في المقهى وقضاء أمتع ‏الأوقات، كيف يمكنني نسيان سفرنا سوياً لمحافظات العراق، وصخبنا، أنا عراقي وعليّ تحمل ما ‏يحدث لبلدي كما غيري من العراقيين من خير أو شر.. لن أهاجر وأترك بلدي أبداً". ‏

"سأكتفي بالممكن"

"لا أعتقد أن الحل بالهجرة" يقول الشاب الثلاثيني اليمني ماهر عثمان لفرص الهجرة المتعددة التي تتاح له.

وماهر متخصص في السياسات العامة والإدارة، حاصل على ماجستير من  المعهد الكوري للتنمية، عام 2015.

يقول لـ"ارفع صوتك": "أفضّل البقاء في اليمن مهما كانت الظروف سيئة والبيئة طاردة. هذا البلد يحتاج أن نخدمه من الداخل وليس الخارج، والحرب لا شك ستنتهي، وفي حينه سنساهم ببناء بلدنا".وكان ماهر شارك في دورة تدريبية في شباط/ فبراير 2018، في هولندا، ويقول لـ"ارفع صوتك": "كان يمكنني تقديم طلب لجوء لكنني لم أفعل".

ويروي أسباباً أخرى لرفضه هذا، بقوله "الغربة والهجرة لها ثمنها. أن تعيش بعيداً عن أهلك ولا تحصل على فرصة عمل وفقاً لتخصصك الذي صنعته منذ تخرجت من التعليم. إذ يضطر غالبية المهاجرين البدء بحياة مهنية جديدة ويعانون خلال" مضيفاً "التقيتُ شباباً يمنيين هاجروا ولمست الجانب المظلم للهجرة من خلال تجارهم".

"لهذا قررت أن أعود إلى بلادي وأبقى فيها وأكتفي بالممكن" يقول ماهر، الذي ينظم اليوم دورات تدريبية للشباب في العاصمة صنعاء، كما يستخدم منصاته في مواقع التواصل لنشر مواضيع توعوية و"تعزيز الأمل، لأن الشباب يستطيع جعل المستحيل ممكناً" وفق تعبيره.

"ليست سويسرا لكني أحبها"

يقول صديقي الفلسطيني الثلاثيني، وفضّل عدم ذكر اسمه، إن "الأخطر من الهجرة أو العدول عن قرارها، هو الهجرة نفسياً، مثل أن يتملكني التفكير المتواصل بالهجرة لكن سبباً أو أسباباً تمنع ذلك، ما يجعل المواطن خارج مفهوم المواطنة -البائس أصلاً- حتى دون مغادرة وطنه".

وكان الكاتب والباحث المصري يوسف زيدان تحدث عن هذه المسألة في كتابه "التقاط الألماس من كلام الناس"، والنص كما هو: 

ربما هذا ما حدث مع هاشم (اسم مستعار)، من فلسطين أيضاً، يقول لـ"ارفع صوتك" إنه تلقى عرضاً للهجرة إلى إسبانيا وهو في سن 21 عاماً، لكنه رفض، لأن الرجل الذي قدم له العرض اشترط عليه الزواج بابنته، فشعر هاشم أنه يتعرض للابتزاز، خصوصاً أنه والفتاة لا يعرفان بعضهما البعض.

هو اليوم في أواخر الأربعين، وطالما حلم بالعيش في بلد أوروبي، لكن محاولاته الفردية بالهجرة لم تنجح، ليتوقف عنها لاحقاً.

يقول هاشم: "أنا مع أن يبحث الإنسان عن فرص لتحقيق طموحاته وأن يجرّب، لا أن يعيش ويموت في بلده لحجج عديدة، والهجرة بالنسبة لي مثل اختيار التخصص الجامعي، قد تنجح فيه أو لا، وفي حالة عدم التوفيق تجرّب غيره. ومن أحب الهجرة فليهاجر وإذا لم يستطع التأقلم أو لم يجد ما يتمناه هناك إما يعود أو يجرّب في مكان آخر".

ويتفق براء ملبس (24 عاماً) من رام الله في فلسطين، مع العبارة الأخيرة لهاشم، لكن براء، يرفض الهجرة قطعياً، على الرغم من توفر جميع الأسباب الممكنة. 

ويعيش براء في قرية اسمها "المزرعة الشرقية" عدد سكانها أربعة آلاف، بينما المهاجرون منها 13 ألفاً، تسعة آلاف في أميركا وحدها، كما يقول.

"عايش في هالبلد مش متزحزح منها" يقول براء لـ"ارفع صوتك"، ويعيش مع زوجته، فيما عائلته المكونة من أمه وأبيه وإخوته وأخواته جميعهم في الولايات المتحدة.

ومنذ شهر تسلّم براء رسالة من القنصلية الأميركية من أجل الخطوات النهائية في إجراءات الهجرة، إذ قدمت له عائلته الطلب منذ سبع سنوات، لكنه لا يريد إتمام هذا الطريق.

ويوضح عبر رسائل صوتية لـ"ارفع صوتك": "أنا متعلّق في بلدي، أحبها جداً، بطبيعتها وتضاريسها وتنوع أرضها ومناخها. لا أقول إن الوضع ممتاز، الظروف صعبة، ومثلي مثل غيري أعاني منها، ولا أقول إن بلدي سويسرا، لكنّي أحبها ولا أريد الرحيل".

ويعمل براء مصوّراً فوتوغرافياً. يقول "أحمل كاميرتي وأخرج كل يوم جمعة لتصوير أماكن جديدة"، وبلهجته المحليّة يضيف "بكون مبسوط كتير كتير ما بديش (لا أريد) إشي تاني من الحياة".

وأتيحت فرص الهجرة لبراء مراراً وتكراراً كما أن زوجته نفسها تحاول إقناعه بذلك، وهي تحمل الجنسية الأميركية فقط، ما يضطره لتجديد إقامتها كل شهرين من القنصلية في القدس، إذ أتت البلاد عبر فيزا سياحية.

ومن خلال توضيحه، يبدو أن براء هو "المتبقّي" فعلاً من عائلته الصغيرة والممتدة في بلده. يقول "جميع عائلة ملبس هناك إلا أنا، حوالي 250 شخص، تستطيعين القول  249 هناك (أميركا) وأنا هنا، وهذا ليس سهلاً أبداً، أشتاق لهم كثيراً، لكنّي قد أزورهم فأنا أحب الذهاب كسائح لكن ليس كمهاجر".

لهذه الدرجة؟ يرى براء أن "صلة الرحم والعلاقات الاجتماعية أقوى في فلسطين فيما هناك العمل أهم شيء"، ولا يريد الدخول في حدود البطاقة الخضراء (الغرين كارد)، حيث ما إن يأخذها حتى تتقلص مدة إقامته خارج أميركا إلى أن يحصل على الجنسية.

يقول عبد الباسط خلف، وهو صحافي فلسطيني مختص بقضايا البيئة، إنه رفض مشروع الهجرة رغم توفر الظروف والخبرات المناسبة، ويراها نوعاً من "الهروب وردة فعل على حالة إحباط كبرى".

يضيف لـ"ارفع صوتك": "من يعجز عن تحقيق الذات والنجاح في وطنه، لن يستطيع ذلك في الغربة، وإن أسعفه الحظ سيظل يلاحَق بالعنصرية والتمييز والشعور بالاغتراب، ويتصاعد ذلك مع خريف العمر".

ويرى عبد الباسط أن "ثمة ارتباط رمزي وروحي بين الإنسان ووطنه، يظل يلازم المهاجر وإن أخفى ذلك، حتى تراه آخر أيامه يتمنى أن يُدفن في بلده".

شارك في إعداد القصص، دعاء يوسف من العراق، وغمدان الدقيمي من اليمن.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".