متظاهران لبنانيان يرتديان زي شخصيات مسلسل إسباني/ ا ف ب
متظاهران لبنانيان يرتديان زي شخصيات مسلسل إسباني/ ا ف ب

هذا شرّير وذاك خيّر، هذا قاتل وذاك سارق وآخر متورّط في تعاسة الآخرين. ما الخير وما الشر وما الحد الفاصل بينهما؟ وكيف يُصبح القاتل في عين شخص ما، ثورياً باحثاً عن العدالة في عين آخر؟

هذه الأفكار والأسئلة جزءٌ من نقاش طويل حول فيلم أو مسلسل حقق صدمة مع تاريخنا الشخصي أو تاريخ مجتمعاتنا، والخطوط التي رسمناها على مدى سنوات لنميّز الخير من الشر، والمتغيّر من الثابت. 

وإذا كان يمكن تمثيل ذلك الموقف من شخصية ما، فهو ببساطة داخل الفيديو الآتي،  ويظهر فيه عدة متظاهرين لبنانيين يوضحون سبب اختيارهم للأقنعة التي يرتدونها أثناء مشاركتهم. فتارة يقولون إن شخصية "الجوكر" تمثل ثورتهم وتارة أخرى إنها تشخيص للحكومة المتسببة في معاناتهم.

 

وربما كانت ثيمة الصراع بين الفرد والنظام (المواطن والسلطة) هي ما يربط سبعة أعمال تلفزيونية وسينيمائية، جعلت منها ملمحاً من ملامح الثورات حول العالم، خصوصاً في لبنان والعراق، إذ رصدنا 7 أعمال بين المقارنة والاقتباس في أوضاع البلدين، هي: مسلسل لا كاسا دو بابل، بيكي بلايندرز، قيامة أرطغرل، وفيلم البؤساء، ووندر وومان، في فور فينيدتا.

وفي هذا المقال نركز على المسلسل الإسباني La Casa De Papel .

ملخص القصة: يملك شخص ما خطّة محكمة لسرقة البنك المركزي في العاصمة الإسبانية مدريد، يسمّي نفسه البروفيسور، ويجمع عدداً من أصحاب السوابق لمساعدته في تنفيذها، كل منهم بمهارة مختلفة، ورغم تركيزه في بداية تدريبهم على نفي العلاقات الشخصية والعواطف إذ من شأنها إفساد المهمة، إلا أن المسلسل بأجزائه الثلاثة يشهد أحداثاً مركبة وتفاصيل يعيشها أعضاء الفريق معاً، تقوّي الروابط بينهم، كما تخلق علاقات بينهم والرهائن المحتجزين في البنك.

حاز المسلسل على شهرة واسعة بعد عرضه في "نتفليكس" مدبلجاً ومترجماً لأكثر من لغة، لكن هل هي مجرد قصة سطو على بنك؟ 

استولى المسلسل على اهتمام المتابعين لتميّز السيناريو والحوار فيه، إذ كتب بلغة المتمرّدين على السلطة السياسية والنظام الاقتصادي العالمي وإسبانيا شريكة فيه، الذي يزيد الأغنياء غنى والفقراء فقراً، وكان تبرير السطو أنه عمل "مقاوم" وبأنهم لن يأخذوا مالاً ليس لهم، فما سيأخذونه هو المال الذي يطبعونه بأنفسهم في البنك عبر الموظفين المحتجزين هناك، والمبلغ الهدف هو 4.2 مليار يورو.

 

أما المظهر الخارجي لفريق السطو، فمؤلف من قطعتين، الملابس الحمراء والقناع.

أحمر الشيوعية لون الرداء هو لون علم الحزب الشيوعي الذي بدأ من روسيا بعد الثورة البلشفية 1917، وصار لون رايات الدول التابعة للاتحاد السوفيتي، ومنها إلى الدول التي تبنت الأيديولوجية الشيوعية حول العالم. 

 

 

وجه دالي يقول البروفيسور، قائد مهمة السطو، إنهم استخدموا قناع وجه الفنان الإسباني سلفادور دالي لأنه "يمثل روح المقاومة التي يجب أن يتمتع بها الجميع في وجه الظلم"، لكن هل يتقاطع هذا حقاً مع السيرة الشخصية للفنان؟

يعتبر دالي رائد المدرسة السوريالية في الفن، حتى أن البعض وصف السوريالية بالدالية، نسبة إليه، وهو نفسه عرّف نفسه بشكل نرجسي "أنا السوريالية". تمتزج في لوحاته معاني العبقرية والجنون والخيال والواقع والغرائبية في آن واحد.

ورغم هذه الروح المتمردة في الفن وعليه أيضاً، إلا أن أفكار دالي السياسية كانت محيّرة، إذ عُرف عنه تأييده للحركة النازية في ألمانيا وإعجابه بزعيمها أدولف هتلر، وكان مناهضاً لكل منتجات الثورات التقدمية الاشتراكية في عصره، وجاهر بدعمه للفاشية والموسلينية، وبسبب هذا طُرد من حركة السورياليين الباريسية.

صورة للرسام سلفادور دالي التقطت في الخمسينيات/ ا ف ب

 

كما كانت الأغنية الرئيسية لهم "بيلا تشاو".

في كتابه "أغانٍ صنعت تاريخاً حول العالم"، أورد جيري سيلفرمان، أن بيلا تشاو أغنية من التراث الشعبي في شمال إيطاليا، راجت أواخر القرن التاسع عشر، تروي المعيشة الصعبة للنساء العاملات في حقول الأرز هناك، وتكرار "بيلا تشاو - وداعاً أيتها الجميلة" كان سببه هذا الذهاب والعودة اللامتناهيين لهن.

وورد في كتاب "الحرب على القصور والكنائس.. مقالات عن الغناء الاجتماعي" لسيزار بيرماني، أن العاملين في حقول الأرز يمثلون أفقر الطبقات الاجتماعية في أوائل القرن التاسع عشر، وكانوا يقضون أيام عملهم عراة الأقدام في الماء حتى ركبهم وظهرهم منحنٍ لعدة ساعات، وفي فترة لاحقة تزايد الوعي بعدم الرضا عن أحوالهم والأجور المتدنيّة التي يتلقونها، ما أدى لظهور حركات تمرد على الموظفين المشرفين في تلك الحقول.

وخلال الحرب العالمية الثانية أصبحت "بيلا تشاو" بنسخة جديدة، أغنية القوات الحزبية المعادية للفاشية وأطلق عليها اسم (البارتيزان) شمال إيطاليا، الذين خاضوا انتفاضات مسلحة على ثلاثة أصعدة: ضد الحزب الفاشي الحاكم، وضد النخب الحاكمة من الطبقة العليا، وضد الاحتلال الألماني، وبعد انتهاء الحرب ساد العنف في شمال البلاد على شكل حرب أهلية، ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من مختلف الأطراف مسلحين ومدنيين، وإلى الآن لم تظهر أرقام نهائية ودقيقة. 

وهذه الأغنية من العراق على ألحان "بيلا تشاو"، بصيغة تتوازى ومطالب المتظاهرين ومعاناتهم التي دفعتهم للثورة، مثل البطالة والفقر والفساد وغياب العدالة في توزيع الثروات، والمستقبل المجهول، وغيرها من الأمور، مع التأكيد على سلمية التظاهرات.

 

 

وكأن الأغنية لا تموت، ورغم ضياع صيغة "بيلا تشاو" الأولى في عشرات النسخ المتواترة منذ نحو 200 عام، أيقونة مسافرة من حقول الأرز إلى ميادين الحرب الأهلية. هل نتفاءل بها انتقالاً سلمياً للسلطة أم حرباً دامية لا يُعرف فيها صاحب الحق من سالبه؟

وتُظهر الصور التالية، محتجين في العراق ولبنان ارتدوا أقنعة وملابس فرقة السطو في مسلسل "لا كاسا دو بابل- بيت النقود".

 

 

لبنان - 19 أكتوبر 2019/ ا ف ب

 

وتكرر الربط بين "مصرف لبنان" والبنك المركزي المستهدف بالسرقة في المسلسل، في تعليقات عدد من المناصرين للثورة، خصوصاً أن المصرف اللبناني في محط تهم الفساد للمتظاهرين، وهو ما تلخصّه هذه التغريدة التي كتبت بعد "تدابير استثنائية" قامت بها جمعية المصارف بالتشاور مع المركزي، تزامناً مع الاحتجاجات المستمرة منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر. 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.