مدربة سياقة سعودية / الصورة لوكالة فرانس برس
مدربة سياقة سعودية / الصورة لوكالة فرانس برس

"كفار قريش رجعوا مرة ثانية؟"، هكذا غرد مواطن سعودي يدعى خالد في هاشتاج #سوق_عكاظ، تعليقاً على عرض للفروسية شاركت فيه فارسات سعوديات ظهرن لأول مرة في مهرجان سوق عكاظ السنوي في نسخته الثالثة عشر، أغسطس الماضي.

وأدت نساءٌ عرضاً للفروسية، نال إعجاب وفرحة الكثيرين، خصوصاً أن الفروسية ظلت لزمن طويل حكراً للرجال، ما عدّه السعوديون وغيرهم مظهراً من مظاهر الانفتاح والعملية الإصلاحية في السعودية، إلا أنه لم يسلم من الانتقادات.

رأى البعض أن ملابس الفارسات "لا تناسب تقاليد وعادات السعودية"، فيما عارض آخرون دخول النساء مجال الفروسية من الأساس، لأنها رياضة "لا تناسبهن" وفق قولهم.

وتحت وسم #سوق_عكاظ في تويتر كتب حسين الغالبي "إدخال فارسات ضمن سوق عكاظ ليست إضافة جديدة وهي دخيلة على مجتمعنا المحافظ...".

وكتب آخر يدعى أبو بكر سحاقي ساخراً "ركبت الشاص ما باقي إلا الخيل"، والشاص هي سيارة رباعية الدفع من طراز "البيك آب" تستخدم في البر والأماكن الوعرة.

ولاحقاً تداول نشطاء في مواقع التواصل مقطع فيديو أظهر تهجم خطيب مصلى "دوار الكرة الأرضية" في مدينة جدة في إحدى خطبه، على النساء العاملات، وتحديداً في محال البيع.

وقال الخطيب "ما أحوجنا إلى المرأة العفيفة التي تضحي بالمال والترف في سبيل العفة والشرف، لا تستجيب لدعوات المبطلين لكي تصبح بائعة تخالط الرجال، لأنها تدرك أن الحرة تموت ولا تأكل بثدييها".

وأثار التسجيل ردود فعل غاضبة، اعتبرت ما جاء فيه دعوات متشددة ضد المرأة التي عانت الكثير للحصول على بعض حقوقها.

والأسبوع الماضي حرم قاضي سعودي سيدة سعودية من حقها بحضانة بنتيها بسبب ظهور الأم لدقيقة واحدة على التلفاز وهي كاشفة الوجه، إذ "فقدت الأهلية" برأيه لهذا السبب.

يأتي هذا رغم القرارات التي أصدرتها السلطات السعودية مطلع آب/ أغسطس الماضي بمنح النساء حقوق جديدة تعزز إنهاء نظام الولاية، من بينها أن تكون المرأة رب أسرة، وبإسقاط الولاية في السفر.

ولاقت تلك المراسم الملكية إشادة وترحيباً واسعاً واحتفلت بها آلاف السعوديات عبر مواقع التواصل، ما زال بإمكان الأقارب الذكور إيجاد سبل لسلب هذه الحريات.

ومنحت المراسم المرأة فوق سن 21 عاماً حرية استخراج جواز والسفر دون إذن من الولي. كما أصبح لدى المرأة حق تسجيل المواليد والزواج والطلاق وإصدار وثائق رسمية خاصة بالأسرة بالإضافة لحق الوصاية على الأطفال القصر.

وقالت هالة الدوسري وهي خبيرة في شؤون حقوق المرأة السعودية ومقيمة في الولايات المتحدة "نحتاج إلى تطبيق هذه القوانين وإنشاء آليات للإبلاغ عندما لا يتم الالتزام بهذه السياسات، فضلا عن منظمات المراقبة".

وأضافت أن أولياء الأمور ما زال بإمكانهم رفع قضايا "النشوز والتغيب عن المنزل" على النساء. وتقر الحكومة بأن عصيان الأبناء جريمة.

وقالت الدوسري "تمثل القضيتان، اللتان يُعاقب عليهما بالسجن والجلد، سيطرة الرجال القانونية الأوسع على استقلالية المرأة وثمة حاجة لتفكيكها" (رويترز).

ومن المهم بشكل خاص معرفة كيفية تعامل المحاكم السعودية مع طعون أولياء الأمور.

وتعرضت السعودية لانتقادات دولية بسبب نظام الولاية الذي يسمح لولي أمر المرأة بالتحكم في العديد من القرارات المهمة طوال حياتها بينها الدراسة والعمل.

ولا يوجد نظام قانوني مدون يتماشى مع نصوص الشريعة الإسلامية، لذلك تستشهد الشرطة والقضاء بالعادات الاجتماعية في فرض القيود على النساء.

وكانت المملكة خففت قبل نحو عام القيود المفروضة على قيادة النساء للسيارات.

لكن ما زالت بعض أوجه نظام الولاية قائمة، بما في ذلك اشتراط إذن الزواج الذي يمثل ضرورة قانونية في العديد من دول الخليج العربية.

ثقافة "العيب"

وتستبعد نساء سعوديات إمكانية تحقيق مثل هذه الحقوق.

وقالت نادية، التي تقيم في العاصمة الرياض لـ"ارفع صوتك": "بكل الأحوال القرار لم يغير الكثير. العادات القبلية أقوى من أي قرارات رسمية. سفر المرأة دون إذن الولي يعني نبذها من العائلة وإقصاؤها من القبيلة والنساء تعلم هذا جيدا ولن تتجرأ الكثيرات على كسر هذه القيود، والعائلات المنفتحة التي ستسمح بذلك قليلة".

أضافت نادية التي طلبت عدم الإفصاح عن اسمها كاملا "حتى الآن لا تستطيع غالبية السعوديات قيادة السيارة رغم أن ذلك من حقها، بسبب العادات والتقاليد وثقافة العيب. أعداد من يقدن السيارات قليل جداً كما نشاهد في الشوارع".

وعقب توليه منصبه في 2017 تلقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إشادت على قراراته التي خفف بها من القيود الاجتماعية ودفع بها اقتصاد البلاد نحو مزيد من الانفتاح.

وشملت تلك القرارات تقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسماح بإقامة حفلات موسيقية عامة ودور سينما وتخفيف قيود مفروضة على الاختلاط بين الجنسين.

لكن صورته تضررت بمقتل جمال خاشقجي العام الماضي والحملة العنيفة على المعارضة التي طالت أيضا رجال دين.

وانتقدت منظمات حقوقية ودولية استمرار تعذيب واحتجاز نشطاء تزعموا المطالبة بهذه الحقوق وغيرها ويواجهون محاكمات غير عادلة.

وينفي مسؤولون سعوديون تلك المزاعم بما في ذلك تعذيب محتجزات.

وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته مطلع نوفمبر الماضي "رغم الإصلاحات لصالح المرأة والشباب، تبين الانتهاكات أن سلطة القانون ضعيفة وقد تتقوض متى شاءت القيادة السياسية".

وقال مايكل بيغ، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة: "لقد أنشأ محمد بن سلمان قطاعاً للترفيه وسمح للمرأة بالسفر والقيادة. لكن السلطات السعودية حبست العديد من المفكرين والنشطاء البارزين الإصلاحيين في المملكة خلال ولايته، والذين دعا بعضهم إلى تطبيق هذه الإصلاحات نفسها".

وأضاف "إذا كانت السعودية تسعى إلى إصلاحات حقيقية، فعليها ألا تعرض أبرز نشطائها إلى المضايقة، والاحتجاز، وسوء المعاملة".

يسيران جنباً إلى جنب

من جهتها، قالت مضاوي الرشيد وهي أستاذة زائرة في مركز الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد إن "القمع والإصلاح يسيران جنباً إلى جنب في السعودية، فالناشطات يشكلن تهديداً كبيراً لحكمه (الأمير)... ويتحدثن لغة الحقوق".

وأضافت لرويترز "يريد ولي العهد أن يستأثر بكل الفضل... يقدم تلك الإصلاحات كهبة للسعوديين لا كحقوق" مشيرة إلى أن السلطات تحتاج أن تضمن أن تلك القواعد التنظيمية الجديدة لن يتم التراجع عنها أو إهمال تطبيقها فيما بعد.

 

 

المأذون الشرعي

ومنتصف العام الماضي أجاز المغرب للمرأة لأول مرة ممارسة "المأذون الشرعي" بعد فتوى نادرة في العالم الإسلامي، ما يتيح لها العمل كموثق يشهد على صحة العقود والمعاملات المدنية الأخرى.

وبقيت هذه الوظيفة على مدى قرون حكراً على الرجال في معظم بلدان العالم الإسلامي، وذلك على خلفية قاعدة فقهية سائدة تعتبر أن شهادة المرأة تعادل نصف شهادة الرجل.

ويعد المأذون الشرعي بمثابة موثق يشهد على صحة عقود الزواج والميراث والمعاملات التجارية والمدنية، ويعمل تحت وصاية القضاة في مختلف المحاكم.

وأثارت الفتوى جدلاً واسعاً إذ رفضته أوساط محافظة بين الدعاة والسلفيين خاصة.

وقال الداعية السلفي حسن الكتاني لوكالة فرانس برس "أنا ضد هذا القرار لأنه يخالف الشريعة، ونحن مسلمون واجب علينا الالتزام بالشريعة، وأعتبره سعياً لعلمنة آخر قانون مستمد من الشريعة، خصوصاً الإرث".

وعلى تويتر علق كثيرون على الأمر وكتبت سيدة تدعى نسرين "كل شيء مخالف للشريعة عم تعملوا بحجة الحرية والمساواة.. ربنا كرم المرأة وجعلها ملكة على عرش بيتها".

وكتب آخر قائلا "لعن الله قوم ولوا أمرهم امرأة... المغرب دائماً خارج نطاق التغطية تماماً مثل الراحل معمر القذافي خالف تعرف"، وقال أنور لهيت "هذا ليس من السنة في شيء". 

في نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي تم افتتاح أول دوري لكرة القدم النسائية في السودان، انطلقت بطولته في العاصمة الخرطوم، ولاقى الحدث ردود فعل مختلفة، وبينما عبرت لاعبات عن سعادتهن لاقى الحدث ردود فعل غاضبة.

وكتب الداعية الإسلامي الدكتور مهران عثمان على فيسبوك قائلا "ممارسة النساء لكرة القدم في حضور الرجال أمر لا يشك في تحريمه لأن ذلك يؤدي إلى انكشاف ما أمر الله تعالى بستره منهن، ومما أمر الله تعالى به غض البصر فكيف يتحقق هذا ممن يشاهدون لعبهن بها, واللعبة تتنافى مع طبيعة المرأة لما فيها من عنف. هل معنى ذلك أن ممارسة المرأة للرياضة حرام؟ لم يقل أحد ذلك. فتمارس الرياضة التي لا تتعارض مع تعاليم دينها أو طبيعتها".

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي كانت التعليقات متباينة حول كرة القدم للنساء.

أحمد الصايغ كتب قائلا "والله كون يعملوا دوري نسائي في السودان حاجة غير موفقة. إذا في ميزانية لافتتاح دوري جديد ألا حق القروش كانوا يصبوها في دوري الرجال لسبب اقتصادي بحت أنه دخله المالي السنوي عالميا أضعاف أضعاف دوري النساء".

أما حازم الجنداري فقال "إحساس رائع يا أخ دوري السيدات تأكيد وتعزيز لدور المرأة في السودان وخطوة تسهم في تطور الرياضة السودانية".

في اليمن أيضا، رغم أن يمنيات سجلن حضورا مهماً في عقود سابقة في مجال الغناء والطرب إلا أنهن في العقد الأخير يواجهن تحديات جماً، ونادراً ما تجد بين اليمنيين من يحفظ أسماء مطربات بلاده، لا سيما اللواتي برزن في العقد الأخير.

وفيما تواجه المرأة اليمنية عوائق متعددة ولا تزال النظرة الغالبة تعتبرها "ضلعاً أعوجاً"، يواجه الغناء عوائق إضافية، إذ يصنف أحياناً بين المهن والأعمال الهابطة، فضلاً عن النظرة الدينية المتشددة التي يذهب بعضها إلى اعتبار "صوت المرأة عورة".

وما زال حضور الأصوات النسائية محدوداً في الغناء والطرب، خصوصاً أن النظرة الاجتماعية لذلك سلبية للغاية،  وزادها التشدد الديني وصعود الحركات الإسلامية، وهيمنة خطابها، ما انعكس بصورة سلبية فتراجع بروز أصوات نسائية جديدة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".