العراق- وكالة فرانس برس
العراق- وكالة فرانس برس

مليار شخص حول العالم هم من ذوي الإعاقة، بينهم أكثر من 100 مليون طفل، يعيش 80% منهم في البلدان النامية، حسب الأمم المتحدة.

في الدول العربية نحو 40 مليون شخص مصاب بشكل ما من أشكال الإعاقة، أكثر من نصفهم أطفال ومراهقون، وتصل نسبة الإصابة في بعض البلدان إلى معدلات قياسية أعلى من المعدلات العالمية بكثير، وفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية.

ومع استمرار النزاعات والحروب في المنطقة العربية، ترتفع أعداد ذوي الإعاقة وتتضاعف مشاكلهم يوما بعد يوم.

وتقول الأمم المتحدة إن ذوي الإعاقة العقلية محرومون من حقوقهم في التعليم والتوظيف والرعاية الصحية والدعم الاجتماعي، كما يتعرضون أكثر من غيرهم للإهمال وأعمال العنف.

ويعزى السبب في ذلك إلى الجهل بالإعاقة والتمييز ضدهم في مجتمعاتهم أو ما تعتبره أسرهم "عبئاً ثقيلاً ووصمة عار"، فضلا عن الافتقار إلى الدعم الاجتماعي لمن يقومون على رعاية هؤلاء الأشخاص.

وعموماً ينظر الكثيرون المجتمعات لذوي الإعاقة بشفقة، ويعتبرونهم "فئة مهمشة غير مرغوب فيها" بسبب الثقافة الاجتماعية أو القوانين.

وتحيي الأمم المتحدة اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة سنويا في 3 ديسمبر، بهدف تعزيز حقوق هؤلاء الأشخاص في مختلف المجالات الاجتماعية والتنموية، وإذكاء الوعي بواقعهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

لكن واقع هؤلاء الأشخاص في العالم العربي بحاجة إلى المزيد من التركيز، من أجل إدماجهم في المجتمع، في ظل تقاعس العديد من الحكومات عن القيام بدورها في هذا الشأن.

وما زالت هذه الفئة، تعاني التهميش والإقصاء، على الرغم من مناشدة المنظمات الدولية، على ضرورة إدماجهم في المجتمع، لأنه حق أساسي من حقوق الإنسان.

دعم قليل

في اليمن مثلاً حيث عدد المعوقين 4 ملايين ونصف المليون، يحصلون على دعم قليل وغير كاف وهناك نقص شديد في الأدوات المساعدة، وفق تقرير لمنظمة أمنستي صدر الأسبوع الماضي.

ويعتقد بعض الخبراء أن العدد أكثر من ذلك، بالنظر إلى تأثير النزاع الجاري.

وبسبب الحرب المستمرة في اليمن منذ نحو 5 سنوات، اضطر بعض الأهالي لبيع متعلقاتهم أو للتأخر في سداد الإيجار أو غيره من المتطلبات المالية الأساسية، وذلك لإعطاء الأولوية لسداد التكاليف المتعلقة برعاية أحد الأقارب من ذوي الإعاقة.

وطالبت منظمة العفو الدولية، الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية أن "تبذل مزيداً من الجهد للتغلب على المحددات التي تحول دون حصول الأشخاص ذوي الإعاقة حتى على أبسط احتياجاتهم الأساسية".

"لا يكفي لتسديد فاتورة الكهرباء"

هناك ما يقارب 3 ملايين سوري يعانون إعاقات جسدية دائمة بنهاية سنة 2016. أما الآن وقد شارفت الحرب على دخول سنتها التاسعة، فيتوقع أن يتضاعف العدد.

وفي العراق تعاني هذه الشريحة إهمالاً متعمداً من السلطات.

وتفتقر العراق لبيانات رسمية دقيقة حول أعداد ذوي الإعاقة، إلا أن التقديرات تشير إلى تجاوزها 4 ملايين معوق، بينهم أكثر من 25% ضحايا الصراعات والحروب التي شهدها البلد منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وأبرز أسباب معاناتهم في العراق اقتصادية، حيث يحصل ذوو الإعاقة على مرتبات شهرية قدرها 90 ألف دينار (75 دولاراً) للشخص الواحد، وهو مبلغ لا يكفي لتسديد فاتورة الكهرباء لوحدها، إضافة إلى محدودية التعاملات بالبطاقات النقدية وغياب الصرافات الآلية الناطقة،  ما يعرضهم للسرقة عند دفع أي مبلغ.

قوانين لا تطبق

وتخطى عدد المعوقين في المغرب حاجز الـ 2.2 مليون مواطن.

تقول التنسيقية الوطنية للمكفوفين المعطلين من حاملي الشهادات في المغرب إن الحكومة "لا تحترم الاتفاقيات الدولية، وحقوق الإنسان، والمعوقين، بل ودستور البلاد وقوانينها، وفشلت في إيجاد حل لملف المكفوفين المعطلين حاملي الشهادات".

وأكدت بسيمة الحقاوي، وزيرة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية عدم قدرة الحكومة على الالتزام بقوة القانون، الذي لا يطبق، وفقا لموقع "اليوم 24".

وفي تونس قال نور الدين الطبوبي، وهو الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل إن ذوي الإعاقة ما زالوا "محرومين من حقهم في الشغل".

وأكد أن نسبة البطالة في صفوفهم بلغت ​40% حسب الإحصائيات الرسمية و60% حسب المنظمات الممثلة لهم.

وما تخصصه الحكومة المصرية من حصة لذوي الإعاقة (الكوتا) في سوق العمل المصري 5%، لا وجود له على أرض الواقع، ولا تتعدى النسبة 0.5%، بحسب هبة هجرس، وهي برلمانية وناشطة مصرية في حقوق ذوي الإعاقة.

وأكدت هجرس أن تنفيذ مواد قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لم ير النور حتى الآن.

وتتصدر مصر قائمة الدول العربية الأكثر عددا في معدلات ذوي الإعاقة، إذ يقدر عددهم بنحو 12 مليون مصري حسب تقديرات أممية.

وفي لبنان تشكل هذه الفئة نسبة 15% من سكان البلاد، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية.

ورغم مضي أكثر من 13 عاماً على صدور القانون 2000/220 المتعلق بالمعوقين، إلا أن معظم بنوده لم تطبق بعد وهو ما يهدد حياتهم.

كما تصل نسبة ذوي الإعاقة في السعودية إلى 10% من إجمالي السكان (أكثر من 27 مليون نسمة).

بنية تحتية غير مهيأة

بشكل عام، يتعذر على 60% من ذوي الإعاقة في العالم العربي تحمّل تكاليف حياتهم الشهرية.

وتفتقر غالبية المدن العربية للبنية التحتية المهيأة والمواصلات، لتيسير ممارسة المعوقين حياتهم اليومية.

ويفتقر العالم العربي لقاعدة بيانات حول العنف والإساءة ضد أفراد هذه الشريحة، وما يتم الإبلاغ عنه أقل بكثير مما هو على أرض الواقع، وتختلف معاناتهم  من بلد عربي إلى آخر تبعاً للوضع الاقتصادي.

ففي الإمارات مثلاً يحظون بتسهيلات واضحة في وسائل المواصلات والأماكن العامة والشوارع.

واحتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً في مستوى إدماج هذه الشريحة في المجتمع.

قصة نجاح

ورغم التهميش والإقصاء استطاع الكثير من المعوقين التحدي والصمود في وجه الظروف القاهرة.

الدكتور أحمد عتيق (48 عاماً)، لم تمنعه الإعاقة من أن يكون عضواً فاعلاً ومتميزاً في مجتمعه، تلقى تعليمه في سبعينيات القرن الماضي في معهد المكفوفين بصنعاء، وهو لم يتجاوز 7 سنوات، وواصل مشواره التعليمي حتى حصل على درجة الدكتوراة عام 2007، وأصبح بعدها أستاذاً مساعداً في قسم علم الاجتماع بجامعة صنعاء.

عتيق، وهو كفيف يمني، اعتبر في حديث لـ"ارفع صوتك" إعاقته "شرفاً ووساماً ممنوحاً من الله" كما أعطاه حافزاً للعيش والاهتمام بالتعليم منذ سن مبكرة.

وصفه عدد ممن عرفوه وطلابه بـ "الكفيف الطموح والنموذج المؤثر"، الذي لم يستسلم للإعاقة والظروف الصعبة التي واجهته.

يقول عتيق "بفضل الله وأسرتي تحملت الإعاقة منذ الصغر وتحديتها وتجاوزت كل الصعوبات وحققت هدفي المنشود، فإعاقتي لم تمنعي من شيء وحفزتني على التحدي وإثبات ذاتي".

عتيق حالياً عضو في نقابة أعضاء هيئة التدريس بجامعة صنعاء، وعضو اتحاد الفنانين اليمنيين، وله العديد من الأبحاث في موضوعات الهجرة والأسرة والمرأة والإعاقة والتسول والتغيُر الاجتماعي والتنمية بمختلف أشكالها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".