تعرضت فاطمة (30 عاماً)، للاغتصاب مع أخريات مراراً وفي ثلاث مناسبات مختلفة، واعترفت بأنه "مع كل اعتداء، زاد عدد الجناة، وعاملونا بقسوة".
تنحدر فاطمة (اسم مستعار)، إلى ولاية الوحدة الشمالية جنوب السودان المضطرب، وأسهم الإفلات من العقاب هناك، بزيادة حالات الاغتصاب الجماعي الذي طال أيضا فتيات لم يتجاوزن من العمر ثماني سنوات.
"تعرضنا للضرب بوحشية على يد الجناة بأعقاب البنادق والعصي والأسلحة النارية الخفيفة وأسلاك الكابلات، حين حاولنا مقاومتهم عند الهجوم أو بعد الاغتصاب"، تقول فاطمة، وهي تروي حكاية النساء الناجيات من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، في تقرير نشرته المفوضية السامية لحقوق الإنسان، منتصف فبراير الماضي.
أضافت "نحن النساء لا نملك خياراً. لا مفر لنا، كلنا عرضة للاغتصاب في أي مكان في هذه المنطقة".
ووثقت المنظمة الأممية في الولاية ذاتها، اغتصاب 134 امرأة وفتاة ومعاناة 41 أخريات أشكالاً مختلفة من العنف، على يد جماعات وقوات مسلحة، بين سبتمبر وديسمبر 2018.
أنواع العنف
"هل تعرفين ما يحدث هنا؟"، تحت هذا العنوان نشر المركز السوري للعدالة والمساءلة (منظمة مدنية سورية) تقريرا في أبريل الماضي، وثق شهادات عشرات الناجين والناجيات من العنف الجنسي خلال سنوات الصراع الأخيرة في سوريا.
وتم اقتباس العنوان من شهادة إحدى الناجيات.
"خلال استجوابها في أحد مراكز الاعتقال الحكومية، سألها أحد الحراس: "هل تعرفين ما يحدث هنا؟"، قبل أن يقودها إلى غرفة حيث كانت معتقلة أخرى تتعرض لاعتداء جنسي من أحد الحراس"، وفق التقرير.
واعترف أحد الناجين السوريين بتعرض أعضائه التناسلية للسحب مرارا بالكماشة؛ وتعرضت ناجية أخرى للصعق بالكهرباء في ثدييها ومهبلها، وهناك حالات اقتحام لمنازل واغتصاب الإناث فرديا وجماعيا أمام آبائهن وأسرهن.
أداة حرب
ووفقا للأمم المتحدة ما يزال "العنف الجنسي، سمة مروعة للصراعات في أنحاء العالم.. ويهدد السلام وأمن الإنسانية".
تقارير دولية أكدت ارتفاع نسب حالات العنف الجنسي في المناطق المضطربة، يقابلها مطالب حقوقية بتفعيل دور المجتمع الدولي لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب ومقاضاتهم في محاكم وطنية ودولية.
ويشمل مصطلح "العنف الجنسي المتصل بالنزاعات"، الاغتصاب، والاسترقاق الجنسي، والإكراه على البغاء والإجبار على الحمل، والتعقيم القسري، وكل ما يشكل خطورة على النساء والرجال، والبنات أو الأولاد.
ومن بين 19 دولة حول العالم، اتهم تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، 6 دول عربية باستخدام "العنف الجنسي" كأداة حرب في الصراعات المسلحة، هي اليمن وسوريا وليبيا والعراق والسودان والصومال.
ووثقت الأمم المتحدة –وفق التقرير الذي يغطي عام 2018- الآف القصص المرتبطة بالصراعات في هذه البلدان.
في العراق، سجل اختفاء 4271 امرأه من الأيزيديين العراقيين، لكنه لم يذكر عدد النساء المفقودات من الجماعات العرقية الأخرى اللواتي استهدفهن تنظيم داعش.
وفي سوريا تتهم قوات النظام وفصائله المسلحة، ومقاتلي المعارضة، وجماعات إرهابية، بممارسة الاغتصاب والعنف الجنسي بشكل "واسع ومنهجي".
الأطر القانونية قليلة
ولا تزال الأطر القانونية والآليات الوطنية في أغلب الدول العربية لمحاسبة الجناة على العنف الجنسي أثناء النزاعات قليلة. حتى عندما يتم تطبيق أطر قانونية وطنية، فهي في الأغلب قاصرة التعريف للعنف الجنسي، وتعريفه فيها لا يرقى لمستوى تغطية بعض أشكال العنف الجنسي أثناء النزاعات، مثل الزواج القسري أو الاسترقاق الجنسي.
بموجب القانون الدولي، فإن أفعال العنف الجنسي تعتبر جرائم ضد الإنسانية إذا كانت جزءا من هجوم موسع وممنهج ضد السكان المدنيين، وقد تمثل جرائم حرب إذا ارتكبت على صلة بالنزاع المسلح، وفقا لدراسة بعنوان "عدالة النوع الاجتماعي والقانون" صادرة عن الأمم المتحدة نهاية العام الماضي.
وأوصت لجنة "سيدوا" سوريا عام 2014 بتعريف الاغتصاب كجريمة حرب، في قوانينها المحلية، وهو الإجراء الذي لم تتخذه سوريا بعد.
وفي عام 2016 بعد عدم تنفيذ الدولة للتوصية، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة آلية التحقيق الدولية المستقلة والمحايدة المعنية بسوريا، ولها ولاية جمع وحفظ وتحليل الأدلة التي قد تستخدم في المستقبل في المقاضاة على الجرائم المرتكبة في سياق النزاع السوري.
وفي عام 2017 أصدر مجلس الأمن القرار 2379 دعما لجهود العراق الخاصة بمحاسبة تنظيم داعش على ما ارتكب من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية. ولم يتم تشكيل آلية مستقلة قائمة بذاتها، إنما استعان النظام القضائي العراقي بالمحاكم المحلية وطبق قانون مكافحة الإرهاب العراقي (رقم 13 لسنة 2005) لملاحقة الجناة المدعى عليهم من داعش، رغم اعتراضات من المجتمع الدولي.
وحسب الأمم المتحدة، بقي العديد من النساء والأطفال العراقيين ممن كانوا على صلة بداعش فيما سبق في مخيمات، دون القدرة على الاستفادة من آليات العدالة أو إجراءات التقاضي السليمة.
وفوق ذلك تواصلت مجتمعات محلية عدة مع المحكمة الجنائية الدولية لمساعدة منظمات حقوقية ومنظمات معنية بحقوق المرأة، التماساً للعدالة لصالح المستهدفات بالعنف الجنسي والجسماني وبأشكال الضرر الأخرى، لا سيما ضد النساء الأيزيديات.
وعام 2009 عدل السودان قانون العقوبات الخاص به لعام 1991 بحيث ينص على جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب ومنها جرائم العنف الجنسي. غير أنه لم يتم إحراز الكثير بعد في استخدام إطار العمل المذكور في سياق أحداث غرب دار فور، كما تعطلت بعض الآليات.
وتقول الأمم المتحدة إن المجلس الانتقالي الليبي قام بوسم العنف الجنسي كجريمة ضد الإنسانية. وأقر قانون رعاية ضحايا التعذيب والعنف (2011) بالاغتصاب والعنف الجنسي ضد النساء كسلاح استخدم في الانتفاضة، وهدف القانون إلى تقديم التعويضات، لكن يبقى القانون في صورة مسودة لم يبدأ نفاذها بعد.
ويهدف القرار الليبي رقم 119 لسنة 2014 بشأن معالجة أوضاع ضحايا العنف الجنسي إلى الاعتراف بضحايا هذا النوع من العنف أثناء الانتفاضة الليبية كضحايا للحرب مع منحهم الحق في الجبر والتعويض، وإن كان ما زال من غير الواضح مدى استفادة أي أفراد من هذا القرار.
قرار أممي
ونهاية مارس الماضي، اعتمد مجلس الأمن الدولي بعد مفاوضات شاقة، القرار 2467 بتأييد 13 عضوا وامتناع روسيا والصين عن التصويت بحجة عدم التشاور معهما.
وركز هذا القرار الذي يعاقب مرتكبي هذه الجرائم على حماية الناجيات من العنف الجنسي خلال الصراعات, وتلبية احتياجاتهن صحيا ونفسيا وماليا.
لكن هناك من قلل من أهميته بعد إفراغه من أهم محتوياته لا سيما تشكيل آلية مستقلة للمحاسبة ومراقبة التزامات الدول والكيانات الأخرى وبند آخر كان يسمح للنساء الناجيات بالإجهاض وفق رغبتهن، بعدما اصطدم ذلك بالأعضاء الدائمين.
وتجد هؤلاء النسوة الناجيات، أنفسهن أمام أضرار وتمييز وتهميش واسع، ودون تعويضات، وحرمان أطفالهن الذين كانوا نتيجة عمليات الاغتصاب، من الجنسية وكافة الحقوق الأساسية.
وحث القرار 2467 في فقرته الثامنة عشر، الدول بأن تعترف في تشريعاتها بالمساواة في الحقوق الواجبة لهؤلاء الضحايا.
