ضحية عنف جنسي في السودان عام 2015/ وكالة فرانس برس
ضحية عنف جنسي في السودان عام 2015/ وكالة فرانس برس

تعرضت فاطمة (30 عاماً)، للاغتصاب مع أخريات مراراً وفي ثلاث مناسبات مختلفة، واعترفت بأنه "مع كل اعتداء، زاد عدد الجناة، وعاملونا بقسوة".

تنحدر فاطمة (اسم مستعار)، إلى ولاية الوحدة الشمالية جنوب السودان المضطرب، وأسهم الإفلات من العقاب هناك، بزيادة حالات الاغتصاب الجماعي الذي طال أيضا فتيات لم يتجاوزن من العمر ثماني سنوات.

"تعرضنا للضرب بوحشية على يد الجناة بأعقاب البنادق والعصي والأسلحة النارية الخفيفة وأسلاك الكابلات، حين حاولنا مقاومتهم عند الهجوم أو بعد الاغتصاب"، تقول فاطمة، وهي تروي حكاية النساء الناجيات من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، في تقرير نشرته المفوضية السامية لحقوق الإنسان، منتصف فبراير الماضي.

أضافت "نحن النساء لا نملك خياراً. لا مفر لنا، كلنا عرضة للاغتصاب في أي مكان في هذه المنطقة".

ووثقت المنظمة الأممية في الولاية ذاتها، اغتصاب 134 امرأة وفتاة ومعاناة 41 أخريات أشكالاً مختلفة من العنف، على يد جماعات وقوات مسلحة، بين سبتمبر وديسمبر 2018.

أنواع العنف

"هل تعرفين ما يحدث هنا؟"، تحت هذا العنوان نشر المركز السوري للعدالة والمساءلة (منظمة مدنية سورية) تقريرا في أبريل الماضي، وثق شهادات عشرات الناجين والناجيات من العنف الجنسي خلال سنوات الصراع الأخيرة في سوريا.

وتم اقتباس العنوان من شهادة إحدى الناجيات.

"خلال استجوابها في أحد مراكز الاعتقال الحكومية، سألها أحد الحراس: "هل تعرفين ما يحدث هنا؟"، قبل أن يقودها إلى غرفة حيث كانت معتقلة أخرى تتعرض لاعتداء جنسي من أحد الحراس"، وفق التقرير.

واعترف أحد الناجين السوريين بتعرض أعضائه التناسلية للسحب مرارا بالكماشة؛ وتعرضت ناجية أخرى للصعق بالكهرباء في ثدييها ومهبلها، وهناك حالات اقتحام لمنازل واغتصاب الإناث فرديا وجماعيا أمام آبائهن وأسرهن.

أداة حرب

ووفقا للأمم المتحدة ما يزال "العنف الجنسي، سمة مروعة للصراعات في أنحاء العالم.. ويهدد السلام وأمن الإنسانية".

تقارير دولية أكدت ارتفاع نسب حالات العنف الجنسي في المناطق المضطربة، يقابلها مطالب حقوقية بتفعيل دور المجتمع الدولي لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب ومقاضاتهم في محاكم وطنية ودولية.

ويشمل مصطلح "العنف الجنسي المتصل بالنزاعات"، الاغتصاب، والاسترقاق الجنسي، والإكراه على البغاء والإجبار على الحمل، والتعقيم القسري، وكل ما يشكل خطورة على النساء والرجال، والبنات أو الأولاد.

ومن بين 19 دولة حول العالم، اتهم تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، 6 دول عربية باستخدام "العنف الجنسي" كأداة حرب في الصراعات المسلحة، هي اليمن وسوريا وليبيا والعراق والسودان والصومال.

ووثقت الأمم المتحدة –وفق التقرير الذي يغطي عام 2018- الآف القصص المرتبطة بالصراعات في هذه البلدان.

في العراق، سجل اختفاء 4271 امرأه من الأيزيديين العراقيين، لكنه لم يذكر عدد النساء المفقودات من الجماعات العرقية الأخرى اللواتي استهدفهن تنظيم داعش.

وفي سوريا تتهم قوات النظام وفصائله المسلحة، ومقاتلي المعارضة، وجماعات إرهابية، بممارسة الاغتصاب والعنف الجنسي بشكل "واسع ومنهجي".

الأطر القانونية قليلة

ولا تزال الأطر القانونية والآليات الوطنية في أغلب الدول العربية لمحاسبة الجناة على العنف الجنسي أثناء النزاعات قليلة. حتى عندما يتم تطبيق أطر قانونية وطنية، فهي في الأغلب قاصرة التعريف للعنف الجنسي، وتعريفه فيها لا يرقى لمستوى تغطية بعض أشكال العنف الجنسي أثناء النزاعات، مثل الزواج القسري أو الاسترقاق الجنسي.

بموجب القانون الدولي، فإن أفعال العنف الجنسي تعتبر جرائم ضد الإنسانية إذا كانت جزءا من هجوم موسع وممنهج ضد السكان المدنيين، وقد تمثل جرائم حرب إذا ارتكبت على صلة بالنزاع المسلح، وفقا لدراسة بعنوان "عدالة النوع الاجتماعي والقانون" صادرة عن الأمم المتحدة نهاية العام الماضي.

وأوصت لجنة "سيدوا" سوريا عام 2014 بتعريف الاغتصاب كجريمة حرب، في قوانينها المحلية، وهو الإجراء الذي لم تتخذه سوريا بعد.

وفي عام 2016 بعد عدم تنفيذ الدولة للتوصية، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة آلية التحقيق الدولية المستقلة والمحايدة المعنية بسوريا، ولها ولاية جمع وحفظ وتحليل الأدلة التي قد تستخدم في المستقبل في المقاضاة على الجرائم المرتكبة في سياق النزاع السوري.

وفي عام 2017 أصدر مجلس الأمن القرار 2379 دعما لجهود العراق الخاصة بمحاسبة تنظيم داعش على ما ارتكب من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية. ولم يتم تشكيل آلية مستقلة قائمة بذاتها، إنما استعان النظام القضائي العراقي بالمحاكم المحلية وطبق قانون مكافحة الإرهاب العراقي (رقم 13 لسنة 2005) لملاحقة الجناة المدعى عليهم من داعش، رغم اعتراضات من المجتمع الدولي.

وحسب الأمم المتحدة، بقي العديد من النساء والأطفال العراقيين ممن كانوا على صلة بداعش فيما سبق في مخيمات، دون القدرة على الاستفادة من آليات العدالة أو إجراءات التقاضي السليمة.

وفوق ذلك تواصلت مجتمعات محلية عدة مع المحكمة الجنائية الدولية لمساعدة منظمات حقوقية ومنظمات معنية بحقوق المرأة، التماساً للعدالة لصالح المستهدفات بالعنف الجنسي والجسماني وبأشكال الضرر الأخرى، لا سيما ضد النساء الأيزيديات.

وعام 2009 عدل السودان قانون العقوبات الخاص به لعام 1991 بحيث ينص على جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب ومنها جرائم العنف الجنسي. غير أنه لم يتم إحراز الكثير بعد في استخدام إطار العمل المذكور في سياق أحداث غرب دار فور، كما تعطلت بعض الآليات.

وتقول الأمم المتحدة إن المجلس الانتقالي الليبي قام بوسم العنف الجنسي كجريمة ضد الإنسانية. وأقر قانون رعاية ضحايا التعذيب والعنف (2011) بالاغتصاب والعنف الجنسي ضد النساء كسلاح استخدم في الانتفاضة، وهدف القانون إلى تقديم التعويضات، لكن يبقى القانون في صورة مسودة لم يبدأ نفاذها بعد.

ويهدف القرار الليبي رقم 119 لسنة 2014 بشأن معالجة أوضاع ضحايا العنف الجنسي إلى الاعتراف بضحايا هذا النوع من العنف أثناء الانتفاضة الليبية كضحايا للحرب مع منحهم الحق في الجبر والتعويض، وإن كان ما زال من غير الواضح مدى استفادة أي أفراد من هذا القرار.

قرار أممي

ونهاية مارس الماضي، اعتمد مجلس الأمن الدولي بعد مفاوضات شاقة، القرار 2467 بتأييد 13 عضوا وامتناع روسيا والصين عن التصويت بحجة عدم التشاور معهما.

وركز هذا القرار الذي يعاقب مرتكبي هذه الجرائم على حماية الناجيات من العنف الجنسي خلال الصراعات, وتلبية احتياجاتهن صحيا ونفسيا وماليا.

لكن هناك من قلل من أهميته بعد إفراغه من أهم محتوياته لا سيما تشكيل آلية مستقلة للمحاسبة ومراقبة التزامات الدول والكيانات الأخرى وبند آخر كان يسمح للنساء الناجيات بالإجهاض وفق رغبتهن، بعدما اصطدم ذلك بالأعضاء الدائمين.

وتجد هؤلاء النسوة الناجيات، أنفسهن أمام أضرار وتمييز وتهميش واسع، ودون تعويضات، وحرمان أطفالهن الذين كانوا نتيجة عمليات الاغتصاب، من الجنسية وكافة الحقوق الأساسية.

وحث القرار 2467 في فقرته الثامنة عشر، الدول بأن تعترف في تشريعاتها بالمساواة في الحقوق الواجبة لهؤلاء الضحايا.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.