آسيا عبد الوهاب
آسيا عبد الوهاب

مع بداية العام الجديد 2020، تدخل الصّين السنة الرابعة في اضطهاد مسلمي الأويغور، باحتجاز أكثر من مليون شخص بشكل قسري في مراكز اعتقال.

ورغم تذبذب الأخبار والتقارير حول ما يحدث بالتأكيد في مراكز الاعتقال الجماعية تلك، إلا أن عام 2019 شهد تنامياً واضحاً في التضامن العالمي مع قضية الأويغور، علماً بأن أغلب هذا الدعم كان شعبياً وسط تقصير الحكومات في عدة دول بما فيها العربية والإسلامية.

وفي وقت سابق من العام الماضي، قدّر مساعد وزير الدفاع الأميركي المسؤول عن سياسة وزارة الدفاع في آسيا راندال شريفر، خلال إفادة للبنتاغون، عدد معتقلي الأويغور في الصين بأنه "يقترب من ثلاثة ملايين".

وفي آذار/ مارس 2019 أكد تقرير لوزارة الخارجية الأميركية عن الحريات في العالم، أن الحكومة الصينية كثّفت عام 2018 حملتها ضد الأيغور، بهدف "محو هويات الأويغور الدينية والعرقية".

وأسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في زيادة التوعية بقضية اضطهاد المسلمين في إقليم شينغيانغ، وعددهم 11 مليوناً بواقع الأكثرية بين الأقليات الأخرى داخل هذه المنطقة.

وكشفت تقارير عديدة لمنظمات حقوقية وأخرى إعلامية من داخل الصين وخارجها، عن الممارسات الفظيعة المتبعة بحق المحتجزين، مثل الاغتصاب والإدمان القسري على المخدرات وحقن النساء بمواد تسبب العقم، بالإضافة إلى فصل الأبناء عن آبائهم والإجهاض القسري. 

وتخوض الصين حرباً إعلامية ضد مؤسسات ودول وأشخاص بعينهم (إذا كانوا من الشخصيات العامة) لإثبات أنها لا تعتقل ولا تضطهد، وأن مراكز الاعتقال ما هي إلا "مراكز تدريب مهني للنأي بالمتدربين عن التطرف الديني ومواجهة الانفصالية".

الإيغور: قومية من آسيا الوسطى ناطقة باللغة التركية وتعتنق الإسلام يعيش أغلبها في إقليم شينجيانغ وكان اسمه سابقاً تركستان الشرقية قبل ضمّ الصين له عام 1949

لكن في وقت متأخر من العام الماضي، تم تسريب وثائق من داخل مراكز الاعتقال تلك، نشرتها أكثر 17 وسيلة إعلامية دولية، أظهرت أن السلطات الصينية تفرض على المعتقلين تعليماً إلزامياً من أجل إعادة صياغة أيدولوجيتهم وفرض سلوكيات قسرية عليهم.

وأكدت أساليب القمع في هذه المراكز، مثل تحديد مواعيد الاستحمام أو دخول المراحيض والمراقبة الحثيثة للمعتقلين الذين يقبعون في زنازين بأبواب مزدوجة.

 

وتشير الوثائق التي نشرتها عدة وسائل إعلام بالتنسيق مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، أن الصين تستخدم أنظمة متقدمة تعتمد بعضها برمجيات الذكاء الاصطناعي من أجل تتبع المعتقلين ومراقبتهم، مستخدمة بيانات تجمعها عن طريق المراقبة.

"مراكز التأهيل" في شينجيانغ

 

وكان التسريب بعد أسبوع من نشر صحيفة "نيويورك تايمز" معلومات تستند إلى أكثر من 400 صفحة من الوثائق الداخلية الصينية تفيد بأن الرئيس شي جينبينغ أمر المسؤولين بالتحرك "بلا أي رحمة" ضد النزعات الانفصالية والتطرف، وذلك في خطاب ألقاه عام 2014 بعدما قتل مسلحون من الأويغور 31 شخصاً في محطة قطارات جنوب غرب الصين.

6 أشخاص غيّروا المعادلة الصّينية

ظنت الصين أنها وخلال السنوات الفائتة، ستتمكن من المضيّ "بسلام" في اضطهاد المسلمين المحتجزين لديها، خصوصاً مع الدعم الدبلوماسي الذي تلقته من عديد الدول العربية والإسلامية التي اتفقت والبروباغندا الصينية في أنها تحارب التطرف والإرهاب.

لكن مواقع التواصل الاجتماعي وعشرات المبادرات الفردية من شخصيات عامة أو عادية كان لها الأثر الكبير في تسليط الضوء على عمليات الاضطهاد خلال العام الفائت.

1- وعلى رأس قائمة الخمسة الأكثر تأثيراً، الأويغورية آسيا عبد الوهاب (46 عاماً)، التي كشفت في ديسمبر الماضي أنها وراء تسريب الوثائق، لكنها تعرضت لاحقاً لعتدة تهديدات بالقتل.

وقالت لصحيفة فولكسرانت الهولندية إنها "تتلقى تهديدات بالقتل بسبب تسريبها الوثائق الصينية السرية، ومن بين التهديدات المرسلة أنها ستنتهي مقطعة الأطراف ومرمية في سلة القمامة أمام بيتها".

وهذه التهديدات هي ما دفعها للإفصاح عن شخصيتها وأنها سبب نشر الوثائق، تلك التي شكلت مادة لعشرات القصص حول ما يجري في مراكز الاعتقال، عبر صحف ومواقع في جميع أنحاء العالم.

وأوضحت أنها تلقت وثائق الحكومة الصينية السرية صيف 2019، من مصادر لم تفصح عن هويتها، وخزنتها على حاسوبها المحمول، ثم عملت على مشاركتها مع العالم الخارجي.

آسيا عبد الوهاب

 

وتحدثت آسية وزوجها السابق للصحفيين الهولنديين في محاولة للحصول على حماية من هذه التهديدات، من خلال الإعلام.

وقالت إنها شاركت الوثائق مع الخبير الشهير في قضايا الأويغوار أدريان زينز، وهو أكاديمي ألماني يعيش الآن في الولايات المتحدة.

وقال زينز، في وقت سابق إن ما تمارسه الصين يرقى إلى مستوى "الإبادة الجماعية الثقافية للأويغور".

وأضاف أن الوثائق تعكس تماما ما هي هذه المعتقلات "لغسل الأدمغة، وتطهير القلوب، ودعم ما هو صحيح، وإزالة ما هو خاطئ"، وكل ذلك بحسب ما تراه السلطات الصينية.

2- لاعب منتخب أرسنال مسعود أوزيل​ (31 عاماً)، الذي غرّد لصالح الأويغور في 13 ديسمبر، مندداً بـ"صمت العالم الإسلامي عن جرائم الصين" ومستنكراً "الانتهاكات التي ترتكبها الصين بحق أقلية الأويغور المسلمة".

 

وكانت تغريدته بمثابة بيان، عنوانه بـ"الجرح النازف.. تركستان الشرقية" داعياً فيه لمحاسبة السلطات الصينية على "المجازر" التي جرت في تلك المنطقة و"التطهير" الذي يتعرض له المسلمون هناك".

ونوه أوزيل إلى "اهتمام وسائل إعلام غربية بمسألة اضطهاد الأويغور، بينما لم يهتم العالم الإسلامي بالمسألة" على حد قوله.

وكتب "هناك (في إقليم شينغيانغ) تغلق المساجد وتحرق المصاحف ويقتل علماء الدين، بينما يقتاد الجيش الذكور منهم إلى معسكرات التدريب بطريقة وحشية".

وتعليقاً على تغريدة أوزيل التي لاقت انتشاراً واسعاً، تبرأ النادي منها وأنها لا تعبر عن موقفه بل تمثل موقف اللاعب الشخصي من القضية.

ولنادي أرسنال سلسلة من المطاعم في بكين، إضافة إلى عدة متاجر خاصة بلباس الفريق التي تعد مصدراً مادياً مهماً بالنسبة لبطل إنكلترا 13 مرة.

بطل رياضي آخر اتخذ موقفاً مشابهاً بعد أوزيل، هو لاعب الروغبي الشهير على صعيد العالم سوني بيل ويليامز، الذي قال عبر حسابه الرسمي في تويتر "إنه وقت محزن عندما نختار الفوائد الاقتصادية على البشر".

 

3- حيلة إطالة الرموش للمراهقة الأميركية فيروزة عزيزة (17 عاماً)، حيث قامت بنشر فيديو في حسابها بتطبيق "تيك توك" الصيني، تبدأه بطريقة توضح فيها كيفية إطالة الرموش بسهولة، وأثناء ذلك توجه المتابعين للتضامن مع مسلمي الأويغور في الصين الذين يتعرضون للاضطهاد والقمع.

ووصفت ما يجري بـ"المحرقة الجديدة" كنابة عمّا تعرض له اليهود في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

وحقق الفيديو انتشارا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن حسابها في "تيك توك" تم إيقافه وأقرت إدارة الموقع لاحقاً بذلك، لتتعرض للاتهام بأنها تراقب الفيديوهات ذات المحتوى السياسي المناهض للصين.

 

4- صانع المحتوى والرحّالة الأردني جهاد حطاب (اسم الشهرة جو حطاب)، الذي نشر فيديو "وين اختفوا مسلمين الصين؟" حول زيارته لإقليم شينغيانغ عام 2019 ومحاولته التحقيق فيما يُنشر عن قمع المسلمين هناك، وحقق الفيديو نحو 10 ملايين مشاهدة.

وأظهر الفيديو الذي تم تداوله بشكل واسع في مواقع التواصل، الرعب الذي يعيشه المسلمون من إظهار دينهم أو عباداتهم والامتناع عن الصلاة والصوم وإجبارهم على تناول لحم الخنزير (المحرم في الدين الإسلامي)، كما وثق إغلاق عدد من المساجد وتحويل بعضها لمزارات سياحية. 

 

5- "اليهودي الوحيد" وهو البريطاني آندرو، الذي يقف منذ تسعة شعور، كل يوم ثلاثاء لمدة ساعة على قارعة الطريق خارج المكتب الثقافي للسفارة الصينية في لندن، يحمل لافتة عليها عبارة بسيطة وواضحة "3 ملايين مسلم في معسكرات الاعتقال الصينية".

وقال آندرو في حديث  لمجلة "Bitter Winter" المعنية بالحريات الدينية وحقوق الإنسان في الصين "لم أستطع أن أفعل شيئًا، أنا ببساطة أقوم بذلك لأنني يهودي".

آندرو، يهودي أرثوذكسي من بريطانيا

 

وأردف موضحاً "لقد أسكتت الصين العالم بدفعها للبلدان الإسلامية. التزم العالم الصمت عند تعرض اليهود للاضطهاد. ليس من الصواب أن يظل اليهود الآن صامتين عندما يحدث هذا تحت أنوفنا".

وكان أجداد زوجته في معسكرات الإبادة والاعتقال الألمانية (1941-1945)، يقول آندرو  هذا الاحتجاج الصغير هو أقل ما يمكنني فعله" مؤكداً أنه لن يتوقف عن هذا التضامن حتى لو بقي بمفرده، حتى تتوقف حملة اضطهاد الصين للأقلية المسلمة.

وبين وقت وآخر، ينضم عدد من المارّة لآندرو، ويرفعون لافتة مشابهة للتي يحملها.

 

6- المطربة اللبنانية أليسا، عبر تغريدة قالت فيها "الأخبار الواردة من الصين عن اضطهاد مسلمي الايغور بتصدم. المفروض انو لما نتطور أكثر بالعلم والتكنولوجيا، تزيد انسانيتنا مش العكس. هالمشاهد ما بتهز بس المسلمين، لازم تهز كل انسان عندو ضمير وذرة انسانية".

 

ولاقت التغريدة تفاعلاً كبيراً بين متابعيها، الذين رأوا في نصرتها للأويغور شأناً إنسانياً بات مفقوداً هذه الأيام ليس من مشاهير فقط، إنما من دول كبيرة تخشى فقدان علاقاتها التجارية والسياسية مع الصين.

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".