آسيا عبد الوهاب
آسيا عبد الوهاب

مع بداية العام الجديد 2020، تدخل الصّين السنة الرابعة في اضطهاد مسلمي الأويغور، باحتجاز أكثر من مليون شخص بشكل قسري في مراكز اعتقال.

ورغم تذبذب الأخبار والتقارير حول ما يحدث بالتأكيد في مراكز الاعتقال الجماعية تلك، إلا أن عام 2019 شهد تنامياً واضحاً في التضامن العالمي مع قضية الأويغور، علماً بأن أغلب هذا الدعم كان شعبياً وسط تقصير الحكومات في عدة دول بما فيها العربية والإسلامية.

وفي وقت سابق من العام الماضي، قدّر مساعد وزير الدفاع الأميركي المسؤول عن سياسة وزارة الدفاع في آسيا راندال شريفر، خلال إفادة للبنتاغون، عدد معتقلي الأويغور في الصين بأنه "يقترب من ثلاثة ملايين".

وفي آذار/ مارس 2019 أكد تقرير لوزارة الخارجية الأميركية عن الحريات في العالم، أن الحكومة الصينية كثّفت عام 2018 حملتها ضد الأيغور، بهدف "محو هويات الأويغور الدينية والعرقية".

وأسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في زيادة التوعية بقضية اضطهاد المسلمين في إقليم شينغيانغ، وعددهم 11 مليوناً بواقع الأكثرية بين الأقليات الأخرى داخل هذه المنطقة.

وكشفت تقارير عديدة لمنظمات حقوقية وأخرى إعلامية من داخل الصين وخارجها، عن الممارسات الفظيعة المتبعة بحق المحتجزين، مثل الاغتصاب والإدمان القسري على المخدرات وحقن النساء بمواد تسبب العقم، بالإضافة إلى فصل الأبناء عن آبائهم والإجهاض القسري. 

وتخوض الصين حرباً إعلامية ضد مؤسسات ودول وأشخاص بعينهم (إذا كانوا من الشخصيات العامة) لإثبات أنها لا تعتقل ولا تضطهد، وأن مراكز الاعتقال ما هي إلا "مراكز تدريب مهني للنأي بالمتدربين عن التطرف الديني ومواجهة الانفصالية".

الإيغور: قومية من آسيا الوسطى ناطقة باللغة التركية وتعتنق الإسلام يعيش أغلبها في إقليم شينجيانغ وكان اسمه سابقاً تركستان الشرقية قبل ضمّ الصين له عام 1949

لكن في وقت متأخر من العام الماضي، تم تسريب وثائق من داخل مراكز الاعتقال تلك، نشرتها أكثر 17 وسيلة إعلامية دولية، أظهرت أن السلطات الصينية تفرض على المعتقلين تعليماً إلزامياً من أجل إعادة صياغة أيدولوجيتهم وفرض سلوكيات قسرية عليهم.

وأكدت أساليب القمع في هذه المراكز، مثل تحديد مواعيد الاستحمام أو دخول المراحيض والمراقبة الحثيثة للمعتقلين الذين يقبعون في زنازين بأبواب مزدوجة.

 

وتشير الوثائق التي نشرتها عدة وسائل إعلام بالتنسيق مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، أن الصين تستخدم أنظمة متقدمة تعتمد بعضها برمجيات الذكاء الاصطناعي من أجل تتبع المعتقلين ومراقبتهم، مستخدمة بيانات تجمعها عن طريق المراقبة.

"مراكز التأهيل" في شينجيانغ

 

وكان التسريب بعد أسبوع من نشر صحيفة "نيويورك تايمز" معلومات تستند إلى أكثر من 400 صفحة من الوثائق الداخلية الصينية تفيد بأن الرئيس شي جينبينغ أمر المسؤولين بالتحرك "بلا أي رحمة" ضد النزعات الانفصالية والتطرف، وذلك في خطاب ألقاه عام 2014 بعدما قتل مسلحون من الأويغور 31 شخصاً في محطة قطارات جنوب غرب الصين.

6 أشخاص غيّروا المعادلة الصّينية

ظنت الصين أنها وخلال السنوات الفائتة، ستتمكن من المضيّ "بسلام" في اضطهاد المسلمين المحتجزين لديها، خصوصاً مع الدعم الدبلوماسي الذي تلقته من عديد الدول العربية والإسلامية التي اتفقت والبروباغندا الصينية في أنها تحارب التطرف والإرهاب.

لكن مواقع التواصل الاجتماعي وعشرات المبادرات الفردية من شخصيات عامة أو عادية كان لها الأثر الكبير في تسليط الضوء على عمليات الاضطهاد خلال العام الفائت.

1- وعلى رأس قائمة الخمسة الأكثر تأثيراً، الأويغورية آسيا عبد الوهاب (46 عاماً)، التي كشفت في ديسمبر الماضي أنها وراء تسريب الوثائق، لكنها تعرضت لاحقاً لعتدة تهديدات بالقتل.

وقالت لصحيفة فولكسرانت الهولندية إنها "تتلقى تهديدات بالقتل بسبب تسريبها الوثائق الصينية السرية، ومن بين التهديدات المرسلة أنها ستنتهي مقطعة الأطراف ومرمية في سلة القمامة أمام بيتها".

وهذه التهديدات هي ما دفعها للإفصاح عن شخصيتها وأنها سبب نشر الوثائق، تلك التي شكلت مادة لعشرات القصص حول ما يجري في مراكز الاعتقال، عبر صحف ومواقع في جميع أنحاء العالم.

وأوضحت أنها تلقت وثائق الحكومة الصينية السرية صيف 2019، من مصادر لم تفصح عن هويتها، وخزنتها على حاسوبها المحمول، ثم عملت على مشاركتها مع العالم الخارجي.

آسيا عبد الوهاب

 

وتحدثت آسية وزوجها السابق للصحفيين الهولنديين في محاولة للحصول على حماية من هذه التهديدات، من خلال الإعلام.

وقالت إنها شاركت الوثائق مع الخبير الشهير في قضايا الأويغوار أدريان زينز، وهو أكاديمي ألماني يعيش الآن في الولايات المتحدة.

وقال زينز، في وقت سابق إن ما تمارسه الصين يرقى إلى مستوى "الإبادة الجماعية الثقافية للأويغور".

وأضاف أن الوثائق تعكس تماما ما هي هذه المعتقلات "لغسل الأدمغة، وتطهير القلوب، ودعم ما هو صحيح، وإزالة ما هو خاطئ"، وكل ذلك بحسب ما تراه السلطات الصينية.

2- لاعب منتخب أرسنال مسعود أوزيل​ (31 عاماً)، الذي غرّد لصالح الأويغور في 13 ديسمبر، مندداً بـ"صمت العالم الإسلامي عن جرائم الصين" ومستنكراً "الانتهاكات التي ترتكبها الصين بحق أقلية الأويغور المسلمة".

 

وكانت تغريدته بمثابة بيان، عنوانه بـ"الجرح النازف.. تركستان الشرقية" داعياً فيه لمحاسبة السلطات الصينية على "المجازر" التي جرت في تلك المنطقة و"التطهير" الذي يتعرض له المسلمون هناك".

ونوه أوزيل إلى "اهتمام وسائل إعلام غربية بمسألة اضطهاد الأويغور، بينما لم يهتم العالم الإسلامي بالمسألة" على حد قوله.

وكتب "هناك (في إقليم شينغيانغ) تغلق المساجد وتحرق المصاحف ويقتل علماء الدين، بينما يقتاد الجيش الذكور منهم إلى معسكرات التدريب بطريقة وحشية".

وتعليقاً على تغريدة أوزيل التي لاقت انتشاراً واسعاً، تبرأ النادي منها وأنها لا تعبر عن موقفه بل تمثل موقف اللاعب الشخصي من القضية.

ولنادي أرسنال سلسلة من المطاعم في بكين، إضافة إلى عدة متاجر خاصة بلباس الفريق التي تعد مصدراً مادياً مهماً بالنسبة لبطل إنكلترا 13 مرة.

بطل رياضي آخر اتخذ موقفاً مشابهاً بعد أوزيل، هو لاعب الروغبي الشهير على صعيد العالم سوني بيل ويليامز، الذي قال عبر حسابه الرسمي في تويتر "إنه وقت محزن عندما نختار الفوائد الاقتصادية على البشر".

 

3- حيلة إطالة الرموش للمراهقة الأميركية فيروزة عزيزة (17 عاماً)، حيث قامت بنشر فيديو في حسابها بتطبيق "تيك توك" الصيني، تبدأه بطريقة توضح فيها كيفية إطالة الرموش بسهولة، وأثناء ذلك توجه المتابعين للتضامن مع مسلمي الأويغور في الصين الذين يتعرضون للاضطهاد والقمع.

ووصفت ما يجري بـ"المحرقة الجديدة" كنابة عمّا تعرض له اليهود في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

وحقق الفيديو انتشارا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن حسابها في "تيك توك" تم إيقافه وأقرت إدارة الموقع لاحقاً بذلك، لتتعرض للاتهام بأنها تراقب الفيديوهات ذات المحتوى السياسي المناهض للصين.

 

4- صانع المحتوى والرحّالة الأردني جهاد حطاب (اسم الشهرة جو حطاب)، الذي نشر فيديو "وين اختفوا مسلمين الصين؟" حول زيارته لإقليم شينغيانغ عام 2019 ومحاولته التحقيق فيما يُنشر عن قمع المسلمين هناك، وحقق الفيديو نحو 10 ملايين مشاهدة.

وأظهر الفيديو الذي تم تداوله بشكل واسع في مواقع التواصل، الرعب الذي يعيشه المسلمون من إظهار دينهم أو عباداتهم والامتناع عن الصلاة والصوم وإجبارهم على تناول لحم الخنزير (المحرم في الدين الإسلامي)، كما وثق إغلاق عدد من المساجد وتحويل بعضها لمزارات سياحية. 

 

5- "اليهودي الوحيد" وهو البريطاني آندرو، الذي يقف منذ تسعة شعور، كل يوم ثلاثاء لمدة ساعة على قارعة الطريق خارج المكتب الثقافي للسفارة الصينية في لندن، يحمل لافتة عليها عبارة بسيطة وواضحة "3 ملايين مسلم في معسكرات الاعتقال الصينية".

وقال آندرو في حديث  لمجلة "Bitter Winter" المعنية بالحريات الدينية وحقوق الإنسان في الصين "لم أستطع أن أفعل شيئًا، أنا ببساطة أقوم بذلك لأنني يهودي".

آندرو، يهودي أرثوذكسي من بريطانيا

 

وأردف موضحاً "لقد أسكتت الصين العالم بدفعها للبلدان الإسلامية. التزم العالم الصمت عند تعرض اليهود للاضطهاد. ليس من الصواب أن يظل اليهود الآن صامتين عندما يحدث هذا تحت أنوفنا".

وكان أجداد زوجته في معسكرات الإبادة والاعتقال الألمانية (1941-1945)، يقول آندرو  هذا الاحتجاج الصغير هو أقل ما يمكنني فعله" مؤكداً أنه لن يتوقف عن هذا التضامن حتى لو بقي بمفرده، حتى تتوقف حملة اضطهاد الصين للأقلية المسلمة.

وبين وقت وآخر، ينضم عدد من المارّة لآندرو، ويرفعون لافتة مشابهة للتي يحملها.

 

6- المطربة اللبنانية أليسا، عبر تغريدة قالت فيها "الأخبار الواردة من الصين عن اضطهاد مسلمي الايغور بتصدم. المفروض انو لما نتطور أكثر بالعلم والتكنولوجيا، تزيد انسانيتنا مش العكس. هالمشاهد ما بتهز بس المسلمين، لازم تهز كل انسان عندو ضمير وذرة انسانية".

 

ولاقت التغريدة تفاعلاً كبيراً بين متابعيها، الذين رأوا في نصرتها للأويغور شأناً إنسانياً بات مفقوداً هذه الأيام ليس من مشاهير فقط، إنما من دول كبيرة تخشى فقدان علاقاتها التجارية والسياسية مع الصين.

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.