مخلفات هجوم سابق لتنظيم القاعدة في اليمن
مخلفات هجوم سابق لتنظيم القاعدة في اليمن

على جدار معهد أمين ناشر الصحي في مديرية خور مكسر شرقي مدينة عدن الجنوبية التي تتخذها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا عاصمة مؤقتة للبلاد، ويسيطر عليها منذ أغسطس الماضي المجلس الانتقالي الجنوبي الموالي للإمارات، ما زالت عبارات "الموت للخونة"، "الدولة الإسلامية قادمة"، التي خطتها عناصر تنظيم "داعش" قبل سنوات، حاضرة دون أن يتم محوها حتى اليوم.

ولا تزال هناك على جدران المدارس والكليات والمعاهد والأماكن العامة عبارات مكتوبة تحمل أفكار الجماعات المتطرفة تدعو في مجملها للعنف من قبيل "ترك الصلاة كفر ويستحق العقاب".

وعلى جدار شبه مدمر وسط مديرية كريتر جنوبي عدن، تطل عبارة تقول إن "سب الصحابة كفر".

وشهدت المدينة الساحلية خلال السنوات الأخيرة نشاطا واسعا للجماعات الإرهابية.

وخلال الأشهر الأخيرة شهدت مدينة عدن والمحافظات الجنوبية المجاورة زيادة في وتيرة العنف والاقتتال بين قوات المجلس الانتقالي المطالب بالانفصال من جهة وقوات الحكومة المعترف بها دوليا من جهة أخرى.

ويخشى مراقبون محليون من استغلال تنظيمي داعش والقاعدة هذا الصراع لتصدر المشهد من جديد في جنوبي اليمن، بعد تراجع نشاطهما خلال العامين الماضيين تحت ضربات حملة عسكرية ضخمة قادتها قوات يمنية وسعودية وإماراتية.

ومنذ أواخر العام 2015، تبنى تنظيم "داعش" معظم الهجمات الإرهابية التي طالت مقرات حكومية وقيادات مدنية وعسكرية وأمنية رفيعة في مدينة عدن ومحافظات جنوبي اليمن.

ترعب الناس

يقول صقر الصنيدي، وهو صحافي يمني يقيم في المهجر: "خلال عام واحد (2019) زرت عدن مرتين ولم أر تغييرا كبيرا، فقد كانت العبارات التى خطت على جدران المدينة وفيها تعبير واضح عن جماعات العنف والإرهاب ثابتة ولم تتغير. ورغم التضييق على القاعدة وداعش ومحاربتهما وإنشاء جهاز متخصص بمكافحة الإرهاب إلا أن تلك العبارات بقيت ترعب الناس".

ويرى الصنيدي، أن "الجميع في عدن يخشون محو تلك العبارات فما زال الشك وعدم الأمان موجودا... والحقيقة أنها ما زالت تمتلك نفوذ البقاء".

ويضيف في حديث مع موقع "ارفع صوتك": "بقاء تلك العبارات تعطي رسالة إلى السكان أن تنظيمات الإرهاب يمكن أن تعود في أول لحظة حين ترى فراغا في الشارع. وعودتها تعني إنزال العقاب بمن أزال أو محا عبارة".

دولة مدنية حديثة

من جانبه، يقول سامي الكاف، وهو صحافي وباحث في مدينة عدن الجنوبية: "استمرار مثل هذه العبارات أمر يشير إلى وجود جماعات دينية تتصارع فيما بينها من جهة، وفي نفس الوقت تفصح عن هدفها الاستراتيجي الأثير والمتمثل في إقامة دولة الخلافة الإسلامية وهو هدف تشترك فيه كل هذه الجماعات، وتدّعي أن لديها تفويضا إلهيا بحكم الناس".

ويضيف الكاف لموقع "ارفع صوتك": "مثل هذه الأمور تحتاج إلى وجود دولة مدنية حديثة تستند إلى دستور يفصل السياسة عن الدين، وتفرض سيطرتها الأمنية على كل البلاد ومن ثم تنظر بوضوح في تركيبة المجتمع الذي صار فيه التطرف الديني متغلغلاً على نحو عميق منذ نحو عقدين أو أكثر، ليس في عدن وحسب بل وفي كل مناطق اليمن".

تجفيف منابع التطرف فكريا

بدوره، يقول أحمد قاسم، وهو مواطن يمني يقطن في مدينة عدن: "تشعرنا هذه العبارات بأن جماعات التطرف والإرهاب بعدن لا يزال لها حضور ونشاط ودون رادع من قبل الأجهزة الأمنية والجهات المختصة، كما تشعرنا بحالة من القلق والخوف فحضورها يعني استمرار أعمال العنف والإرهاب، وحالة من الحزن والاحباط بالنسبة لمن فقدو أقاربهم جراء عمليات الاغتيالات الإرهابية".

ويرى أيضا أن وجود هذه العبارات يعني التعبئة العامة لصالح جماعات العنف.

ويضيف لموقع "ارفع صوتك": "أطراف الصراع تستخدم هذه الجماعات أو بعضا منها لتهديد خصومهم السياسيين.. يجب تجفيف منابع التطرف والإرهاب ثقافيا وفكريا وسياسيا، وحماية وتعزيز الحريات العامة وعدم استخدام هذه الجماعات في الخلافات والخصومات السياسية".

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة الأفغانية كابول
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة الأفغانية كابول

دعا زعيم تنظيم "القاعدة" الحالي محمد صلاح الدين زيدان المعروف باسم "سيف العدل"، الجهاديين في جميع أنحاء العالم إلى السفر إلى أفغانستان، للاستفادة والتعلم من تجربة طالبان، والانضمام إلى معسكرات تدريب لشنّ هجمات على "الصهاينة والغرب" بحسب تعبيره.

سيف العدل كتب مقالاً تحت اسم مستعار يستخدمه منذ فترة وهو "سالم شريف"، نُشر في مجلة تصدرها "القاعدة" حمل عنوان "هذه غزة... حرب وجود.. لا حرب حدود"، قال فيه "لا بد للمخلصين من أبناء الأمة والمهتمين بالتغيير من زيارة أفغانستان والاطّلاع على أحوالهم والاستفادة من تجاربهم".

ورأى أن تجارب "أفغانستان واليمن والصومال ومغرب الإسلام تلهم أمتنا بركن تأسيسي وهو الأمة المسلّحة".

تكتسب علاقة تنظيم "القاعدة" بطالبان بعداً تاريخياً عميقاً، ولطالما كانت أفغانستان ملجأً لقيادات التنظيم، وضمت في فترات زمنية طويلة معسكرات تدريب ينطلق منها "جهاديون" لضرب أهداف حول العالم، كان أبرزها على الإطلاق أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية.

وكان مؤسس "القاعدة" أسامة بن لادن متواجداً في أفغانستان، وتحديداً في جبال طورا بورا ومنها أدار العمليات، قبل أن تشنّ أميركا حرباً واسعة النطاق على الإرهاب وتقتل بن لادن في باكستان حيث لجأ بعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان.

كما أن أيمن الظواهري زعيم القاعدة السابق، انتقل إلى أفغانستان مباشرة بعد الانسحاب الأميركي وسيطرة حركة طالبان، ثم قُتل في كابول داخل منزل تابع لشبكة سراج الدين حقاني، بغارة أميركية.

انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في عام 2021 سمح بعودة حركة طالبان للسيطرة على أفغانستان، ويبدو أن الروابط القديمة بين تنظيم "القاعدة" وطالبان قد عادت إلى الواجهة، مع وجود مصالح مشتركة بين الطرفين.

لا شك أن تنظيم "القاعدة" يحاول أن يعيد بناء نفسه في أفغانستان، كما يشرح الباحث في مجال الفلسفة السياسية والفكر الإسلامي حسن أبو هنية لـ"ارفع صوتك". فـ"التقارير الميدانية تشير إلى وجود قواعد عدة يقوم ببنائها التنظيم في أفغانستان، وقد تحدث (الديبلوماسي الأميركي السابق) سلمان خليل زاد في إحدى الجلسات أنه "لا وجود للقاعدة"، لكن التقارير تخالف ذلك، مؤكدة أن هناك بالفعل "إعادة احياء لهذا التنظيم، وتركيز على حضور القاعدة في شبه القارة الهندية".

أبو هنية يذكّر بأن حركة طالبان لديها علاقات وثيقة تاريخياً مع "القاعدة". واليوم، يتابع الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية "هناك علاقات جيدة وصعود للقاعدة بطبيعة مختلفة عن السابق تتحكم فيها حركة طالبان، ولا تسمح للقاعدة بتنفيذ أي عمليات أو مخططات إلا بإشراف طالبان بشكل مباشر".

"ولذلك يجب أن نعتاد على شكل آخر من العلاقة تقوم فيه طالبان باستخدام القاعدة على غرار ما فعلت إيران في فترات سابقة، حيث استضافت القاعدة لكن لخدمة أجندة إيران"، يقول أبو هنيّة.

ويوضح أن طالبان "تستفيد من القاعدة في مناهضة ولاية خوراسان التابعة لتنظيم داعش وفي نفس الوقت يعيد القاعدة تنظيم نفسه، خصوصاً في ما يتعلق بالهند والسياسات في ذلك الجزء من العالم".

على صعيد آليات عمل "القاعدة" في أفغانستان، فإن بناء هياكلها يحدث ببطء، يضيف أبو هنيّة، مبيّناً "هناك دعوات شهدناها موجهة للجهاديين للالتحاق بالمعسكرات، وبالفعل هناك أشخاص من العالم العربي أو من جنوب شرق آسيا وأفريقيا بدأوا بالالتحاق بمعسكرات القاعدة في أفغانستان".

ويعتقد أن "ازدهار شبكة القاعدة في أفغانستان لا يزال تحت السيطرة، ولن يكون بمقدور التنظيم توجيه ضربات كبيرة انطلاقاً من أفغانستان على غرار ١١ سبتمبر".

كما لا يتوقع أبو هنية أن نشهد تداعيات قريبة للتعاون بين طالبان و"القاعدة"، لكن خلال سنوات قد يتغير الأمر، مردفاً "هذا رهن علاقات طالبان بمحيطها الإقليمي مع باكستان والصين وروسيا، وهذه الدول تحاول بناء علاقات جيدة مع طالبان حتى تتجنب أي ردة فعل للجهاديين سواء في آسيا الوسطى أو الصين أو في شبه القارة الهندية".

بهذا المعنى، يصف أبو هنية تنظيم "القاعدة" اليوم بأنه "ورقة بيد طالبان"، التي تحدد متى تستخدمها وكيف.