A man wearing a protective mask sits inside a bus that will take him to a quarantine facility, amid concerns about the spread…
تسببت كورونا في عزل الملايين من سكان العالم في منازلهم بعدما فرضت السلطات الحظر المنزلي في دول مختلفة

"كيف أقنع طفليّ بالابتعاد عنّي كلمّا هرعا لحضني؟"، تقول الشابة العراقية المقيمة في فرنسا (هـ.ج)  بعد ثبوت إصابتها بمرض كوفيد-19.

ومن حجرها الصحّي في غرفتها المغلقة أمام طفليها لتحميهما من عدوى فيروس كورنا المستجد، تضيف (هـ.ج) لـ"ارفع صوتك": "معاناتي يومياً معهما  (عامان و٤ أعوام)، حيث يقفان على باب الغرفة ويتوسّلان إليّ لأدخلهما".

وتم التحفّظ على ذكر اسمها بناء على رغبتها.

"عندما يفك حظر التجوّل، أعلم بأنني سأذهب إلى حبيبي سريعاً حتى أراه هو ولا أحد غيره"، تقول الشابة تبارك من بغداد. 

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "لم أره من قبل الحظر وجاء الحظر مفاجئاً لنا. ٣٠ يوماً مضت دون أراه".

الشاب ياسين التميمي من بغداد أيضاً، لكنه مقيم في إسطنبول الآن، يقول "أفتقد صديقي جداً، مرّ أسبوعان من الحجر المنزلي دون أن أراه. اعتدت لقاءه مرتين أسبوعياً قبل الكورونا".

يضيف "أخشى السفر إليه وأخشى على عائلته" مردفاً "هذه هي المرة الأولى التي أُجبَر فيها على عدم الخروج مع الأصدقاء، أشعر بالاختناق، أعتقد أنني سأكسر الحظر قريباً".

"مشتاقينلها هواية، علاقتنا قويّة جداً بها"، تقول الشابة هاجر من مدينة الرمادي (مركز الأنبار) عن جدّتها لأمها، حيث حال حظر التجوّل دون زيارة العائلة من أبناء وأحفاد الجدّة دون زيارتها منذ شهر تقريباً.

إذن، أكثر من أسبوعين بعيداً عن الأهل والأحبّة، تضيف لأصحاب القصص السابقة، قلقاً وتوتراً والمزيد من الضغط النفسي، جرّاء استمرار الحظر والعزلة لأمد غير محدّد، لكنّه ليس النهاية. 

فلكلّ من (هـ.ج) وتبارك وياسين وهاجر، طريقتها/ طريقته في التحايل على المسافة والتقليل حد الإمكان من التداعيات النفسيّة والعقليّة لها. 

"يساوي تناول الطعام"

يقول الأميركي جوشوا مورجانشتاين، وهو طبيب نفسي : "بالنسبة لبعض الناس، فإن الافتقار إلى الترابط الاجتماعي يبدو مؤثراً مثل عدم تناول الطعام".

جاء ذلك في مقال نشرته المجلة العلمية الأميركية "Science News"، الأحد الماضي، يحذر من تداعيات مسافة الأمان الاجتماعية من العدوى والعزلة المطوّلة، على صحة الأفراد النفسية والعقلية.

واعتمدت في بنائها على مراجعة "لانست" لـ٢٤ بحثاً ودراسة بعنوان "الأثر النفسي للحجر الصحي وطرق تقليله"، في محاولة لتلافي ما يمكن أن ينتج عن العزلة الاجتماعية الممتدة لأجل غير مسمّى، بسبب جائحة كوفيد-19.

والدراسات الـ٢٤ بحثت في الصحة النفسية والعقلية للأشخاص المعزولين، خلال تفشي أمراض وأوبئة سابقة مثل "السارس وأنفلونزا H1N1 والإيبولا" منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وعانى  العديد منهم مشاكل في الصحة العقلية على المدى القصير والطويل، تمثلت بالإجهاد والأرق والضغط النفسي والاكتئاب وتعاطي المخدرات أو الكحول.

وحسب مراجعة "لانست" البحثية، فإن عديداً من العوامل تساهم في زيادة تأثير الحجر الصحّي على الصحة النفسية، مثل تمدّد الحجر زمنياً لأكثر من ١٠ أيام، وغياب المعلومات المتعلقة بأسباب الحجر وأهميته، وعدم الوصول إلى الإمدادات الأوليّة وخدمات الاتصالات.

يقول الكاتب المشارك في المراجعة نيل غرينبرغ، وهو طبيب نفسي في كلية "الملك" البريطانية،  إن التخفيف من هذه المخاطر يمكن أن يقلل من احتمالية حدوث مشكلات في الصحة العقلية.

ويشير إلى التأثير السلبي حتى على غير الخاضعين للحجر الصحّي في عدة بلدان لم تفرض حظر التجوّل على مواطنيها، وذلك بسبب مسافة الوقاية الاجتماعية بين بعضهم البعض، أو تجنّب النزهات المنظمة.

في ذات السياق، يقول الطبيب النفسي  دامير هيرموفيك إن "عزل الناس عن بعضهم البعض لأشهر يعني أن الآثار الثانوية للوباء، مثل الركود والاضطرابات الاجتماعية والبطالة، يمكن أن تؤدي إلى تحدّيات صحية عقلية غير متوقعة وواسعة النطاق".

ويتابع هيرموفيك وهو مؤلف ومحرر مشارك لكتاب "الطب النفسي للأوبئة": "آمل بصدق ألا نصل إلى هذه المرحلة".

هل من وسائل حماية؟

تقول (هـ.ج) البالغة من العُمر ٣٤ عاماً "بعض أفراد عائلتي ممّن يعلمون بإصابتي بكوفيد-19 يحثونني على عدم القلق والخوف لأنه يضعف المناعة، لكنه ليس بالأمر السهل، فكيف لي ذلك وأنا مصابة بفيروس يخيف العالم أجمع ويهدد حياة ملايين البشر؟!".

من جهتها، تلجأ تبارك إلى الرسائل المكتوبة والمكالمات الصوتية مع حبيبها، كي تحافظ على العلاقة بينهما من أن يأكلها الغياب.

تقول تبارك التي تتمنى أي فرصة لقاء  حتى لو كلفتها الإصابة بالعدوى "نتشارك عبر الاتصّال أفكارنا وتوجهاتنا وتهوين البعد بأسبابه القاهرة".

"نحن حريصان على بعضنا، أنصحه دوماً بالبقاء في بيته وعدم زيارة أقاربه، وأخذ الحجر الصحي على محمل الجد، ويملأ وقته داخل المنزل بالنشاطات" تؤكد تبارك.

وتحافظ هاجر وعائلتها على التواصل مع جدّتها يومياً عبر مكالمات صوت وفيديو، تقول "جدتي حريصة أكثر منّا، هي واعية بالأزمة وتنتظر انتهاءها كي نلتقي معاً".

في المقابل، يصبّر ياسين نفسه بمحادثات هاتفية مع أصدقائه وخصوصاً المقرّب منه الذي يسكن مدينة أخرى بعيداً عنه، لكنّه غير مكتف بذلك، يقول "يحزنني الأطفال إذ تعودت على التواصل المباشر معهم وجلب الهدايا الصغيرة التي تفرحههم، وهذا ما ينقص التواصل عن بُعد".

هل يمكن للتكنولوجيا المساعدة في تعويض بعض سلبيات الابتعاد الاجتماعي؟ورد هذا السؤال في مقال لـ مجلة "العلوم" التابعة للرابطة الأميركية لتقدّم العلوم (AAAS). 

يقول العالم الاجتماعي والطبيب في جامعة "ييل" الأميركية نيكولاس كريستاكيس: "نحن محظوظون لأننا نعيش في عصر تسمح لنا التكنولوجيا فيه برؤية أصدقائنا وعائلتنا وسماعهم، حتى من مسافة بعيدة".

ويضيف "يمكن أن تساعد الرسائل النصية والبريد الإلكتروني والتطبيقات مثل Skypeو FaceTime الأشخاص على البقاء على اتصال".

ومع ذلك، فإن "أنماط التواصل هذه لا تحل محل التفاعلات وجهاً لوجه" حسبما يقول عالم السلوكيّات في جامعة أريزونا الأميركية كريس سيغرين.

ويتابع "في هذا النوع من التواصل يمكن أن تضيع الكثير من التفاصيل الدقيقة للغة الجسد وتعابير الوجه والإيماءات، لكنها على الأقل أفضل بكثير من عدم التفاعل".

ويؤكد سيغرين في نفس الوقت على وجود "تنوع فردي هائل في قدرة الناس على التعامل مع العزلة الاجتماعية والتوتر".

بالتالي لن تنعكس آثارها على الجميع بشكل مماثل، علماً بأن الشخص الذي يعاني أساساً من القلق الاجتماعي أو الاكتئاب أو الوحدة أو إدمان الكحول والمخدرات، سيكون معرضاً بشكل أكبر من غيره للأضرار النفسية والعقلية، وفق سيغرين.

من جهتها، تقول جوليان هولت لونستاد، وهي باحثة نفسيّة في جامعة بريغهام الأميركية "يمكن لأي شخص منّا أن يلتقط هاتفاً ويتصل لرؤية ما يفعله الناس وما قد يحتاجونه".

وتشير  إلى أن الأبحاث حول الإيثار وجدت أن تقديم الدعم يمكن أن يكون أكثر فائدة من تلقّيه، مضيفةً "مساعدة الآخرين تساعدنا على الشعور باستمرار التواصل".

"كما يمكن أن تلهمنا تجارب الآخرين الرازعين تحت حظر التجوّل، كالذين يغنّون ويعزفون الموسيقى عبر النوافذ المفتوحة في إيطاليا، للحفاظ على الروح المعنوية. هذا ما نحتاجه بالضبط" يقول عالم النفس التطوّري في جامعة أكسفورد روبن دنبار .

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Annual haj pilgrimage in Mecca
صورة حديثة من موسم الحج هذا العام 2024- رويترز

قرابة الألف حاج لقوا حتفهم بسبب درجات الحرارة المرتفعة التي لم تتحملها أجسادهم وهم يؤدّون المناسك الشاقة في مكة هذا العام.

بحسب تقديرات دولية، فإن أغلب المتوفين كانوا مصريين بعدما تجاوز عددهم 658 ضحية بسبب الحر، وكان البقية من إندونيسيا والهند والأردن وتونس وإيران.

تذكرنا هذه الوفيات بوقائع شهدتها مواسم حج سابقة، أدت لمصرع مئات الحجيج، لأسباب متعددة، هذه أبرزها.

 

1- نفق المعيصم

في يوليو 1990 وقع تدافع كبير بين الحجاج داخل نفق المعيصم قرب مكة، أدى إلى وفاة 1426 حاجاً معظمهم من الآسيويين.

خلال هذا الوقت كان النفق قد مرَّ على إنشائه 10 سنوات ضمن حزمة مشروعات أقامتها المملكة السعودية لتسهيل أداء المشاعر المقدسة، شملت إنشاء شبكة واسعة من الطرق والجسور والأنفاق.

السبب الأكثر شيوعاً بحسب ما تداولت وسائل إعلامية آنذاك، هو حدوث عطل في نظام التهوئة داخل النفق، لكن السُلطات الرسمية نفت ذلك.

في صبيحة يوم الحادث -أول أيام عيد الأضحى- احتشد داخل النفق حوالي 50 ألف حاج كانوا في طريقهم لأداء شعيرة رمي الجمرات، سقط بعضهم بسبب التزاحم، الأمر الذي أحدَث حالة من الذعر وسط بعض حشود الحجاج، ما دفعهم لمحاولة الخروج عنوة فوقع التدافع المميت، حسب الرواية التي أعلنتها السُلطات السعودية وقتها.

لاحقًا جرت أعمال تطوير على الجسر وتحويله إلى نفق مزدوج لمنع تكرار هذه الكارثة.

2- مظاهرة الإيرانيين

في عام 1987 إبّان حُكم الثورة الإسلامية، حاولت مجموعة من الحجاج الإيرانيين تنفيذ تعليمات آية الله الخميني بإقامة ما أسماه "مراسم البراءة" وشملت هتافات تهاجم أميركا وإسرائيل وتدعو المسلمين للتوحد.

اعتبرت السُلطات السعودية هذه الطقوس "مظاهرة غير مرخصة" فتدخلت أجهزة الأمن للتعامل معها، مما أسفر عن اشتباكات بين الطرفين أدّت إلى حادث تدافع في مرحلة لاحقة.

انتهت هذه الأحداث بمقتل 402 حاج من بينهم 275 إيرانياً و85 رجل أمن سعودياً وإصابة 649 فردا، بحسب الحصيلة الرسمية المعلنة.

3- حوادث مِنى

في أبريل 1997، ونتيجة اشتعال النيران في خيام الحجاج المتجمعين في مِنى نتيجة استخدام سخّان يعمل بالغاز، قُتل 340 فرداً وأصيب 1500 آخرين.

كرّر هذا الحادث المأساة التي سبَق أن وقعت في ديسمبر 1975 حين اندلع حريق ضخم داخل مخيم للحجاج بسبب انفجار إحدى أسطوانات الغاز، الأمر الذي أدّى إلى مقتل 200 فرد.

بسبب هذين الحادثين تقرر الاعتماد على خيام مُصنّعة من موادٍ غير قابلة للاشتعال كما مُنع استعمال سخانات الغاز خلال أداء المناسك.

4- جسر الجمرات

في مايو 1994 وقع تدافع بين الحجاج خلال عبورهم فوق جسر الجمرات بمنطقة منى في مكة، ما أدى لوفاة 270 حاجاً.

بعدها بأربع سنوات تكرّر التدافع بين الحجاج خلال رمي الجمرات، ما أدى لمصرع 118 فرداً وإصابة 180 آخرين.

5- طريق جسر الجمرات

في سبتمبر 2015 قُتل أكثر من 2230 شخصاً بعدما وقع ازدحام كبير نتيجة تداخل موجتين كبيرتين من الحجاج وصلتا في نفس الوقت إلى تقاطع طُرق في منى خلال سيرهم نحو جسر الجمرات، ليقع أسوأ حادث عرفه موسم الحج خلال 25 عاماً سبقت هذا العام.

بحسب ما ذكرته السُلطات السعودية حينها، فإن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة أدى إلى زيادة الخسائر في الأرواح.

سبَق أن وقعت تلك المأساة في 2006 حين تُوفي 362 حاجاً قبل وصولهم جسر الجمرات بعدما حدث تدافع كبير بينهم عند المدخل الشرقي للجسر.

أيضاً في فبراير 2004 حدث تدافع كبير قرب الجسر، أسفر عن وفاة 251 حاجاً.

6- رافعة الحرم

في 2015 انهارت رافعة ثُبتت فوق المسجد الحرام خلال تنفيذ مشروع ضخم لتوسعته، كانت تنفذه شركة "بن لادن" السعودية منذ أواخر 2012.

وبتأثير الأمطار الغزيرة والرياح العاتية التي اجتاحت المكان، سقطت الرافعة فوق رؤوس الحجاج، لتقتل 110 حجاج وتتسبب في إصابة 209 آخرين.

بسبب هذا الحادث تقرر وقف إسناد مشاريع حكومية لشركة "بن لادن"، كما أمر الملك سلمان بن عبد العزيز بصرف مليون ريال تعويضاً لكل حالة وفاة ونصف مليون ريال لكل مصاب.