طبيبة يمنية: إذا وصل كورونا سنوسع القبور فقط!
"أنا مستعدة للتضحية بحياتي من أجل إنقاذ مرضى فيروس كورونا في حال وصل إلى اليمن. مثلما ساعدت المرضى من أوبئة أخرى والجرحى طوال فترة الحرب سأفعل نفس الأمر مع هذا الوباء ما دمت على قيد الحياة".
الحديث للعاملة في المجال الصحي اليمني الدكتورة أسمهان علي السياني، التي أنقذت كثير من المرضى في مدينتها المضطرة خلال فترة عملها كرئيسة لقسم المختبرات في هيئة مستشفى الثورة العام بمدينة تعز (جنوبي غرب اليمن) بما في ذلك خلال الأوبئة التي ضربت المدينة واليمن خلال فترة الحرب المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات.
تقول أسمهان لموقع "ارفع صوتك": "إذا كانت دول أوروبا بكل إمكانياتها لم تستطع الصمود أمام كورونا ونحن في اليمن بلد انهكته الحرب وبنيه صحيه منهارة ومدن محاصرة ومستشفيات ضربت بكل أنواع القذائف وتعمل بنصف وربع قدراتها وكادر طبي متسرب.. الوضع سيكون في اليمن كارثي إذا ما وصل كورونا".
ولم تسجل اليمن أي حالة إصابة مؤكدة بفيروس كوفيد-19. وقال ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن ألطف موساني، الاثنين "في الإقليم الذي نقيم فيه تبقى اليمن هي الدولة الوحيدة التي لم تسجل أي إصابات بالوباء العالمي حتى صباح أمس الأحد".
وقتل فيروس كورونا عشرات الآلاف على مستوى العالم.
"إذا وصل كورونا لليمن لن يكون بوسعنا سوى توسعة القبور. الرسالة الوحيدة والشيء الوحيد الذي نستطيع عمله هو المناشدة لإغلاق الحدود والحجر الاختياري للمواطنين في منازلهم"، تقول أسمهان السياني.
على الرغم أن أسمهان تفرغت منذ العام الماضي لدراسة الماجستير (تخصص إدارة صحية) في تعز إلا أنها سجلت الكثير من المواقف البطولية خلال فترة الحرب أثناء عملها في هيئة مستشفى بتعز.
أقامت أسمهان، داخل المستشفى منذ سبتمبر 2015 وحتى نهاية 2017. ورغم أن السكن كان يُستهدف بمختلف القذائف، لكن لا بديل أمامها على الرغم من مرور أكثر من عام لم ترَ خلالها أمّها وأسرتها.
وفي اليمن تواجه المرأة العاملة، والطبيبة على وجه الخصوص، عوائق ومنغصات وموانع اجتماعية ونفسية جمة.
وقد أضفت الحرب المستعرة في البلاد منذ أكثر من خمس سنوات، على عمل الطبيبات في هذا البلد الفقير، مخاطر أكثر هولاً، وخلفت من الويلات والمآسي ما ضاعف من أعبائهن ومعاناتهن السابقة.
ليالي عصيبة
تروي أسمهان لموقع "إرفع صوتك" أنّه عندما اجتاح وباء حمى الضنك مدينة تعز في سبتمبر 2015، قررت العودة إلى هناك (مستشفى الثورة بتعز) لمزاولة عملها من مدينة القاعدة القريبة (شمالي تعز) التي نزحت إليها في مايو 2015 بعد أن دمر قصف دبابة حوثية منزلهم في منطقة الحصب.
وتستذكر قائلة: "قطعت مسافات طويلة مشياً على قدمي. وفي المستشفى قضينا ليالٍ عصيبة ومرعبة نتيجة أصوات المدافع والدبابات والقذائف التي استهدفت المشفى، وشربنا مياهاً طعمها سيء نتيجة الحصار الخانق".
وتتابع الصحية اليمنية (36 عاما) "صُدمت بإقبال شديد للمرضى، وعدم وجود كادر ومستلزمات طبية". كانت أسمهان المرأة الوحيدة في المشفى لمدة شهر، قبل أن تنضم إليها ست زميلات أقمن معها.
قصص حزينة
تسرد أسمهان الكثير من المآسي التي واجهتها في المستشفى كطبيبة عايشت الحرب منذ لحظاتها الأولى.
"في الأيام الأولى، توافد إلينا أكثر من عشرين ألف مواطن مصابين بحمى الضنك، أنقذنا الكثيرين منهم، فضلاً عن جرحى الحرب وأغلبهم من المدنيين والأطفال".
كان المختبر يستقبل عشرات الحالات يوميا كونه المختبر المجاني الوحيد في كبرى مستشفيات المدينة.
وتروي الطبية قصصاً حزينة لأطفال ورجال ونساء وصلوا مصابين برصاص وقصف مدفعي وصاروخي، لكنهم سقطوا، إثر انعدام مادة الأوكسجين والأدوية والمستلزمات الطبية، نتيجة الحصار الذي عانت منه مديريات وسط المدينة.
"كنت أدخل العناية المركزة فكأنني دخلت حضانة أطفال. أغلب من هناك من الأطفال، كالطفل فريد الذي أطلق عند وصوله المستشفى نداء "لا تقبروناش" (لا تدفنونا)"، حسب الطبيبة. (اشتهرت بعدها هذه العبارة في الأوساط الشعبية اليمنية).
وتوضح "ليلة وفاته (فريد) سحبت له دم أنا وزميل ممرض بصعوبة، وكانت آخر ليلة يشعر فيها بألم. توفي بعدها"، قالت أسمهان بحزن شديد.
أنقذني بقطرة دم!
ذات يوم، بينما كانت أسمهان تمرّ في قسم الطوارئ، استوقفها شاب جريح وخاطبها: "يا دكتورة أنقذيني بقطرة دم" ثم أغمض عينيه فيما يشبه الإغماء. كانت نسبة دم الطبيبة منخفضة لأنها سبق وأن تبرعت للكثيرين لأن فصيلة دمها نادرة. نصحها الزملاء ألا تتبرع بالمزيد من الدم "لكنني صممت أن أنقذ حياته".
بعدها، أطلقت أسمهان حملة في المدينة للتبرع بالدم تحت عنوان "أنقذني بقطرة دم".
وتستذكر قصة الطفلة عصماء التي كانت ترقد في العناية المركزة بعدما تعرضت لرصاصة قناص حوثي وطلب أهلها نقلها خارج اليمن وكانت تعز محاصرة. نقلوها عبر طالوق وبعدما وصلت مطار عدن توفيت على الفور قبل نقلها للخارج. "لم نكن في المشفى قادرين على إنقاذ حياتها".
ولم تنسذ قصة الأم التي "صفعت" مسلحا حوثيا بعدما شتمها في معبر الدحي الذي كان خاضعا لسيطرة الحوثيين ليرد عليها المسلح الحوثي برصاص على ظهرها.
"أسعفت السيدة إلى مستشفى الثورة وكان أولادها حولها يبكون بشدة في منظر لن أنساه ما حييت. توفيت هي الأخرى أيضا"، وفقا لأسمهان.
قبل كورونا.. الكوليرا
عندما اجتاح وباء الكوليرا مدينة تعز واليمن عموما شاركت أسمهان بحملات توعيه وتوزيع مواد نظافة للوقاية من الوباء في أحياء مختلفة من مدينة تعز.
توضح: "في أحد الأيام ونحن في مهمة توعية وتوزيع مواد النظافة هطلت علينا أمطار غزيرة ونحن في منطقة مهمشين يقطنون في خيام. كانت خيامهم وما بداخلها تغرق بالمياه.. لم أعد أدري ما الذي أفعله وهل التوعية كافيه لتخفيف مأساتهم. بكيت بشدة في تلك اللحظات".
وتؤكد أسمهان قائلة: "بعد ست سنوات من الحرب أحس أنه تاهت منا الأهداف وانحرفت البوصلة. يجب إيقاف الحرب في اليمن، على العالم أن يسعى من أجل ذلك".
وتوضح أن مدينتها (تعز) تدفع منفردة كل يوم فاتورة باهظة لهذه الحرب "اللعينة" نتيجة الحصار الذي تعاني منه منذ ست سنوات والألغام المزروعة في كل اتجاه. "تحاول تعز النفاذ منه إلى النور".
وتختتم أسمهان حديثها قائلة: "لو عاد بي الزمان ومرت تعز بما مرت به طوال فترة الحرب خاصة في سنواتها الأولى وغادر الأطباء المستشفيات سألبي النداء لخدمة أبناء مدينتي".
