العالم

كورونا وحرب وارتفاع أسعار في اليمن

غمدان الدقيمي
06 أبريل 2020

رغم عدم تسجيل أي إصابة بفيروس كورونا حتى الآن في اليمن، إلا أن أسعار المواد الغذائية في صنعاء وعدن ارتفعت بشكل جنوني مع حالة الهلع القائمة من فيروس كورونا القاتل.
وسجل سعر صرف الريال اليمني اليوم مقابل الدولار (596 ريال مقابل الدولار الواحد) في صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وسجل في محافظة عدن العاصمة المؤقتة للبلاد (656 ريالا مقابل الدولار الواحد).
وكان سعر الصرف بنهاية يناير الماضي في صنعاء (570 ريالا للدولار)، وفي عدن (620 ريالا للدولار الواحد)، فيما كان مستقرا قبل الحرب عند 215 ريالا.

استغلال
يقول سعيد مصلح، إن تزامن أزمة كورونا مع قرب شهر رمضان أدى إلى رفع "الأسعار بشكل غير معقول، نحن لا نستطيع تحمل ذلك وضعنا سيء جدا بسبب الحرب".
ويضيف المواطن اليمني لموقع (ارفع صوتك) أن "الأسعار تختلف أيضا من محل إلى آخر هناك تلاعب كبير واستغلال للناس في ظل هذه الأزمة المسماة كورونا".
ويؤكد سعيد أن وزارة الصناعة والتجارة غائبة تماما ولا دور لها يذكر في الرقابة على المحلات التجارية. 

 

أرقام حول الأسعار
وارتفعت أسعار اللحوم والسلع الأساسية والخضروات والمعلبات بشكل متفاوت على الرغم من انخفاض أسعار النفط عالميا ومحليا. 
ووصل حاليا سعر كيلوجرام واحد من لحم الخروف في صنعاء إلى 7000 ريال (11.7 دولار أمريكي)، مقارنة بـ 6000 ريال  (10 دولارات) قبل حوالي ثلاثة أشهر، و 1500 ريال (2.5 دولار) عام 2011.
وبلغ سعر لحم الدواجن المحلية 3000 ريال يمني للدجاجة متوسطة الحجم، مقابل 2500 قبل ثلاثة أشهر، و 800 ريال قبل عام 2014.
وقبل الحديث عن كورونا، كان سعر الكيلو جرام من التمر بـ900 ريال. أما الآن فيتجاوز 1200 ريال.
وارتفع سعر السكر (50 كجم) البرازيلي إلى نحو 18 ألف ريال يمني، مقارنة بـ 16 ألف ريال قبل ثلاثة أشهر، و8 آلاف ريال عام 2014.
وكان متوسط سعر الأرز التايلندي (50 كجم) بـ 15 ألف ريال، ليصل مؤخرا إلى أكثر من 17 ألف ريال، وكالمثل ارتفعت أسعار مختلف أنواع الأرز الأخرى.
وارتفع سعر دقيق القمح (50 كجم) ما بين 1000 إلى 2000 ريال بعد تفشي كورونا في الدول المجاورة والعالم، وكالمثل بالنسبة للزيوت.
كما ارتفع سعر 25 كجم من الحليب من 47 ألف ريال إلى حوالي 52 ألف ريال بسبب أزمة كورونا.

 

احتيال غير مبرر
ويلقي محمد طاهر، وهو مالك سوبرماركت صغير لبيع المواد الغذائية في صنعاء، باللوم في ارتفاع الأسعار على "التجار الجشعين"، ويقول "رفعوا الأسعار بشكل جنوني بمجرد الحديث عن كورونا، البعض منهم يبرر أن السبب اغلاق المنافذ وعدم إمكانية وصول مواد أساسية وغذائية خلال الفترة القليلة المقبلة، والبعض الآخر يتخوف من حظر التجوال وبالتالي رفعوا الأسعار".
ويضيف محمد لموقعنا، أن "المواطنين أيضا تسببوا بأزمة خاصة الذين ظروفهم جيدة أقبلوا على الشراء بكميات كبيرة وهذا دفع البائعين إلى استغلال الوضع ورفع الأسعار".
ويشير إلى أن هذا الوضع يؤثر سلبا على غالبية المواطنين الذين يشترون احتياجاتهم بشكل يومي وغير قادرين على تخزين كميات كبيرة من السلع. 

وتتفاجأ ثريا ناصر، وهي سيدة يمنية وأم لأربعة أطفال، من اختلاف الأسعار للمادة الواحدة بين المحلات.
وتقول "كل بقالة وسوبر ما ركت تبيع بسعر مختلف، للأسف لا توجد رقابة على الأسعار هنا في اليمن".

 

المواد الطبية
صحيا، ارتفع سعر العلبة الصغيرة من الكمامات من 400 ريال يمني (0.67 دولار أميركي) قبل ظهور فيروس كورونا إلى حوالي 4000 ريال (6.7 دولار أميركي) حاليا، قبل أن تنعدم كليا من بعض الأسواق في بعض المدن اليمنية.
كما ارتفعت أسعار المعقمات ومواد النظافة بشكل متفاوت.
ولم تسجل اليمن أي حالة إصابة مؤكدة بفيروس كوفيد-19.
وقال ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن ألطف موساني، الاثنين الماضي، إنه "في الإقليم الذي نقيم فيه تبقى اليمن هي الدولة الوحيدة التي لم تسجل أي إصابات بالوباء العالمي حتى صباح أمس الأحد".
وأعلنت السلطات الصحية المنقسمة بين عدن وصنعاء، تجهيز محاجر طبية بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، في المحافظات اليمنية، مع تزايد حالات الإصابة في دول الجوار الخليجي وعلى وجه الخصوص السعودية وسلطنة عمان.

 

لا رواتب
وتسببت الحرب المستمرة في اليمن منذ أكثر من خمس سنوات في ارتفاع الفقر بنسب قياسية، فاقت 90% بنهاية 2015 مقارنة بـ 49% عام 2014.
وخلال السنوات الثمانية الماضية، انزلق مزيد من اليمنيين إلى تحت خط الفقر الوطني المقدر بـ50 دولارا للفرد في الشهر (600 دولار في العام).
علاوة على ذلك، تنصلت الأطراف المتصارعة من دفع رواتب أكثر من 500 موظف حكومي انقطعت رواتبهم منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وقد اشتدت الأزمة الإنسانية مع ما يقرب من 16 مليون شخص يستيقظون جوعى كل يوم.
وبسبب الحرب أيضا، ارتفع عدد اليمنيين الذين يحتاجون لمساعدات إنسانية إلى نحو24.1 مليون شخص من أصل 28 مليون.
 

غمدان الدقيمي

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.