العالم

بابا وخليفة وإمبراطور.. زعماء قتلهم الوباء

خالد الغالي
07 أبريل 2020

كان ملفتا أن تتحدث صحف العالم عن أن كورونا "يصيب الأغنياء"، كما يصيب الفقراء، وأنه يوزع أهدافه بـ"التساوي"، فيصيب زعماء السياسة ورجال الأعمال والشخصيات المشهورة أيضا. بل، إن بعضهم وصفه بأنه "فيروس اشتراكي".

لكن الأوبئة  كانت في الحقيقة هكذا  في أغلب الأوقات.

يرصد هذا المقال خمس شخصيات كبرى كانت على رأس هرم الدولة السياسي أو الديني في وقتها، لكنها سقطت صريعة أمام وباء اجتاح بلادها.

  • البابا بلاجيوس الثاني

شغل البابا بلاجيوس الثاني منصب بابا الكنيسة الكاثوليكية مدة 11 عاما بين سنتي 579م و590م. وهو البابا رقم 63. في نهاية سنة 590، اجتاح الطاعون العاصمة روما. وكان بلاجيوس الثاني أحد ضحاياه.

شغل بلاجيوس الثاني منصب بابا الكنيسة الكاثوليكية مدة 11 عاما.
  • الخليفة الظاهر الفاطمي

الظاهر لإعزاز دين الله، الخليفة السابع في الدولة الفاطمية والإمام السابع عشر لدى الشيعة الإسماعيلية. حكم مصر وسوريا صغيرا في عمر 16 عاما، لكنه توفي صغيرا أيضا بسب الطاعون سنة 1036م، ولم يتجاوز عمره 30 عاما.

تميزت فترة حكم الخليفة الظاهر بانتشار مهول للأمراض والأوبئة في مصر. يقول محمد بركات البيلي في كتابه "الأزمات الاقتصادية والأوبئة في مصر الإسلامية" نقلا مؤرخين مصريين قدامى: "في خلافة الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي، فشتِ الأمراض، وكثر الموت في الناس في سنة 415 هـ، وانشغل الناس بما هم فيه من وباء عن الاحتفال بليلة الميلاد (النبوي)، وتواتر الوباء والموت، حتى لم يكن يخلو منزل واحد من عددٍ من المرضى.. واختُتمت خلافة الظاهر بوباء آخر حل بمصر سنة 426هـ، لم يعش الظاهرُ بعده طويلا".

  • سلطان المغرب أحمد المنصور الذهبي

أقوى سلاطين الدولة السعدية في المغرب. حكم 25 عاما، بين سنتي 1578م و1603م. بويع بالولاية عقب معركة وادي المخازن التي انتصر فيها المغرب على البرتغال وتوفي فيها أخوه السلطان عبد الملك وابن عمه السلطان محمد المتوكل وملك البرتغال دون سيباستيان (لذلك سميت بمعركة الملوك الثلاثة).

عقب وفاته، دفن أحمد المنصور الذهبي في فاس أولا ثم نقل إلى مراكش.

في عهده، وصلت الدولة السعدية إلى أقصى امتداد لها، إذ ضم المغرب آنذاك أجزاء كبيرة مما كان يعرف ببلاد السودان بما فيها منطقة تومبكتو في دولة مالي حاليا.

لكن المنصور الذهبي سقط قتيلا بسبب الطاعون الذي انتشر في المغرب خلال تلك الفترة. 

يقول القاضي المغربي عبد الرحمن التمنارتي الذي كان معاصرا للسعديين، في كتابه "الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة"، عن هذا الطاعون: "لم يدع بيتا إلا صدعه، ولا بابا إلا قرعه، ولا جمعا إلا فرقه، ولا داخلا إلا طرقه، حتى اغتال الملك المنصور، وكل أسد هصور".

  • ملك فرنسا لويس التاسع

حكم لويس التاسع فرنسا مدة 44 عاما بين سنتي 1226 و 1270. وكان ملكا متدينا، قاد حملتين صليبيتن لاستعادة بيت المقدس.

قاد لويس التاسع حملتين صليبيتين قبل أن يقتل في تونس بسبب الطاعون.

فبعدما فشلت حملته الأولى على مصر، قاد حملة ثانية على تونس (الحملة الصليبية الثامنة) التي وصلها سنة 1270م، لكن جيشه أصيب بالطاعون، وأصيب هو الآخر ليسقط قتيلا بسبب هذا الوباء بعد خمسة أسابيع فقط من وصوله إلى مدينة قرطاج، وفق ما يقول المؤرخون.

لكن دراسة طبية حديثة ترجح أن يكون لويس التاسع توفي بسبب نقص حاد في الفيتامين "سي" أدى إلى إصابته بمرض الأسقربوط. وبنت هذه الدراسات خلاصاتها من فحص عظام فك الملك الفرنسي التي ما تزال محفوظة حتى الآن.

والملك لويس التاسع يعد قديسا مسيحيا أيضا (القديس لويس)، إذ قامت الكنيسية بتطوبيه سنة 1297م. وهو ملكة فرنسا الوحيد الذي حظي بهذا الشرف.

  • الإمبراطور هوستيليان

لم يدم حكم هوستيليان على رأس الإمبراطورية الرومانية سوى أشهر قليلة بين يوليوز ونوفمبر سنة 251م.

وجاء حكمه في فترة تميزت بالكثير من الاضطرابات، فأبوه الإمبراطور ديكيوس وشقيقه هيرنيوس إتروسكوس قتلا معا في معركة أبريتاس ضد القوط.

وجه الإمبراطور هوستيليان على قطعة نقدية رومانية.

وحتى لما حكم هوستيليان لم يكن يحكم بمفرده فقد كان إلى جانبه إمبراطور شريك هو تريبونيانوس غالوس.

توفي هوستيليان بسبب الطاعون الذي اجتاح روما سنة 251م. ولا يعرف كم كان عمره حينها، إذ إن تاريخ ولادته مجهول.

خالد الغالي

مواضيع ذات صلة:

الكعبة
ارتبطت شعيرة الحج بالسياسة منذ فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي.

يحظى الحج بأهمية كبرى عند المسلمين، فهو أحد أبرز الفرائض الرئيسية في الدين الإسلامي. إلى جانب مضامينه الروحية، ارتبط الحج -بشكل قوي- بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.  كيف تأثرت تلك الفريضة الدينية بالمتغيرات السياسية التي عرفتها البلاد الإسلامية؟ وما هي أبرز الحوادث التي اُستخدم فيها الحج للتعبير عن الخلافات والنزاعات حول السلطة؟

 

زمن الأمويين والعباسيين

ارتبطت شعيرة الحج بالسياسة منذ فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي. في ستينات القرن الأول الهجري، ثار عبد الله بن الزبير على السلطة الأموية. واتخذ من مكة عاصمة لحكمه، بينما بقي الأمويون يحكمون من دمشق. في تلك الأثناء، تم استغلال موسم الحج لإقناع الحجاج بالانضمام لابن الزبير. رد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على ذلك بمنع أهل الشام من الخروج للحج.

في سنة 73 هجرية، انقلبت الأوضاع رأساً على عقب. تمكن الجيش الأموي، بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي من حصار ابن الزبير في مكة. "وحَجَّ الحَجَّاج بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور... ولم يحج -أي ابن الزبير- ذلك العام ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة"، وذلك بحسب ما يذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك".

تكرر الموقف في أربعينيات القرن الثاني الهجري، وذلك بالتزامن مع اشتعال الثورة العلوية في الحجاز ضد الحكم العباسي. منع والي مصر العباسي خروج رعاياه لأداء فريضة الحج خوفاً من تأثرهم بالدعاية السياسية العلوية، "فلم يحجّ في تلك السنة أحد من مصر ولا من الشام؛ لما كان بالحجاز من الاضطراب من أمر بني الحسن"، وذلك بحسب ما يذكر ابن تغري بردي في كتابه "النجوم الزاهرة".

 

"درب زبيدة".. من قوافل الحج والتجارة إلى قائمة التراث العالمي
عُرف طريق الحج الكوفي باسم "درب زبيدة" نسبة إلى زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي تكفلت بعمارته، وأنشأت العديد من الآبار والبرك وأماكن الاستراحة على طول الطريق إلى مكة. بعد أن كان الحجاج يعانون من وعورة الطريق وشح المياه، ليُخلد الطريق ذكرها منذ ذلك التاريخ.

من جهة أخرى، تجلت أهمية الحج كحدث مركزي في العبادات الإسلامية في مجموعة من المواقف السياسية المهمة. على سبيل المثال، استغل الخليفة العباسي هارون الرشيد قيامه بالحج في سنة 186ه، ليعلن عهده إلى ولديه الأمين والمأمون. اصطحب الرشيد ابنيه معه في رحلة الحج "واستكتب كلاً منهما عهداً بما عليه وله قبل الآخر، وعلَّق العهدين بالكعبة"، وذلك حسبما يذكر الكاتب أحمد فريد رفاعي في كتابه "عصر المأمون".

في القرن الرابع الهجري، استغل القرامطة الأهمية الرمزية لشعيرة الحج في قلوب المسلمين لإثبات تفوقهم العسكري على الخلافة العباسية. في سنة 317هـ، تمكن القرامطة -بقيادة أبي طاهر الجنّابي- من مهاجمة مكة. وبعدها، اقتلعوا باب الكعبة والحجر الأسود. وحملوه معهم إلى هَجَر، الواقعة شرقي شبه الجزيرة العربية. وتسببت تلك الحوادث في تعطيل الحج لسنين متواصلة.

 

من عباس الصفوي إلى تأسيس السعودية

وقع الاستغلال السياسي للحج أيضاً في عصر الدولة العثمانية. سيطر العثمانيون على الحجاز، وأعلنوا حمايتهم للحرمين الشريفين. واستغلوا ذلك في دعايتهم السياسية ضد أعدائهم من الصفويين.

بالمقابل، حاول الشاه عباس الصفوي أن يقلل من منزلة الحج لدى رعيته في إيران. يذكر عبد العزيز بن صالح في كتابه "عودة الصفويين" إن الشاه حاول أن يقنع الإيرانيين بالتخلي عن أداء فريضة الحج. ووجه اهتمامه لتعظيم مقام الإمام علي الرضا، ثامن الأئمة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، في طوس. ودعا الإيرانيين لزيارة المقام والتبرك به. ولتشجيعهم على ذلك، سافر عباس سيراً على الأقدام من أصفهان إلى مشهد، وقطع في هذه الرحلة ما يزيد عن 1200 كيلو متر على مدار 28 يوماً.

الأهمية السياسية لشعيرة الحج ظهرت بشكل أكثر وضوحاً في بدايات القرن العشرين، بالتزامن مع اندلاع "الثورة العربية الكبرى" ضد العثمانيين في سنة 1916م. يذكر الباحث لوك شانتر في كتابه "الحج في الحقبة الاستعمارية" أن الإشراف على فريضة الحج كان أحد المسائل المُتنازع عليها بين علي بن الحسين، شريف مكة، وابن سعود، أمير نجد.

يقول شانتر إن شريف مكة كان يرى في الحج "رمزاً لاسترجاع استقلالية مملكته ووسيلة لتأكيد طموحاته بإقامة الخلافة، لكن إدارته العشوائية جداً للحج أسهمت في التقليل من قيمته في نظر القوى الاستعمارية والأمة الإسلامية الدولية، فالحج هو معيار للحكومة الرشيدة. وهذا ما أدركه أمير نجد، ابن سعود، الذي وضع الحج ضمن مخططه لاسترداد الحجاز ولعب بذكاء على هذين الجانبين، الجانب الدبلوماسي من خلال تسهيل حج الرعايا المسلمين التابعين للإمبراطوريات أثناء حرب الحجاز وحمايتهم، وجانب الشرعية من خلال تقديم نفسه كمجدد لمؤسسة أضاعت هيبتها المملكة الهاشمية".

من جهة أخرى، ارتبط موسم الحج بالمحمل المصري، والذي اختلطت فيه الرموز الدينية والسياسية معاً. مع وصول المماليك للحكم، بدأت عادة إرسال كسوة الكعبة سنوياً إلى مكة في موكب عظيم واحتفال مهيب. عُرف هذا الموكب باسم المحمل، ورمز إلى تبعية الحجاز لسلاطين مصر. ظلت تلك العادة المتبعة سارية لقرون عديدة. وفي سنة 1926م، دارت حولها بعض الأحداث الدامية. عندما وصل المحمل المصري إلى مكة، قام بعض الرجال المسلحين التابعين لابن سعود بإطلاق النيران على القافلة المصرية بسبب رفضهم عزف الموسيقى العسكرية المصاحبة لوصول المحمل. رد عليهم المصريون بإطلاق النيران، وسقط بعض القتلى والجرحى من الجانبين. بيّن ذلك الحدث رفض الدولة السعودية الناشئة الاعتراف بسلطة ملوك مصر. بعد تلك الحادثة، عاد المحمل المصري مرة أخرى إلى الحجاز. ولكن في سنة 1962م، توقفت تلك العادة بشكل نهائي. وذلك بسبب الخلافات السياسية الكبيرة التي نشبت بين الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، وملوك الدولة السعودية.

 

إيران وقطر

في العصر الحديث، ارتبط الحج بالعديد من الأحداث السياسية المهمة. على سبيل المثال، في سنة 1987، قام عدد كبير من الحجاج الإيرانيين بالتظاهر في مكة، وحملوا صور مرشدها الأعلى الخميني، كما رفعوا لافتات مهاجمة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. تسببت تلك المظاهرات في اندلاع أحداث عنف بين الحجاج الإيرانيين من جهة والشرطة السعودية من جهة أخرى. عبرت تلك الأحداث عن الخلافات السياسية العميقة بين الجمهورية الإيرانية، والمملكة العربية السعودية.

في سنة 2015م، تصاعد الخلاف بين إيران والسعودية مرة ثانية بسبب الحج. في تلك السنة، توفى ما يزيد عن 700 حاج في حادث تدافع بمنطقة منى في موسم الحج. على إثر تلك الحادثة، قام العديد من المسؤولين الإيرانيين بمهاجمة الحكومة السعودية. على سبيل المثال، قال المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي: "هناك الكثير من الأسئلة التي يطرحها العالم الإسلامي في هذا المجال، وعلى حكام السعودية أن يعتذروا للأمة الإسلامية وللأسر المفجوعة ويتحملوا المسؤولية عن هذا الحادث بدلاً من اللجوء إلى الإسقاط وإلقاء اللوم على الآخرين".

في السياق نفسه، هاجم نائب رئيس مجلس خبراء القيادة الأسبق، محمود الهاشمي الشاهرودي الإدارة السعودية للحج، ووصفها بأنها "لا تصلح بأي شكل كان لتولي إدارة الحرمين الشريفين" وطالب بـ"تولي إدارة إسلامية لائقة للحرمين الشريفين وشؤون الحج والعمرة الواجبين على المسلمين في كل العالم تشترك فيها كافة الدول الاسلامية بعيداً عن ممارسات الحكومة المحلية".

في سنة 2017م، ارتبط الحج بمجموعة من المشكلات الدبلوماسية التي نشبت بين بعض الدول العربية وبعضها البعض. في الخامس من يونيو من تلك السنة، أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر بسبب اتهامها بدعم جماعة الإخوان المسلمين وبعض التيارات الإسلامية. في هذا السياق، تم إغلاق الحدود بين السعودية وقطر، ورفضت الرياض نقل الحجاج القطريين إلى أراضيها عن طريق خطوط الطيران القطرية. اُعترض على تلك القرارات من جانب الحكومة القطرية. وأعربت وزارة الخارجية القطرية عن رفضها ما سمته الاستغلال السياسي لفريضة الحج، واستغربت إعلان السعودية قصر نقل الحجاج القطريين على الخطوط الجوية السعودية فقط، وقالت إنه" "أمر غير مسبوق وغير منطقي".

من جهته، ألقى وزير الخارجية السعودي الأسبق، عادل الجبير بالمسؤولية على عاتق الدوحة، واتهم قطر بتسييس قضية الحج بهدف النيل من المملكة العربية السعودية. على إثر تلك الاعتراضات المتبادلة، قررت الرياض في نهاية المطاف، فتح الحدود البرية أمام الحجاج القطريين. ووجه الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، بإعفاء الحجاج القطريين من التصاريح الإلكترونية لدخول المملكة العربية السعودية. ووافق على إرسال طائرات خاصة تابعة للخطوط الجوية السعودية إلى مطار الدوحة لنقل كافة الحجاج القطريين واستضافتهم بالكامل على نفقته الخاصة.