العالم

المسافرون العالقون.. ممنوع العودة بأمر كورونا!

غمدان الدقيمي
09 أبريل 2020

مئات وربما آلاف المسافرين خارج بلدانهم يقضون أياما صعبة بسبب تداعيات فيروس كورونا، إذ باتوا غير قادرين على العودة إلى بلدانهم بعد تعليق الرحلات الجوية في مسعى للوقاية من انتشار هذا الفيروس القاتل.

"ارفع صوتك" تحدث إلى اثنين من العالقين.  

ربما نبيت في الشارع"

نصر المريسي، شاب يمني توجه مطلع العام 2019 إلى السودان بغرض دراسة  طب الأسنان. وعندما قرر العودة إلى بلاده قبل ثلاثة أسابيع، بعدما أغلقت الجامعات السودانية أبوابها، فوجئ بأن اليمن أغلق مجاله الجوي أمام الرحلات الدولية، على خلفية تفشى فيروس كورونا في العالم ودول الجوار الخليجي.

يقول المريسي (24 عاما): "عدد العالقين هنا كبير جدا. كلنا طلاب. بسبب كورونا توقفت الدراسة إلى أجل غير مسمى. أنا أجلس في السكن ولا أخرج إلا نادرا ولوقت قصير جدا. نريد العودة. بلغنا السفارة اليمنية في الخرطوم. وعدتنا بالبحث عن حل لكن لم نتلق أي رد".

يضيف المريسي، الذي يدرس في السودان على حسابه الخاص، أنه مضطر في هذا الوضع على تحمل تكاليف السكن والغذاء والتي تتجاوز 800 دولار شهريا. "لا طاقة لي على تحمل هذه التكاليف وأسرتي في اليمن قلقة علي".

ويطالب المريسي السفارة اليمنية في الخرطوم -إذا لم تستطع مساعدتهم في السفر إلى اليمن- توفير إقامة له ولأصدقائه. "وضعنا المادي صعب ونحتاج إلى من يساعدنا. ربما نبيت في الشارع إذا طال موضوع كورونا وعجزنا عن العودة إلى بلادنا".

ومطلع آذار/مارس الماضي، أغلق اليمن مجاله الجوي أمام أي رحلات قادمة من خارج البلد.

ويوم الاثنين قبل الماضي أقرت اللجنة الوطنية العليا للطوارئ لمواجهة وباء كورونا، في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، عدداً من الإجراءات والتدابير الاحترازية، بينها تمديد إغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية لمدة أسبوعين آخرين ابتداء من 1 أبريل 2020م.

مزعج جدا وخصوصا لوالدتي

سافر اليمني جمال الصبري ووالدته، مطلع مارس الماضي لحضور جنازة والده الذي توفي في العاصمة المصرية القاهرة واستحال نقله إلى اليمن للدفن. لكنهما عندما قرروا العودة في 20 مارس بعد مراسم العزاء فوجئ بإغلاق اليمن لمجاله الجوي، ما جعل جمال ووالدته مجبرين على البقاء في القاهرة.

"إغلاق المجال الجوي كان مزعجا جدا، خصوصا لوالدتي التي لم تعد تحتمل البقاء في القاهرة بعد وفاة والدي وكذلك شقيقتي لكونها متزوجة وأطفالها في مدينة تعز (جنوبي غرب اليمن)".

ويقول جمال الصبري إنه تواصل مع السفارة اليمنية في القاهرة دون جدوى.

يضيف الصبري "وضعنا الحالي صعب جدا. أولا لأننا نمر بظرف عائلي صعب، وثانيا بسبب الإجراءات المتبعة بسبب وباء كورونا. نحن تقريبا منذ ثلاثة أسابيع لا نغادر المنزل. أمي تعاني من أمراض مزمنة والجلوس في المنزل يفاقم مشاكلها الصحية".

ويعتقد الصبري أن اليمن اتخذت إجراء اغلاق مجالها الجوي دون دراسة. "كل الدول التي تتخذ مثل هذا الإجراء تكون درسته ولها خطط وعلى علم باحتياجات مواطنيها العالقين. نحن حتى الآن لم يتواصل معنا أحد بشكل رسمي".

"هنا في القاهرة غلاء في المعيشة وقلة من يستطيعون تحمل النفقات. غالبية اليمنيين العالقين يعانون الجوع. نحن مع الإجراءات التي تحول دون وصول الوباء إلى اليمن لكن مع مراعاة مصلحة الناس العامة"، يقول جمال الصبري.

ويرى ضرورة أن تستأنف السلطات اليمنية الرحلات الجوية مع إلزام العائدين بالحجر المنزلي لمدة 14 يوما كما هو معمول في كثير من دول العالم خاصة التي أجلت رعاياها من بلدان أخرى.

عالقون من كل مكان

أظهرت فيديوهات قبل أسابيع قليلة على موقع "تويتر" علق العديد من الجزائريين في مطار القاهرة الدولي، ما أدى إلى احتجاجهم على بلادهم مطالبين بإجلائهم.

وقال أحد العالقين إنهم قضوا ليلة بكاملها في المطار، وإن العديد من الأشخاص بينهم أطفال يعيشون ظروفا صعبة.

وبالمثل، أظهر فيديو مجموعة من المغاربة العالقين في إسبانيا الذين طالبوا هم أيضا بالعودة إلى بلادهم.

وتسببت أزمة تعليق الرحلات الجوية في مبادرات متعددة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أطلق مصريون وسم "#احنا_في_ظهرك" لدعم المصريين العالقين في مطارات العالم.

هذا الوسم دفع بمصريين خارج بلدهم إعلان استعدادهم لمساعدة مواطنيهم بتوفير السكن وحتى بإقراضهم الأموال إلى أجل لاحق.

وكانت دول عربية عدة كمصر والسعودية والجزائر أعلنت قبيل إيقاف مجالها الجوي فتح المجال لرعاياها بالعودة برا وجوا، وحددت مواعيد لذلك، وأجلت مئات من مواطنيها المغتربين في بلدان أخرى.

وتخشى البلدان التي لم تقم بأي عمليات إجلاء لمواطنيها العالقين كاليمن من وجود حالات إصابة بين العائدين بفيروس كورونا.

لكن مع ذلك، يطالب ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بضرورة إيجاد حلول سريعة للمواطنين العالقين خارج بلدانهم ممن كانوا يرغبون بالعودة بعد تفشي فيروس كورونا.

وبدأت العراق منذ الأول من أبريل الجاري عملية إجلاء نحو 1300 عراقي موجود في الأردن إلى بلادهم، عقب إغلاق الحدود البرية والجوية بين البلدين ضمن إجراءات الحد من انتشار فيروس كورونا.

وأعلنت الخارجية العراقية هذا الأسبوع عن تكفلها بإرسال 3000 دولار أميركي لكل مواطن عراقي عالق خارج البلد بسبب فيروس كورونا.

لكن وزير الخارجية العراقي، محمد علي الحكيم، أوضح أن الأموال التي تتكفل الوزارة بإرسالها هي من أموال عوائل المواطنين التي ترغب بإيصالها إليهم وليس أموال حكومية.


 

غمدان الدقيمي

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.