العالم

لتقوية مناعتك وتخفيف التوتر.. باحثون: اكتب يومياتك

رحمة حجة
23 أبريل 2020

ثلث سكان العالم يخضعون اليوم لإجراءات منع التجوّل والحجر الصحّي، الجزئي والشامل، منعاً لتفشّي فيروس كورونا، فيما بدأت بعض الدول بتخفيف إجراءات الإغلاق تدريجياً، تأهباً لمرحلة التعافي.

وحتى قبل إعلان منظمة الصحة العالمية عن كوفيد-19 باعتباره وباء عالمياً (جائحة) في 11 مارس الماضي، بدأت دول في العالم إجراءات وقائية منعاً لانتشار العدوى، منها الحجر المنزلي مدة 14  يوماً، أو إتاحة العمل من داخل المنازل حتى إشعار آخر.

هذا الأمر، دفع الكثير من الناس حول العالم، وبلغات مختلفة، وطرق عديدة، لتوثيق يومياتهم من داخل بيوتهم أو أماكن عملهم.

وربما لأول مرة تاريخياً، يصلنا هذا الزخم النوعي والكمّي من يوميات سكان العالم، بسبب سهولة الوصول عبر مواقع وأدوات التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن سبب التوثيق: كتابياً، أو صورياً (صورة، فيديو، رسماً) أو مسموعاً، هو نفسه.

وشهدنا في سنوات سابقة تدوين عشرات الكتاب والنشطاء في مواقع التواصل، خصوصاً فيسبوك، تحول بعضها لاحقاً إلى كتب، ومنها ما لم يخرج للعلن حتى طُبع في كتاب أو بقي في أرشيف صاحبه.

أمّا إن كنت تكتب وتنشر، أو تكتب لنفسك فقط، وربما يقرأك بعض المقرّبين، فإن باحثين ينصحونك بالاستمرار، لعدة أسباب.

التأثير النفسي والجسدي

تقول لنا مجلة "Psychology Today" المختصة بموضوعات الصحة النفسية، إن كتابة اليوميات هي إحدى آليات التأقلم المثبتة، مع الواقع المسبّب للقلق والتوتر والاكتئاب.

فمع زيادة أيام العزل الاجتماعي والحجر الصحّي وفقدان الأحبّة وتوقف الأعمال وخسارة الملايين حول العالم لوظائفهم، تقع صحتنا النفسية والعقلية في مأزق كبير، ونحتاج قارب نجاة.

 

وحسب مقال للمجلة، نشرته، الأربعاء، توجد أدلة كثيرة على أن تسجيل الأفكار والمشاعر بشكل منتظم يساعد الناس في التعرّف على المشاعر السلبية ومعالجتها، بالتالي يخفف القلق.

وفي عام 2005 تم نشر مراجعة واسعة حول هذا الموضوع، من قبل باحثين أستراليين ضمن مفهوم "الكتابة التعبيرية"، التي تنطوي على الكتابة حول تأثير الأحداث المؤلمة على الصحة البدنية والعقلية.

وتضمنت ورقتهم تحليلًا لـ 13 دراسة وجدت أن الكتابة التعبيرية تحمل فائدة صحية مماثلة للتدخلات النفسية الأخرى، مثل العلاج بالكلام.

ووجد الباحثون أن الكتابة التعبيرية أدت إلى:

انخفاض ضغط الدم

* تحسين عمل الجهاز المناعي

* زيارات أقل للطبيب

* قصر مدة الإقامة في المستشفى

* تحسين المزاج وتقليل أعراض الاكتئاب

* تحسين أداء الذاكرة 

ووفق هذه المراجعة، فإن كتابة اليوميات "تساعد على  مواجهة العواطف التي كان أصحابها يتجنبونها، ومعالجة ما حدث لهم إدراكياً. كما أنهم يعيدون النظر في العواطف الصعبة بطريقة محكومة يمكن أن تساعدهم على تجاوزها".

وفي جامعة مينيسوتا الأميركية، توصلت دراسة أخرى تتعلق بالعوامل المساعدة لللاجئين والمهاجرين للولايات المتحدة، الذين عانوا فيما مضى من ويلات الحروب، إلى أن "فرص التعبير الإبداعي مثل الكتابة أو الرسم مكنت الشباب من معالجة صدماتهم وتطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية".

وجاء في المقال نفسه، نتائج دراسة أخرى لجامعة كولورادو، أجريت على طلبة التمريض، مفادها أن "الطلاب الذين احتفظوا بيوميات حول تجربتهم السريرية كان لديهم قلق أقل بشأن رعاية المرضى".

وبناء على ذلك، أطلقت الباحثة الأميركية جانيس ويتلوك، منصّة تفاعلية تتيح لزوّارها المشاركة في كتابة يومياتهم من داخل الحجر المنزلي أو الصحّي، ومن داخل بيوتهم ضمن حظر التجوّل المفروض في مناطق عديدة.

ويطلب المشروع من المشاركين تسجيل "ما يشعرون به والإجابة على أسئلة حول كيفية تأثير الأزمة عليهم واستخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي، ويتلقون يومياً بريداً يدعوهم لكتابة الجديد في دفاتر اليوميات الإلكترونية، غير محدودين بعدد كلمات" وفق المقال.

 أدب اليوميات

يقول الكاتب العراقي، صاحب رواية "مقتل بائع الكتب" محمد رحيم "قد يكون دافع كتابة اليوميات هو الانهمام بالذات، أي تأكيد الطابع الأناني للمرء عبر جعله أناه مركزاً للعالم. وقد تغدو مثل هذه الكتابة أمراً أشبه ما يكون بالتحقيق الجنائي".

ويضيف في مقال له على موقع "الحوار المتمدّن": "تكتب يومياتك لأنك في فضاء آخر، في غير وضعك المألوف، أو خارج بيتك أو بيئتك الصغيرة؛ في مواجهة الاستثنائي والمجهول والمدهش والغريب". 

ومن فلسطين، تدوّن الإعلامية نبال ثوابتة، يوميّاتها مع عائلتها، وتشاركها مع الأصدقاء والمتابعين في فيسبوك، بشكل منتظم، منذ 48 يوماً. 

 

لم تكن ثوابتة تنشر في صفحتها الشخصية على فيسبوك سوى ما يتعلق بعملها، لكنّها قررت كتابة اليوميات بعد انتقالها للعمل من المنزل، بسبب الإجراءات الاحترازية في الأراضي الفلسطينية لمنع انتشار فيروس كورونا.

تقول ثوابتة، لـ"ارفع صوتك": "الكتابة جزء أساسي من حياتي، لكن فكرة اليوميات نتيجة الحاجة لخلق قنوات تواصل مع الأصدقاء والمعارف، بعد أن فقدنا التواصل المباشر معهم في الحياة المهنية والعائلية".

وتضيف "تسعدني التعليقات والمتابعة من الأصدقاء، وعبّر العديد منهم أن قراءتهم ليومياتي صارت جزءاً أساسياً من صباحاتهم، وتمنحهم طاقة بسبب التشابه والتقارب بين حياتهم وحياتنا".

وأصبح لدى ثوابتة "عائلة كبيرة" قوامها أصدقاء ومتابعون يتفاعلون بشكل دائم مع ما تكتب، تقول "أشعر أننا نتبادل الخبرات ونصبّر بعضنا البعض". 

وهذه اليوميات رسمت لها نوعاً من "الالتزام والمسؤولية الاجتماعية" من أجل تعزيز أهمية البقاء في البيت وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى، للحفاظ على حياة المواطنين، والحد من عدد الإصابات بفيروس كورونا.

وتعقيباً على الدراسة حول تأثير كتابة اليوميات على الصحة النفسية، تقول "الكتابة لمن يحبها هي نوع من الاستشفاء، وأنا شخصياً إذا كتبت نصاً جميلاً أشعر بسعادة، وهو شعور مماثل لخروجي لحضور مناسبة سعيدة".

تدوّن أحلام بشارات، يومياتها، بالكتابة النثرية والشعرية والصورة وفيديوهات طهو الطعام. 

والجزء الأول من يوميات بشارات، وهي روائية فلسطينية تكتب لليافعين، ترجم عدد من أعمالها للغات مختلفة،  تمحور حول غذاء الجسد والرّوح (الطعام والموسيقى)، كان فيه عدّ الأيام بالموجب، ثم انتقلت لمرحلة أخرى كان العدّ فيها بالسّالب.

نموذج

يوميات العزلة، العد التنازلي 6

"كان للجميع خطط وفشلت
لقد جاء كورونا في الوقت غير المناسب
مثل عائلة فقدت معيلها نحن الآن
أبونا العجوز على فراش المشفى
ونحن في البيت ننتظر خبرا فاجعاً
لقد هولتُ الأمر منذ البداية فأنقذت نفسي
تغديت بالنهاية قبل أن تتعشى بي
لكني مثل الجميع لم أنجُ
إلا بهذه العزلة
التي أنقر شارعها
كحصان
يمشي لكنه لا يصهل"

تقول بشارات لـ"ارفع صوتك": "منذ اليوم الأول شعرت أن العزلة فرصة، فقررت كتابة يومياتي، حددتها بـ15 يوماً وهي مدة عدم خروجي من البيت، حتى اليوم صفر، ثم بدأت بعد الأيام سالبة".

"ليست استكشافاً للتاريخ الشخصي بل تنحية السابق كله، واعتبار هذه الأيام تاريخاً بحد ذاته،  ومن خلال الكتابة وإعلاء صوت العزلة، كتبت واكتشفت الكثير" تقول بشارات.

والاستمرار في تصوير إعدادها لغدائها اليومي، بداية من الأكلة العائلية الشهيرة "المقلوبة"، كان بسبب "المتعة التي رآها المتابعون في هذه اليوميات" إضافة للأغاني من دول وثقافات متعددة، مثلّت لبشارات اكتشافاً آخر في عزلتها بعيداً عن الأهل والأصدقاء، قريباً من نفسها.

تقول بشارات "اكتشاف الآخر لعزلتي من الخارج واعتبارها جميلة أعطاها مصداقية وجعلها تثق بنفسها، وهذه مفارقة بحد ذاتها، فهي التي اكتسبت صفتها بعيداً عن العالم، لم تر نفسها ومعناها إلا عبره وباعترافه".

ومن منظور آخر، ترى بشارات أن "العزلة غير المنتجة هي عزلة غير معترف بها وشكل من أشكال الانتحار" في إشارة إلى أن الانشغال داخلها يبقي من يعيش فيها سعيداً.

تقول "العقل المنشغل عقل سعيد، والعزلة هي حياة لها شكلها الخاص، أتجنب فيها الفراغ، ربما لذلك ينصح أطبّاء نفسيون بأن يلجأ الناس للكتابة من أجل تفريغ مشاعرهم وتخفيف التوتر، لكنّي شخصياً لا أرى الكتابة بهذا المعنى". 

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

Annual haj pilgrimage in Mecca
صورة حديثة من موسم الحج هذا العام 2024- رويترز

قرابة الألف حاج لقوا حتفهم بسبب درجات الحرارة المرتفعة التي لم تتحملها أجسادهم وهم يؤدّون المناسك الشاقة في مكة هذا العام.

بحسب تقديرات دولية، فإن أغلب المتوفين كانوا مصريين بعدما تجاوز عددهم 658 ضحية بسبب الحر، وكان البقية من إندونيسيا والهند والأردن وتونس وإيران.

تذكرنا هذه الوفيات بوقائع شهدتها مواسم حج سابقة، أدت لمصرع مئات الحجيج، لأسباب متعددة، هذه أبرزها.

 

1- نفق المعيصم

في يوليو 1990 وقع تدافع كبير بين الحجاج داخل نفق المعيصم قرب مكة، أدى إلى وفاة 1426 حاجاً معظمهم من الآسيويين.

خلال هذا الوقت كان النفق قد مرَّ على إنشائه 10 سنوات ضمن حزمة مشروعات أقامتها المملكة السعودية لتسهيل أداء المشاعر المقدسة، شملت إنشاء شبكة واسعة من الطرق والجسور والأنفاق.

السبب الأكثر شيوعاً بحسب ما تداولت وسائل إعلامية آنذاك، هو حدوث عطل في نظام التهوئة داخل النفق، لكن السُلطات الرسمية نفت ذلك.

في صبيحة يوم الحادث -أول أيام عيد الأضحى- احتشد داخل النفق حوالي 50 ألف حاج كانوا في طريقهم لأداء شعيرة رمي الجمرات، سقط بعضهم بسبب التزاحم، الأمر الذي أحدَث حالة من الذعر وسط بعض حشود الحجاج، ما دفعهم لمحاولة الخروج عنوة فوقع التدافع المميت، حسب الرواية التي أعلنتها السُلطات السعودية وقتها.

لاحقًا جرت أعمال تطوير على الجسر وتحويله إلى نفق مزدوج لمنع تكرار هذه الكارثة.

2- مظاهرة الإيرانيين

في عام 1987 إبّان حُكم الثورة الإسلامية، حاولت مجموعة من الحجاج الإيرانيين تنفيذ تعليمات آية الله الخميني بإقامة ما أسماه "مراسم البراءة" وشملت هتافات تهاجم أميركا وإسرائيل وتدعو المسلمين للتوحد.

اعتبرت السُلطات السعودية هذه الطقوس "مظاهرة غير مرخصة" فتدخلت أجهزة الأمن للتعامل معها، مما أسفر عن اشتباكات بين الطرفين أدّت إلى حادث تدافع في مرحلة لاحقة.

انتهت هذه الأحداث بمقتل 402 حاج من بينهم 275 إيرانياً و85 رجل أمن سعودياً وإصابة 649 فردا، بحسب الحصيلة الرسمية المعلنة.

3- حوادث مِنى

في أبريل 1997، ونتيجة اشتعال النيران في خيام الحجاج المتجمعين في مِنى نتيجة استخدام سخّان يعمل بالغاز، قُتل 340 فرداً وأصيب 1500 آخرين.

كرّر هذا الحادث المأساة التي سبَق أن وقعت في ديسمبر 1975 حين اندلع حريق ضخم داخل مخيم للحجاج بسبب انفجار إحدى أسطوانات الغاز، الأمر الذي أدّى إلى مقتل 200 فرد.

بسبب هذين الحادثين تقرر الاعتماد على خيام مُصنّعة من موادٍ غير قابلة للاشتعال كما مُنع استعمال سخانات الغاز خلال أداء المناسك.

4- جسر الجمرات

في مايو 1994 وقع تدافع بين الحجاج خلال عبورهم فوق جسر الجمرات بمنطقة منى في مكة، ما أدى لوفاة 270 حاجاً.

بعدها بأربع سنوات تكرّر التدافع بين الحجاج خلال رمي الجمرات، ما أدى لمصرع 118 فرداً وإصابة 180 آخرين.

5- طريق جسر الجمرات

في سبتمبر 2015 قُتل أكثر من 2230 شخصاً بعدما وقع ازدحام كبير نتيجة تداخل موجتين كبيرتين من الحجاج وصلتا في نفس الوقت إلى تقاطع طُرق في منى خلال سيرهم نحو جسر الجمرات، ليقع أسوأ حادث عرفه موسم الحج خلال 25 عاماً سبقت هذا العام.

بحسب ما ذكرته السُلطات السعودية حينها، فإن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة أدى إلى زيادة الخسائر في الأرواح.

سبَق أن وقعت تلك المأساة في 2006 حين تُوفي 362 حاجاً قبل وصولهم جسر الجمرات بعدما حدث تدافع كبير بينهم عند المدخل الشرقي للجسر.

أيضاً في فبراير 2004 حدث تدافع كبير قرب الجسر، أسفر عن وفاة 251 حاجاً.

6- رافعة الحرم

في 2015 انهارت رافعة ثُبتت فوق المسجد الحرام خلال تنفيذ مشروع ضخم لتوسعته، كانت تنفذه شركة "بن لادن" السعودية منذ أواخر 2012.

وبتأثير الأمطار الغزيرة والرياح العاتية التي اجتاحت المكان، سقطت الرافعة فوق رؤوس الحجاج، لتقتل 110 حجاج وتتسبب في إصابة 209 آخرين.

بسبب هذا الحادث تقرر وقف إسناد مشاريع حكومية لشركة "بن لادن"، كما أمر الملك سلمان بن عبد العزيز بصرف مليون ريال تعويضاً لكل حالة وفاة ونصف مليون ريال لكل مصاب.