العالم

لتقوية مناعتك وتخفيف التوتر.. باحثون: اكتب يومياتك

رحمة حجة
23 أبريل 2020

ثلث سكان العالم يخضعون اليوم لإجراءات منع التجوّل والحجر الصحّي، الجزئي والشامل، منعاً لتفشّي فيروس كورونا، فيما بدأت بعض الدول بتخفيف إجراءات الإغلاق تدريجياً، تأهباً لمرحلة التعافي.

وحتى قبل إعلان منظمة الصحة العالمية عن كوفيد-19 باعتباره وباء عالمياً (جائحة) في 11 مارس الماضي، بدأت دول في العالم إجراءات وقائية منعاً لانتشار العدوى، منها الحجر المنزلي مدة 14  يوماً، أو إتاحة العمل من داخل المنازل حتى إشعار آخر.

هذا الأمر، دفع الكثير من الناس حول العالم، وبلغات مختلفة، وطرق عديدة، لتوثيق يومياتهم من داخل بيوتهم أو أماكن عملهم.

وربما لأول مرة تاريخياً، يصلنا هذا الزخم النوعي والكمّي من يوميات سكان العالم، بسبب سهولة الوصول عبر مواقع وأدوات التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن سبب التوثيق: كتابياً، أو صورياً (صورة، فيديو، رسماً) أو مسموعاً، هو نفسه.

وشهدنا في سنوات سابقة تدوين عشرات الكتاب والنشطاء في مواقع التواصل، خصوصاً فيسبوك، تحول بعضها لاحقاً إلى كتب، ومنها ما لم يخرج للعلن حتى طُبع في كتاب أو بقي في أرشيف صاحبه.

أمّا إن كنت تكتب وتنشر، أو تكتب لنفسك فقط، وربما يقرأك بعض المقرّبين، فإن باحثين ينصحونك بالاستمرار، لعدة أسباب.

التأثير النفسي والجسدي

تقول لنا مجلة "Psychology Today" المختصة بموضوعات الصحة النفسية، إن كتابة اليوميات هي إحدى آليات التأقلم المثبتة، مع الواقع المسبّب للقلق والتوتر والاكتئاب.

فمع زيادة أيام العزل الاجتماعي والحجر الصحّي وفقدان الأحبّة وتوقف الأعمال وخسارة الملايين حول العالم لوظائفهم، تقع صحتنا النفسية والعقلية في مأزق كبير، ونحتاج قارب نجاة.

 

وحسب مقال للمجلة، نشرته، الأربعاء، توجد أدلة كثيرة على أن تسجيل الأفكار والمشاعر بشكل منتظم يساعد الناس في التعرّف على المشاعر السلبية ومعالجتها، بالتالي يخفف القلق.

وفي عام 2005 تم نشر مراجعة واسعة حول هذا الموضوع، من قبل باحثين أستراليين ضمن مفهوم "الكتابة التعبيرية"، التي تنطوي على الكتابة حول تأثير الأحداث المؤلمة على الصحة البدنية والعقلية.

وتضمنت ورقتهم تحليلًا لـ 13 دراسة وجدت أن الكتابة التعبيرية تحمل فائدة صحية مماثلة للتدخلات النفسية الأخرى، مثل العلاج بالكلام.

ووجد الباحثون أن الكتابة التعبيرية أدت إلى:

انخفاض ضغط الدم

* تحسين عمل الجهاز المناعي

* زيارات أقل للطبيب

* قصر مدة الإقامة في المستشفى

* تحسين المزاج وتقليل أعراض الاكتئاب

* تحسين أداء الذاكرة 

ووفق هذه المراجعة، فإن كتابة اليوميات "تساعد على  مواجهة العواطف التي كان أصحابها يتجنبونها، ومعالجة ما حدث لهم إدراكياً. كما أنهم يعيدون النظر في العواطف الصعبة بطريقة محكومة يمكن أن تساعدهم على تجاوزها".

وفي جامعة مينيسوتا الأميركية، توصلت دراسة أخرى تتعلق بالعوامل المساعدة لللاجئين والمهاجرين للولايات المتحدة، الذين عانوا فيما مضى من ويلات الحروب، إلى أن "فرص التعبير الإبداعي مثل الكتابة أو الرسم مكنت الشباب من معالجة صدماتهم وتطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية".

وجاء في المقال نفسه، نتائج دراسة أخرى لجامعة كولورادو، أجريت على طلبة التمريض، مفادها أن "الطلاب الذين احتفظوا بيوميات حول تجربتهم السريرية كان لديهم قلق أقل بشأن رعاية المرضى".

وبناء على ذلك، أطلقت الباحثة الأميركية جانيس ويتلوك، منصّة تفاعلية تتيح لزوّارها المشاركة في كتابة يومياتهم من داخل الحجر المنزلي أو الصحّي، ومن داخل بيوتهم ضمن حظر التجوّل المفروض في مناطق عديدة.

ويطلب المشروع من المشاركين تسجيل "ما يشعرون به والإجابة على أسئلة حول كيفية تأثير الأزمة عليهم واستخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي، ويتلقون يومياً بريداً يدعوهم لكتابة الجديد في دفاتر اليوميات الإلكترونية، غير محدودين بعدد كلمات" وفق المقال.

 أدب اليوميات

يقول الكاتب العراقي، صاحب رواية "مقتل بائع الكتب" محمد رحيم "قد يكون دافع كتابة اليوميات هو الانهمام بالذات، أي تأكيد الطابع الأناني للمرء عبر جعله أناه مركزاً للعالم. وقد تغدو مثل هذه الكتابة أمراً أشبه ما يكون بالتحقيق الجنائي".

ويضيف في مقال له على موقع "الحوار المتمدّن": "تكتب يومياتك لأنك في فضاء آخر، في غير وضعك المألوف، أو خارج بيتك أو بيئتك الصغيرة؛ في مواجهة الاستثنائي والمجهول والمدهش والغريب". 

ومن فلسطين، تدوّن الإعلامية نبال ثوابتة، يوميّاتها مع عائلتها، وتشاركها مع الأصدقاء والمتابعين في فيسبوك، بشكل منتظم، منذ 48 يوماً. 

 

لم تكن ثوابتة تنشر في صفحتها الشخصية على فيسبوك سوى ما يتعلق بعملها، لكنّها قررت كتابة اليوميات بعد انتقالها للعمل من المنزل، بسبب الإجراءات الاحترازية في الأراضي الفلسطينية لمنع انتشار فيروس كورونا.

تقول ثوابتة، لـ"ارفع صوتك": "الكتابة جزء أساسي من حياتي، لكن فكرة اليوميات نتيجة الحاجة لخلق قنوات تواصل مع الأصدقاء والمعارف، بعد أن فقدنا التواصل المباشر معهم في الحياة المهنية والعائلية".

وتضيف "تسعدني التعليقات والمتابعة من الأصدقاء، وعبّر العديد منهم أن قراءتهم ليومياتي صارت جزءاً أساسياً من صباحاتهم، وتمنحهم طاقة بسبب التشابه والتقارب بين حياتهم وحياتنا".

وأصبح لدى ثوابتة "عائلة كبيرة" قوامها أصدقاء ومتابعون يتفاعلون بشكل دائم مع ما تكتب، تقول "أشعر أننا نتبادل الخبرات ونصبّر بعضنا البعض". 

وهذه اليوميات رسمت لها نوعاً من "الالتزام والمسؤولية الاجتماعية" من أجل تعزيز أهمية البقاء في البيت وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى، للحفاظ على حياة المواطنين، والحد من عدد الإصابات بفيروس كورونا.

وتعقيباً على الدراسة حول تأثير كتابة اليوميات على الصحة النفسية، تقول "الكتابة لمن يحبها هي نوع من الاستشفاء، وأنا شخصياً إذا كتبت نصاً جميلاً أشعر بسعادة، وهو شعور مماثل لخروجي لحضور مناسبة سعيدة".

تدوّن أحلام بشارات، يومياتها، بالكتابة النثرية والشعرية والصورة وفيديوهات طهو الطعام. 

والجزء الأول من يوميات بشارات، وهي روائية فلسطينية تكتب لليافعين، ترجم عدد من أعمالها للغات مختلفة،  تمحور حول غذاء الجسد والرّوح (الطعام والموسيقى)، كان فيه عدّ الأيام بالموجب، ثم انتقلت لمرحلة أخرى كان العدّ فيها بالسّالب.

نموذج

يوميات العزلة، العد التنازلي 6

"كان للجميع خطط وفشلت
لقد جاء كورونا في الوقت غير المناسب
مثل عائلة فقدت معيلها نحن الآن
أبونا العجوز على فراش المشفى
ونحن في البيت ننتظر خبرا فاجعاً
لقد هولتُ الأمر منذ البداية فأنقذت نفسي
تغديت بالنهاية قبل أن تتعشى بي
لكني مثل الجميع لم أنجُ
إلا بهذه العزلة
التي أنقر شارعها
كحصان
يمشي لكنه لا يصهل"

تقول بشارات لـ"ارفع صوتك": "منذ اليوم الأول شعرت أن العزلة فرصة، فقررت كتابة يومياتي، حددتها بـ15 يوماً وهي مدة عدم خروجي من البيت، حتى اليوم صفر، ثم بدأت بعد الأيام سالبة".

"ليست استكشافاً للتاريخ الشخصي بل تنحية السابق كله، واعتبار هذه الأيام تاريخاً بحد ذاته،  ومن خلال الكتابة وإعلاء صوت العزلة، كتبت واكتشفت الكثير" تقول بشارات.

والاستمرار في تصوير إعدادها لغدائها اليومي، بداية من الأكلة العائلية الشهيرة "المقلوبة"، كان بسبب "المتعة التي رآها المتابعون في هذه اليوميات" إضافة للأغاني من دول وثقافات متعددة، مثلّت لبشارات اكتشافاً آخر في عزلتها بعيداً عن الأهل والأصدقاء، قريباً من نفسها.

تقول بشارات "اكتشاف الآخر لعزلتي من الخارج واعتبارها جميلة أعطاها مصداقية وجعلها تثق بنفسها، وهذه مفارقة بحد ذاتها، فهي التي اكتسبت صفتها بعيداً عن العالم، لم تر نفسها ومعناها إلا عبره وباعترافه".

ومن منظور آخر، ترى بشارات أن "العزلة غير المنتجة هي عزلة غير معترف بها وشكل من أشكال الانتحار" في إشارة إلى أن الانشغال داخلها يبقي من يعيش فيها سعيداً.

تقول "العقل المنشغل عقل سعيد، والعزلة هي حياة لها شكلها الخاص، أتجنب فيها الفراغ، ربما لذلك ينصح أطبّاء نفسيون بأن يلجأ الناس للكتابة من أجل تفريغ مشاعرهم وتخفيف التوتر، لكنّي شخصياً لا أرى الكتابة بهذا المعنى". 

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة
صورة أرشيفية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة

من "منقذ مالي" للبنان ورمز للاستقرار الاقتصادي، إلى متهم بالاختلاس والفساد على المستويين المحلي والدولي.. هكذا تحولت مسيرة حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، الذي قضى 30 عاماً على قمة السلطة المالية، قبل أن يصبح موقوفاً خلف القضبان.

قرر النائب العام التمييزي، القاضي جمال الحجار، الثلاثاء، توقيف سلامة بعد استجوابه على مدى نحو 3 ساعات، بشأن "شبهات اختلاس من مصرف لبنان". وقد ركز التحقيق، كما أوردت الوكالة الوطنية للإعلام، على ملف "أوبتيموم"، وهي شركة لبنانية تقدم خدمات الوساطة المالية.

وعقب قرار توقيف سلامة، صرّح الحجار بأن "الخطوة القضائية التي اتخذت بحق سلامة هي احتجاز احترازي لمدة 4 أيام، على أن يحال بعدها إلى قاضي التحقيق لاستجوابه واتخاذ القرار المناسب بحقه".

والأربعاء، نقلت وكالة رويترز عن مصدرين قضائيين، أن سلامة، الذي ألقي القبض عليه، الثلاثاء، بتهمة ارتكاب جرائم مالية، سيظل رهن الاحتجاز حتى موعد جلسة استماع "من المرجح أن تنعقد الأسبوع المقبل".

وأضاف المصدران أنه بعد استجوابه، "يمكن للقاضي الذي يرأس الجلسة أن يقرر ما إذا كان سيبقيه قيد الاحتجاز أم لا"، لافتين إلى أنه "لم يتم اتخاذ قرار بعد بشأن هذا الأمر".

وعلى مدار سنوات، كان سلامة يعتبر الركيزة الأساسية للنظام المالي اللبناني، لكن مع انهيار الاقتصاد في عام 2019، تغيرت هذه الصورة تماما.

فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، واجه اللبنانيون فقراً متزايداً، لاسيما مع تجميد ودائعهم في المصارف، وفقدان الليرة اللبنانية أكثر من 95 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار، مما أدى إلى سخط شعبي "انفجر" في الشارع على شكل احتجاجات واسعة اندلعت في أكتوبر 2019.

التدهور المالي والاقتصادي الذي شهده لبنان، دفع القضاء اللبناني وعدداً من الدول الأوروبية، إلى فتح تحقيقات حول تورط سلامة في استغلال منصبه لاختلاس المال العام، وبناء ثروة بالفساد.

"مهندس" أم "ساحر"؟

تولى سلامة الذي يحمل الجنسية الفرنسية أيضاً، منصب حاكم مصرف لبنان عام 1993، بتعيين من رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، بعد مسيرة مهنية في شركة "ميريل لينش" المالية العالمية، وذلك بعد أن حائز على شهادة في الاقتصاد من الجامعة الأميركية في بيروت.

اعتُبر سلامة "مهندس السياسات المالية" في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية (1975-1990).

ووفق تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في أغسطس 2023 بعنوان "الساحر: رياض سلامة ونهب لبنان"، "اعتمد النظام المالي اللبناني بشكل كبير خلال فترة حكم سلامة على تدفقات رأس المال من دول الخليج والمغتربين اللبنانيين الأثرياء، مستفيداً من قوانين السرية المصرفية".

وأضاف أنه "لضمان استقرار أسعار الفائدة وتمويل خطط إعادة الإعمار، ثبّت سلامة والحريري سعر صرف الليرة اللبنانية عند 1507 ليرات للدولار، وهو مستوى استمر حتى الانهيار المالي".

ونجح النظام المالي الذي أشرف عليه سلامة في توفير مستوى معيشي مرتفع للكثير من اللبنانيين، رغم أن الاقتصاد الوطني كان غير منتج. وحصل المدخرون على أسعار فائدة مرتفعة، وتمكنوا من تحويل عملاتهم المحلية إلى الدولار بسعر صرف ثابت، مما عزز ثقتهم في سلامة، خاصة مع نجاح لبنان في تجاوز الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ورغم إعادة بناء لبنان خلال هذه الفترة، فإن ذلك تم على حساب الاقتصاد الوطني، فقد تجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 150 بالمئة، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم خلال العقدين الماضيين، كما أوردت "فايننشال تايمز"، مضيف أنه "لُقب بالساحر لقدرته على إبقاء الاقتصاد اللبناني صامداً في مواجهة الصراعات والفوضى السياسية".

السلطات الفرنسية والإنتربول أصدروا مذكرات اعتقال بحق رياض سلامة. أرشيفية
ومع تباطؤ التحويلات بالدولار، زادت الضغوط على نظام مالي يتطلب تدفقات مستمرة من العملة الصعبة للصمود.

وفي عام 2016، لجأ سلامة، حسب وكالة رويترز، إلى سحب الدولارات من البنوك المحلية بأسعار فائدة مرتفعة، وهي خطوة وصفها البنك الدولي بأنها "مخطط بونزي"، حيث تعتمد على الحصول على قروض جديدة لسداد الديون القائمة.

ومع نضوب الدولارات، جُمّدت الودائع بالعملات الأجنبية لمعظم المدخرين، أو أُجبروا على إجراء عمليات سحب بالعملة المحلية وفقاً لأسعار صرف أفقدت مدخراتهم معظم قيمتها، مما أدى إلى انهيار الثقة في النظام المالي الذي أشرف عليه سلامة، حسب رويترز.

واعتبر خبراء اقتصاديون أن "إصرار سلامة على الحفاظ على سعر الصرف الثابت بأي ثمن كان أحد الأسباب الرئيسية وراء الأزمة المالية التي عصفت ولا تزال بلبنان".

يذكر أن سلامة نال العديد من الجوائز والأوسمة العالمية على مدار مسيرته، من بينها جائزة "أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم" لعام 2006 من مجلة "يورو موني"، وجائزة مماثلة من مجلة "بانكر" في عام 2009.

تحقيقات وعقوبات

بعد الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان، أطلقت سويسرا عام 2020 تحقيقاً في أنشطة سلامة، تلاها في عام 2021 لبنان وفرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ. كما حققت السلطات في موناكو وليختنشتاين وبلجيكا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة في تلك الأنشطة، وفق "فايننشال تايمز".

وتشتبه هذه الدول بضلوع سلامة في "جرائم اختلاس أموال عامة وتبييض أموال وفساد، بالإضافة إلى تحميله جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الأزمة المالية التي أصابت البلاد".

وفي أغسطس 2023، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية بياناً اتهمت فيه سلامة باستغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية ضخمة على حساب الشعب اللبناني.

وكشف البيان عن "تورط سلامة في تأسيس عدد من الشركات الوهمية وفتح حسابات مصرفية في أوروبا ومنطقة البحر الكاريبي، مما سمح له بإدارة مخططات مالية معقدة تهدف إلى إثرائه الشخصي بمساعدة أفراد من عائلته وزملائه المقربين".

وأحد أبرز هذه المخططات كان تعاونه مع شقيقه رجا سلامة عبر شركة وهمية مسجلة في جزر فيرجن البريطانية باسم "فوري"، لتحويل حوالي 330 مليون دولار من معاملات مصرف لبنان.

وكجزء من هذا المخطط، وافق رياض سلامة على عقد يسمح لشركة شقيقه بالحصول على عمولة على مشتريات الأدوات المالية من قبل البنوك اللبنانية من مصرف لبنان، على الرغم من أن شركة رجا لم تقدم أية فائدة واضحة لهذه المعاملات، وتجنب العقد تسمية شركة فوري أو مالكها. ثم نقل سلامة ورجا هذه الأموال إلى حسابات مصرفية بأسمائهما أو بأسماء شركات وهمية أخرى.

وانضمت ماريان حويك، المساعدة الرئيسية لسلامة في مصرف لبنان، إلى الثنائي في هذه المغامرة، من خلال تحويل مئات الملايين من الدولارات - أكثر بكثير من راتبها الرسمي في مصرف لبنان - من حسابها المصرفي الخاص إلى حسابات سلامة ورجا.

وقد تم تحويل الأموال المحولة بشكل متكرر إلى عدد من شركات إدارة العقارات في فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ وبلجيكا، التي كانت مسجلة باسم نجل سلامة، نادي سلامة، أو شريكة سلامة السابقة، الأوكرانية آنا كوساكوفا التي لسلامة ابنة منها، وفقا لشهادة ميلاد اطّلعت عليها "رويترز"، واستخدمت تلك الأموال لشراء عقارات فاخرة.

حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة. أرشيف
وأشارت وزارة الخزانة الأميركية إلى أن سلامة "استخدم شركات وهمية في بنما، وصندوقاً ائتمانياً في لوكسمبورغ، لإخفاء هويته عند شراء أسهم في شركة عمل فيها ابنه كمستشار استثماري". ولاحقاً، باع هذه الأسهم إلى مصرف لبناني يخضع لتنظيم مصرف لبنان، مما يشكل تضارباً واضحاً في المصالح وانتهاكاً محتملًا للقانون اللبناني.

على أثر ذلك، أدرجت واشنطن سلامة على قائمة العقوبات، متهمة إياه بالتورط في ممارسات فاسدة وغير قانونية ساهمت في تدهور سيادة القانون في لبنان.

ولم تقتصر العقوبات على سلامة وحده، بل شملت أيضاً أفرادا من عائلته وشركائه. وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات جاءت بالتنسيق مع المملكة المتحدة وكندا، ضمن جهود مشتركة لمحاسبة من يسيئون استخدام مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الشعب اللبناني.

أرباح بالمليارات

فيما يتعلق بملف شركة "أوبتيموم"، كشف التدقيق الذي أعدته شركة "كرول"، أن مصرف لبنان قدّم قرضاً للشركة بقيمة 8.6 مليار دولار لشراء سندات خزينة من المصرف نفسه. ومع كل عملية، كان المصرف يعيد شراء السندات من الشركة، مما رفع القيمة الإجمالية إلى 16.6 مليار دولار، وفق وسائل إعلام لبنانية.

نتيجة لهذه العمليات، حققت الشركة أرباحاً بقيمة 8 مليارات دولار، وُضعت في حساب بمصرف لبنان قبل أن تسحب إلى جهة مجهولة. ولم يسمح لشركة "آلفاريز آند مرسال"، المتخصصة في تقديم الخدمات الاستشارية، بتتبع حركة الأموال خلال التدقيق الجنائي.

وأعيد فتح ملف "أوبتيموم" مؤخراً بناءً على تقرير وحدة الأسواق المالية، ودعوى قضائية مقدمة من مجموعة من المدعين بينهم محامون.

وعقب توقيف سلامة، الثلاثاء، انقسم اللبنانيون بين من يرون في هذه الخطوة "بداية جادة لمعالجة قضايا الفساد والشبهات المالية المرتبطة به"، ومن يعتبرون أن الأمر "لا يتعدى كونه مسرحية قضائية ستنتهي بتبرئته".

يذكر أن الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا، برزت في قضايا سلامة، حيث تم توقيفها عام 2022 من قبل القضاء اللبناني على خلفية تحقيقات تتعلق بشبهات "تبييض أموال وإثراء غير مشروع"، قبل أن يتم الإفراج عنها بعد ساعات.

سلامة ملاحق في أوروبا ولبنان بتهم اختلاس أموال
وارتبط اسم صليبا بسلامة بعد أن قامت بتصوير إعلان ترويجي لمصرف لبنان في أكتوبر 2019، حيث ظهرت في الفيديو مرتدية أزياء تحمل فئات من عملة الليرة اللبنانية تحت شعار "ليرتنا قوتنا"، لصالح مجلة الأزياء اللبنانية "Spécial Madame Figaro" الصادرة باللغة الفرنسية.

أثارت صورة صليبا وهي ترتدي قميصاً يحمل الليرة الواحدة، اهتماماً كبيراً آنذاك، لكنها واجهت انتقادات بعد الانهيار المالي الكبير الذي ضرب الاقتصاد اللبناني بعد فترة قصيرة من حملة "ليرتنا قوتنا"، مما جعل الممثلة في مرمى الانتقادات، باعتبار أنها "جزءا من الماكينة الإعلامية لسلامة والمقربين منه، الذين روجوا إلى وضع مالي لليرة بشكل مغاير للواقع".

"تلاعب وسوء إدارة"

كشف تقرير التدقيق الجنائي الصادر عن شركة "ألفاريز ومارسال" في 11 أغسطس 2023 عن "سوء إدارة" وثغرات كبيرة في عمل مصرف لبنان المركزي خلال السنوات الخمس الماضية، مع التركيز على دور سلامة.

التقرير، الذي جاء في 332 صفحة، أشار إلى أن "الوضع المالي للمصرف المركزي تدهور بسرعة بين عامي 2015 و2020".

ومع ذلك، لم يظهر هذا التدهور في الميزانية العمومية للمصرف، وذلك بفضل سياسات حسابية "غير تقليدية" سمحت للمصرف بالمبالغة في تقدير الأصول والأرباح وتجنب إظهار الخسائر الحقيقية.

وأكد التقرير أن الهندسات المالية التي أشرف عليها سلامة كانت "مكلفة للغاية"، وأبرز أن سلطته كصاحب القرار الرئيسي لم تكن تحت "رقابة كافية". كما كشف عن "دليل على دفع عمولات غير شرعية" بلغت 111 مليون دولار، مشيراً إلى احتمال وجود مخطط أكبر للعمولات.

وخلال استجوابه، أفاد سلامة للمحققين الأوروبيين بأن قيمة ممتلكاته النقدية والعقارية في عام 1993 بلغت 60 مليون دولار، منها 8 ملايين دولار من الأراضي العائلية الموروثة، وذلك وفقاً لتقرير "فايننشال تايمز"، مضيفا أن ثروته الحالية تقدر بنحو 200 مليون دولار، مما يعني أنها تضاعفت أكثر من 3 مرات خلال 3 عقود.

وأشارت الصحيفة، إلى أن سلامة أرجع تراكم ثروته إلى سنوات عمله كمصرفي استثماري وإلى استثماراته اللاحقة. إلا أن دراسة مالية أجراها محققون ألمان في عام 2022، خلصت إلى أنه "لم يكن بإمكان سلامة جمع كل هذه الثروة بالأموال التي كان يمتلكها بشكل شرعي قبل توليه منصب الحاكم".

مصادر مطلعة على التحقيقات أكدت للصحيفة أن تقديرات سلامة لثروته "قد تكون متحفظة"، حيث من المحتمل أن تكون "العديد من الأصول مخفية في ملاذات ضريبية أو محمية بسرية البنوك في لبنان".

تجدر الإشارة إلى أن شركة "ألفاريز ومارسال" كانت قد علقت عملها في التدقيق الجنائي لمدة تقارب العام، بعدما رفض مصرف لبنان تزويدها بكافة المستندات المطلوبة بحجة السرية المصرفية، قبل أن تستأنف عملها في أكتوبر 2021.

كبش فداء؟

وأعلنت وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية (يوروجست) في مارس 2022، عن تجميد فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ 120 مليون يورو من الأصول اللبنانية.

وكان هذا الإجراء جزءاً من تحقيق يستهدف سلامة، و4 من المقربين منه، بتهم غسل أموال واختلاس أموال عامة في لبنان، تجاوزت قيمتها 330 مليون دولار و5 ملايين يورو بين عامي 2002 و2021.

فرنسا صادرت بعض ممتلكات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة
وفي مارس 2023، تقدّمت الدولة اللبنانية بادعاء شخصي بحق سلامة، بجرائم الرشوة والتزوير وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع والتهرّب الضريبي. وشمل الادعاء اللبناني إلى جانب سلامة، شقيقه رجا، ومساعدته ماريان الحويك، وكل من يظهره التحقيق.

وفي مايو 2023، أصدر القضاء الفرنسي مذكرة اعتقال بحق سلامة بتهم اختلاس أموال عامة، بالإضافة إلى نشرة حمراء من الإنتربول للقبض عليه.

وكانت السلطات الألمانية قد أصدرت في ذات الشهر مذكرة اعتقال بحقه بتهم الفساد، إلا أن هذه المذكرة ألغيت "لأسباب فنية"، وفقاً لما صرّح به مكتب المدعي العام في ميونخ لرويترز. ومع ذلك، تواصل التحقيقات وتبقى أصول سلامة المالية مجمدة.

وفي يوليو 2023، وافق القضاء الفرنسي على نقل أصول مجمدة تخص سلامة وشركاءه إلى الدولة اللبنانية. وفي 14 أغسطس 2023، أصدرت هيئة التحقيق الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في مصرف لبنان، قراراً بتجميد الحسابات المصرفية لسلامة و4 من شركائه، بعد رفع السرية المصرفية عن حساباتهم.

وأثناء مقابلة تلفزيونية محلية أجريت مع سلامة في يوليو 2023، دافع الرجل عن فترة ولايته، زاعما أنه كان "كبش فداء" للأزمة المالية في البلاد، وأن المسؤولية عن إنفاق الأموال العامة "تقع على عاتق الحكومة وليس البنك المركزي"، مشيراً إلى نيته "طي صفحة من حياته"، مؤكداً أن "المنظومة غسلت يديها" منه منذ زمن.