العالم

في اليمن .. "المقاشم" من أهم مصادر الرزق

غمدان الدقيمي
29 أبريل 2020

تعمل الكثير من الأسر اليمنية على تأمين مصادر رزقها من خلال زراعة وبيع الخضروات في أراضي زراعية صغيرة تسمى "مقاشم".
وتنتشر العشرات من هذه المزارع في أنحاء مختلفة من العاصمة صنعاء، بمناطق غير مأهولة بالسكان.
وتجدها ما بين العصر والمغرب في رمضان مزدحمة بالزبائن الذين يأتون إليها لشراء احتياجاتهم منها مباشرة.
إلى جانب أنها مصدر رزق للعديد من العائلات تعد هذه المزارع الصغيرة مزارا لبعض الصائمين في شهر رمضان، حيث يعد الذهاب إليها طقسا رمضانيا بالنسبة لبعض العائلات.
ويتضمن إلى جانب غرض الشراء منها، نزهة تأملية ساحرة يقضيها الصائمون قبل غروب الشمس، بعد خروجهم من صخب المدينة إلى رحابة الطبيعة.


هذا ما نتميز به


ومنذ أربعين عاما، تزرع وتبيع الخمسينية أم يحيى الفجل (البقل) والكراث (براصيا) والجرجير والبقدونس والكزبرة والنعناع، في قطعة أرض بالإيجار شمالي العاصمة اليمنية صنعاء، لتأمين مصدر رزقها وأسرتها المكونة من نحو 15 فرداً.
وتقول أم يحيى، "رمضان موسم العمل الأفضل يأتي إلينا الناس لشراء احتياجاتهم من هذه الخضروات بكثرة، نحن نبيعها طازجة وهذا ما نتميز به".
وتضاف هذه الخضروات إلى "الشفوت"، وهو الوجبة الرئيسية في موائد الإفطار الرمضانية في اليمن.
"الزراعة تعني لنا كل شيء في الحياة، ولم يعد لدينا مصدر رزق غير هذه الزراعة"، تقول أم يحيى، مضيفة في حديث لموقع (ارفع صوتك)، إن أبنائها وأحفادها جميعهم يعملون معها في هذه المهنة "الحمد لله نجحنا في هذا العمل زوجت أولادي من هذه المهنة التي عملت فيها منذ طفولتي".
وتشير أم يحيى، إلى أن أهم الصعوبات التي واجهتها في السنوات الأخيرة تمثلت في ارتفاع أسعار المشتقات النفطية بشكل جنوني خلال الحرب المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات، وهو ما ضاعف تكاليف ري مزرعتها.
وتشكو أيضاً من تداعيات الحرب عليها وأسرتها، خصوصاً وأن منزلها ومزرعتها يقعان في حي سكني تحيط به معسكرات الحوثيين (شمالي صنعاء)،والتي كانت هدفاً لأكثر من مرة لطائرات التحالف العربي.


مصدر رزقي الوحيد


يوافقها جانبا من الرأي حمود بيدر (53 عاما)، خاصة فيما يتعلق بالصعوبات وتداعيات الحرب.
بيدر يمتلك هو الآخر مزرعة يقوم فيها بزراعة نفس الخضروات ويقول إنه ورث العمل من والده قبل وفاته.
ويضيف لموقعنا، أنه يعمل في مزرعته أكثر من 10 ساعات يوميا، ويعيل من خلالها بشكل أو بآخر قرابة 40 شخصا، "هي مصدر رزقي الوحيد ونعم المصدر"، قال حمود بيدر.
لم يستسلم حمود لظروف الحرب وتداعياتها المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات "حتى في ظل القصف الذي تعرضت له معسكرات ومواقع مجاورة لمزرعتنا، لم نتوقف عن العمل لأننا نعيش من هذا المصدر فقط".
ويعتبر المزارع حمود أن شهر رمضان هو "أفضل أشهر السنة في المبيعات".


 طازجة


ويقول عبدالصمد قائد، وهو مواطن يمني، "هذه الأماكن (المزارع الصغيرة) نعتبرها مزارا لنا برمضان، تنسينا ضجيج المدينة وروائح عوادم السيارات، هنا الجو نقي وأنسى فيه كل الهموم والمشاكل".
ويضيف لموقعنا، "من هنا أشتري احتياجاتي من هذه الخضروات التي يعد تناولها شيء رئيسي في رمضان، ولا يكتمل الفطار والعشاء إلا بها".
يوافقه الرأي مواطن آخر يدعى سعيد الصبري ويقول إنه يستمتع بالخروج إلى هذه الأماكن، ويأتي لشراء هذه الخضروات من مكان زراعتها لأنها طازجة ونظيفة ويحصل عليها بكمية أكبر من تلك الموجودة في متاجر وأسواق المدينة.
ويضيف "حين تأخذ الخضروات طازجة من المزرعة تضمن خلوها من الأمراض، لأن الخضروات المتاحة في المدينة مجهولة المصدر، وبالتالي لا تضمن نظافتها، فبعض المزارع تسقى بمياه غير نظيفة وربما مياه المجاري".
 

غمدان الدقيمي

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.