العالم

أين تذهب نفقات الناس في الحجر المنزلي؟

رحمة حجة
07 مايو 2020

خرج العالم بآمال عظيمة وخطط جديدة وربما إتمام ما لم يتم، من عام 2019، لتفاجئهم أخبار مرض يتعاظم داخل الحدود الصينية، لم يأخذوه على محمل الجد، فكان التناول بين خوف قليل وسخرية كبيرة، حتى 11 مارس الماضي، لحظة إعلان كوفيد-19 وباءً عالمياً من قبل منظمة الأمم المتحدة.

بعد هذا التاريخ، تغيّر وجه العالم. أغلقت مدن وعواصم كبرى، سارت الريح بين الأزقة الفارغة، وتوقف الناس عن تسوّق "الثانويات" واجتاحوا أقسام المواد الغذائية الجافة والمعلبة والمفرّزات وأدوية الرشح والإنفلونزا والإسعاف الأولي وأدوية أخرى قد تلزمنا في العزلة وتقينا الذهاب للمستشفى، وورق التواليت والمعقمات وأدوات التنظيف التي طالما وعدتنا بالقضاء على 99% من الجراثيم العالقة بالأسطح المحيطة.

وهنا بدأ الإنفاق الأول، قبل الحجر الصحي المنزلي المفروض من الحكومات حول العالم، وتدريجياً صار الإنفاق ينتقل من شيء لآخر، حسب الحاجة وطول مدة المكوث في البيت، إضافة للتعليمات التي تصدرها دوائر الصحة المحلية بناء على توصيات خبراء ومنظمات عالمية.

مثلاً، لم تكن الكمامات أساسية، حتى صدرت تقارير طبية تفضي بالتزام ارتدائها وقاية من العدوى، بعد أن كان يُنصح بها للمرضى فقط، فاتجه البحث عنها، لتصبح مجال الإنفاق الثاني.

العرض والطلب

قبل جائحة كوفيد-19، كانت طبائع الاستهلاك تُقرأ من خلال بحثنا، أنت تبحث عن بضاعة بعينها،  ربما مرة واحدة فقط، ثم تنهال عليك العروض والإعلانات في فيسبوك وإنستاغرام وعبر المواقع التي تتصفحها في محرك البحث "غوغل".

بعدها، صارت الإعلانات تمثل حاجة جماعية، يتوقعها البائع،  وتأتيك منه قبل أن تبحث عنها، مثل: الكمامات، البيجامات، ملابس النوم، أدوات الحلاقة، النباتات المنزلية، أدوات تنظيف الحدائق المنزلية، الأجهزة الرياضية، والأثاث المنزلي، والمقاعد والطاولات المكتبية وغيرها.

قد يبدو الأمر بالنسبة لك فقط عبر الإنترنت، وتقول لي ليس الجميع هناك، في عالم لا يملك جميع سكان العالم الوصول إليه، إلا أن مظاهره متوفرة على الأرض عبر إشارتين.

1- المتاجر التي سمحت لها الحكومات بالاستمرار بفتح أبوابها تحت ظروف حظر التجوّل الكامل أو الجزئي، باعتبارها أساسيات وحاجات لا بد منها.

2- حين تذهب لأي متجر، لاحظ معي البضائع التي يضعونها في المقدمة، قرب الباب، أو عند الكاشير، وستعلم أن الطلب بازدياد عليها.

"الأكل واللبس"

حين تريد افتتاح مشروع خاص بك، ستسمع عدة نصائح من أقاربك وأصدقائك، وستتردد في أذنيك عبارة "الأكل واللبس المشروعين الوحيدات اللي مستحيل يخسروا"، ولذلك ترى في بلد صغير مئات المطاعم والمقاهي ومتاجر الملابس، ما أخمد وهج هذه النصيحة.

أمّا مع جائحة كورونا، تبدو هذه النصيحة بلا وهج أساساً، ولم يعد لها أية قيمة.

وإن كان سُمح للمطاعم بفتح أبوابها للطلبات المسبقة والديلفري، صار من المستحيل اليوم رؤية مقهى أو مطعم مغلق على زبائن.

كما أن الكثير من الناس في بداية الحجر الصحي والأخبار المتواترة عن أعداد الإصابات والضحايا التي لم يعد الكثير منّا يتابعها اليوم، كانوا يخافون مجرد الخروج من المنزل أو حتى استلام البريد وقبول أي شيء من خارج دائرة الأمان الخاصة بهم، فما بالك  طلب الطعام من مكان لا تضمن إن كان يتبع إجراءات السلامة أو لا، لكن مع الوقت وتخفيف الإجراءات عاد الناس لذلك.

وفي هذا السياق، صرت ترى لافتات كبيرة بجانب أماكن التسوّق أو على واجهات المطاعم "مفتوح الآن"، وهو ما لم نره قبل كورونا إلا حال افتتاح مطعم جديد.

أما الملابس، فكانت رؤيتك لإعلانات بعض الشركات العالمية، التي ما زالت تبيع الملابس أون لاين، لقطة كوميدية. تسأل نفسك "أين سنرتدي هذه الملابس بالضبط؟".

الأمر بالفعل لم يكن مجرّد نكتة، فإذا كنت متابعاً لهذه العروض التي بدأت بإخبارك "وصلت مجموعة ربيع 2020.. مجموعة صيف 2020.." ثم صارت "خصم 30%" وتطورت إلى "خصومات تصل إلى 70% الآن في متاجرنا.. التوصيل مجاني".

لكن هناك نكتة موجعة، قد نصنفها "كوميديا سوداء" وهي ملابس السباحة. أي شاطئ مفتوح الآن؟  أم أنه الأمل بانتهاء الأزمة قبل صيف هذا العام، الذي نحاول جلبه حسب علم الطاقة؟!

والجدير ذكره أن سلاسل متاجر عالمية أغلقت حتى البيع الإلكتروني لها، ليس محلاتها على الأرض فقط، كما أعلنت أخرى خسائرها الماديّة.

وهكذا بدأت الإعلانات تتراجع رويداً رويداً، وبدأت تلحظ أقسام الملابس في المتاجر الكبرى التي تبيع البضائع المنوعة، مهملة من الزبائن، الذين يتركزون بين المواد الغذائية والإلكترونيات والأثاث المنزلي.

وصحيح أن إجراءات الحجر المنزلي وحظر التجوّل بدأت بالتراجع في عدة دول حول العالم، إلا أن الخطر ما زال قائماً، ولم يعد إلا القليل لأعمالهم.

وفي الوقت الذي شهد العالم خسارة الملايين لوظائفهم، ما زال ملايين أيضاً على رأس عملهم، من بيوتهم أو مكاتبهم، ضمن السياسة الخاصة لكل مؤسسة وشركة.

ملابس النوم!

هل اشتريت بيجاما جديدة بعد الحجر؟ لست وحدك. الكثير منّا اكتشف أن نفقاته على الملابس كانت تتوجه نحو الملابس الخاصة بالعمل والرياضة والنشاطات الخارجية التي يمارسها كل منّا، أما البيجامات والملابس الخاصة بالنوم، فلم تكن تأخذ الكثير من اهتماماتنا.

بالأمس فقط، مرّ بي إعلان من شركة ملابس داخلية وقمصان نوم، نصّه "لم ترتد بنطالك منذ وقت طويل، لذا حان الوقت لشراء المزيد من الملابس الداخلية واللانجري".

الموضوع ليس أنك لم تكن تملك ملابس بيتية، بل في حاجتك للمزيد منها، لأنك في السابق كنت ترتديها لساعات قليلة جداً بعد عودتك مساء من العمل وتنام بها، وقد ترتديها طيلة أربعة أيام أو أسبوع متواصل، لكن حين ترتديها طيلة اليوم ستحتاج لتبديلها أكثر من السابق.

أدوات لحديقتك ونباتات داخلية

صرت تقضي ساعات أطول في البيت، وبدأت بالانتباه للتفاصيل التي سرقك منها مكتبك وبقاؤك وقتاً طويلاً داخل المنزل، والآن انتبهت أن حديقتك تتألم، وتطلب العناية.

ستبدأ بتنظيفها وتهذيبها وتشذيبها، وقد تنتبه أنك لا تملك الأدوات اللازمة، ربما أنت بحاجة للمزيد من الأتربة والأسمدة العضوية والنباتات والبذور وأيضاً الأدوات اللازمة لتقليم الأشجار وعملية الزراعة، لذا سيتجه إنفاقك نحوها. 

أنت الآن لا تستطيع أن تخرج كثيراً من البيت، أو تسافر، أو تذهب لتناول الطعام أو شرب القهوة مع نفسك أو أصدقائك وربما عائلتك، لذا ستوفر بعضاً من المال، وتبدأ بإنفاقه لأهداف أخرى.

في سياق الحدائق، ستحتاج لتعويض نفسك عن غياب الطبيعة التي ألفتها، إن كنت من محبّيها، أو صرت تحبّها فجأة حين سمعت صوت العصافير ورأيت بعض الحيوانات الحرة خارج بيتك، بعد أن هدأت حركة المارّة في الشوارع واختفى ضجيج المركبات وصراخ الباعة المتجوّلين.

ها أنت تفتش عن النباتات المنزلية، تريد ربّما جلب الخضرة والحياة الطازجة لوحدتك إن كنت وحيداً أو لبيتك الذي تسكنه مع عائلتك، وقد تتعلّم الصّبر أثناء عنايتك بها فتحسّن مزاجك، إذ بدأت تتعرّف من جديد على سكان بيتك، وتتناقش معهم في كل القضايا، وربما يستفز بعضكم بعضاً.

ألعاب الفيديو وكتب ومواقع تعليمية

صحيح أن الكثير منّا لم يفلح في تحقيق خططه بقراءة الكتب المؤجلة وتعلّم اللغات والبرمجة والفوتوشوب ومساقات أخرى من آلاف متوفرة إلكترونياً، إلا أن الكثير أيضاً استطاع القيام بذلك. 

لهذا السبب ستجد إعلانات الجامعات الإلكترونية بتوفير مساقات مجانية أو تخفيض أسعارها. والأمر نفسه بالنسبة للمكتبات ومتاجر ألعاب الفيديو. 

ولا ننسى، أن تعلم مهارات جديدة قد يكلفنا شراء أدوات لها، مثلاً إذا قرر البعض تعلّم العزف سيقوم بشراء الآلة، وإن كان سيتعلّم على برنامج فوتوشوب مثلاً، سيضطر لشرائه، وهكذا.

الأثاث المنزلي 

من المتاجر التي لم تغلق أبوابها، وترى الطوابير عليها مثل محال المواد الغذائية كلما خرجت للتسوّق، محلات الأثاث المنزلي، ليس الكائنة في منطقتك فقط، أيضاً إلكترونياً، حتى باتت عروضها مرتبطة بأزمة كورونا.

والمكوث لمدة طويلة في المنزل سيجعلك -كما ذكرت سابقاً- تنتبه أكثر للتفاصيل حولك، لهذا سيهمك التغيير أو الإضافة أو شراء شيء مريح أكثر.

ومن ضمن الأثاث المكاتب. وأظنك اكتشفت، بعد مرور أربعين يوماً، أن العمل المرتبط بجلستك في المكتب، والطريقة التي اعتدتها لسنوات، لن تتغير بين يوم وليلة، لذا لجأت لتخصيص ركن لك داخل المنزل تضع عليه جهاز الكمبيوتر الخاص بك على طاولة مكتبية، وكرسياً مريحاً تسند ظهرك إليه،  لتنجز عملك، تحت ضغوطات جديدة، منها القلق على الصحة، والخوف من خسارة عملك أساساً.

الأجهزة الرياضية

أغلقت  جميع النوادي الرياضية في بعض الدول، وأخرى بقيت مفتوحة بشروط وأوقات محدودة. وأنت لم تعد تخرج كثيراً.

بالنسبة للكثير منّا لم تكن الرياضة داخل النادي الذي اشتركنا فيه ذات شأن كبير في حياتنا، لكن لغيرنا، هي شيء أساسي ويومي يقومون به تحت أي ظرف ورغم أي ظرف. 

وهذا دفع الكثير من الناس لشراء الممكن والمستطاع من تلك الأجهزة، كي لا يخسروا لياقتهم البدنية والعضلية. 

المواد الخام للمصنوعات اليدوية

الحجر أيضاً جعل الكثيرين يعودون لممارسة هواياتهم وحرفهم التي سرقها وقت عملهم، وغيّب عنهم العمل الإبداعي خارج حدود وظائفهم، وحتى أولئك الذين مثلت لهم مصدر رزق وربما استحدثوه بعد توقفهم عن العمل.

لذلك أيضاً بقيت المتاجر التي تبيع المواد الخام مفتوحة، على الأرض وإلكترونياً،  فالرسّامون وصانعو الهدايا والمعجنّات وكعك أعياد الميلاد والخياّطون والنجارون والمهرة وأصحاب المواهب والهوايات في شؤون مختلفة،  وجهوا إنفاقهم إليها.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن الطلب على أدوات المطبخ أيضاً ازداد، حيث بات الكثير يتعلّم إعداد أطباق جديدة، خصوصاً مع تبادل المهارات إلكترونياً عبر مواقع التواصل، وتشجيع الناس لبعضهم البعض، صرنا نكتشف حاجتنا لأدوات مطبخ جديدة كي نقوم بإعداد هذه الأطباق.

ماذا عن عدم الإنفاق؟

على الرغم من جميع نوافذ الإنفاق والاستهلاك المستجدة والمتزايدة، إلا أن الكثيرين في المقابل، اختاروا التوفير.

وربما أكثر ما تعلّمنا إيّاه الأزمات، التوفير والاقتصاد، كي نتجنب الأزمات المالية لاحقاً، في المستقبل، خصوصاً حين نفقد مصادر رزقنا، أو لا تتكفل الدولة بتوفير مساعدات للعاطلين عن العمل والمحتاجين. 

كما يأتي التوفير لسبب آخر، فالعزلة الإجبارية داخل منازلنا، دفعت الكثيرين للتفكير بحياتهم قبل كورونا، ليجدوا أنهم قضوها داخل أماكن مغلقة، يتنفسّون منها فقط وقت العطلة  الأسبوعية، ويوفرون المال لشراء بيت أو سيارة أو للزمن المر، بينما لم ينفقوا الكثير على متع الدنيا، السفر مثلاً.

والتوفير لمشاريع لاحقة لما بعد الكورونا، أيضاً أمل وراحة لمن يقوم به، لأنه بات يعدّ الأيام حتى تنتهي الأزمة ويضيف لحياته ما غفل عنه.

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة
صورة أرشيفية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة

من "منقذ مالي" للبنان ورمز للاستقرار الاقتصادي، إلى متهم بالاختلاس والفساد على المستويين المحلي والدولي.. هكذا تحولت مسيرة حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، الذي قضى 30 عاماً على قمة السلطة المالية، قبل أن يصبح موقوفاً خلف القضبان.

قرر النائب العام التمييزي، القاضي جمال الحجار، الثلاثاء، توقيف سلامة بعد استجوابه على مدى نحو 3 ساعات، بشأن "شبهات اختلاس من مصرف لبنان". وقد ركز التحقيق، كما أوردت الوكالة الوطنية للإعلام، على ملف "أوبتيموم"، وهي شركة لبنانية تقدم خدمات الوساطة المالية.

وعقب قرار توقيف سلامة، صرّح الحجار بأن "الخطوة القضائية التي اتخذت بحق سلامة هي احتجاز احترازي لمدة 4 أيام، على أن يحال بعدها إلى قاضي التحقيق لاستجوابه واتخاذ القرار المناسب بحقه".

والأربعاء، نقلت وكالة رويترز عن مصدرين قضائيين، أن سلامة، الذي ألقي القبض عليه، الثلاثاء، بتهمة ارتكاب جرائم مالية، سيظل رهن الاحتجاز حتى موعد جلسة استماع "من المرجح أن تنعقد الأسبوع المقبل".

وأضاف المصدران أنه بعد استجوابه، "يمكن للقاضي الذي يرأس الجلسة أن يقرر ما إذا كان سيبقيه قيد الاحتجاز أم لا"، لافتين إلى أنه "لم يتم اتخاذ قرار بعد بشأن هذا الأمر".

وعلى مدار سنوات، كان سلامة يعتبر الركيزة الأساسية للنظام المالي اللبناني، لكن مع انهيار الاقتصاد في عام 2019، تغيرت هذه الصورة تماما.

فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، واجه اللبنانيون فقراً متزايداً، لاسيما مع تجميد ودائعهم في المصارف، وفقدان الليرة اللبنانية أكثر من 95 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار، مما أدى إلى سخط شعبي "انفجر" في الشارع على شكل احتجاجات واسعة اندلعت في أكتوبر 2019.

التدهور المالي والاقتصادي الذي شهده لبنان، دفع القضاء اللبناني وعدداً من الدول الأوروبية، إلى فتح تحقيقات حول تورط سلامة في استغلال منصبه لاختلاس المال العام، وبناء ثروة بالفساد.

"مهندس" أم "ساحر"؟

تولى سلامة الذي يحمل الجنسية الفرنسية أيضاً، منصب حاكم مصرف لبنان عام 1993، بتعيين من رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، بعد مسيرة مهنية في شركة "ميريل لينش" المالية العالمية، وذلك بعد أن حائز على شهادة في الاقتصاد من الجامعة الأميركية في بيروت.

اعتُبر سلامة "مهندس السياسات المالية" في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية (1975-1990).

ووفق تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في أغسطس 2023 بعنوان "الساحر: رياض سلامة ونهب لبنان"، "اعتمد النظام المالي اللبناني بشكل كبير خلال فترة حكم سلامة على تدفقات رأس المال من دول الخليج والمغتربين اللبنانيين الأثرياء، مستفيداً من قوانين السرية المصرفية".

وأضاف أنه "لضمان استقرار أسعار الفائدة وتمويل خطط إعادة الإعمار، ثبّت سلامة والحريري سعر صرف الليرة اللبنانية عند 1507 ليرات للدولار، وهو مستوى استمر حتى الانهيار المالي".

ونجح النظام المالي الذي أشرف عليه سلامة في توفير مستوى معيشي مرتفع للكثير من اللبنانيين، رغم أن الاقتصاد الوطني كان غير منتج. وحصل المدخرون على أسعار فائدة مرتفعة، وتمكنوا من تحويل عملاتهم المحلية إلى الدولار بسعر صرف ثابت، مما عزز ثقتهم في سلامة، خاصة مع نجاح لبنان في تجاوز الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ورغم إعادة بناء لبنان خلال هذه الفترة، فإن ذلك تم على حساب الاقتصاد الوطني، فقد تجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 150 بالمئة، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم خلال العقدين الماضيين، كما أوردت "فايننشال تايمز"، مضيف أنه "لُقب بالساحر لقدرته على إبقاء الاقتصاد اللبناني صامداً في مواجهة الصراعات والفوضى السياسية".

السلطات الفرنسية والإنتربول أصدروا مذكرات اعتقال بحق رياض سلامة. أرشيفية
ومع تباطؤ التحويلات بالدولار، زادت الضغوط على نظام مالي يتطلب تدفقات مستمرة من العملة الصعبة للصمود.

وفي عام 2016، لجأ سلامة، حسب وكالة رويترز، إلى سحب الدولارات من البنوك المحلية بأسعار فائدة مرتفعة، وهي خطوة وصفها البنك الدولي بأنها "مخطط بونزي"، حيث تعتمد على الحصول على قروض جديدة لسداد الديون القائمة.

ومع نضوب الدولارات، جُمّدت الودائع بالعملات الأجنبية لمعظم المدخرين، أو أُجبروا على إجراء عمليات سحب بالعملة المحلية وفقاً لأسعار صرف أفقدت مدخراتهم معظم قيمتها، مما أدى إلى انهيار الثقة في النظام المالي الذي أشرف عليه سلامة، حسب رويترز.

واعتبر خبراء اقتصاديون أن "إصرار سلامة على الحفاظ على سعر الصرف الثابت بأي ثمن كان أحد الأسباب الرئيسية وراء الأزمة المالية التي عصفت ولا تزال بلبنان".

يذكر أن سلامة نال العديد من الجوائز والأوسمة العالمية على مدار مسيرته، من بينها جائزة "أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم" لعام 2006 من مجلة "يورو موني"، وجائزة مماثلة من مجلة "بانكر" في عام 2009.

تحقيقات وعقوبات

بعد الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان، أطلقت سويسرا عام 2020 تحقيقاً في أنشطة سلامة، تلاها في عام 2021 لبنان وفرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ. كما حققت السلطات في موناكو وليختنشتاين وبلجيكا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة في تلك الأنشطة، وفق "فايننشال تايمز".

وتشتبه هذه الدول بضلوع سلامة في "جرائم اختلاس أموال عامة وتبييض أموال وفساد، بالإضافة إلى تحميله جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الأزمة المالية التي أصابت البلاد".

وفي أغسطس 2023، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية بياناً اتهمت فيه سلامة باستغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية ضخمة على حساب الشعب اللبناني.

وكشف البيان عن "تورط سلامة في تأسيس عدد من الشركات الوهمية وفتح حسابات مصرفية في أوروبا ومنطقة البحر الكاريبي، مما سمح له بإدارة مخططات مالية معقدة تهدف إلى إثرائه الشخصي بمساعدة أفراد من عائلته وزملائه المقربين".

وأحد أبرز هذه المخططات كان تعاونه مع شقيقه رجا سلامة عبر شركة وهمية مسجلة في جزر فيرجن البريطانية باسم "فوري"، لتحويل حوالي 330 مليون دولار من معاملات مصرف لبنان.

وكجزء من هذا المخطط، وافق رياض سلامة على عقد يسمح لشركة شقيقه بالحصول على عمولة على مشتريات الأدوات المالية من قبل البنوك اللبنانية من مصرف لبنان، على الرغم من أن شركة رجا لم تقدم أية فائدة واضحة لهذه المعاملات، وتجنب العقد تسمية شركة فوري أو مالكها. ثم نقل سلامة ورجا هذه الأموال إلى حسابات مصرفية بأسمائهما أو بأسماء شركات وهمية أخرى.

وانضمت ماريان حويك، المساعدة الرئيسية لسلامة في مصرف لبنان، إلى الثنائي في هذه المغامرة، من خلال تحويل مئات الملايين من الدولارات - أكثر بكثير من راتبها الرسمي في مصرف لبنان - من حسابها المصرفي الخاص إلى حسابات سلامة ورجا.

وقد تم تحويل الأموال المحولة بشكل متكرر إلى عدد من شركات إدارة العقارات في فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ وبلجيكا، التي كانت مسجلة باسم نجل سلامة، نادي سلامة، أو شريكة سلامة السابقة، الأوكرانية آنا كوساكوفا التي لسلامة ابنة منها، وفقا لشهادة ميلاد اطّلعت عليها "رويترز"، واستخدمت تلك الأموال لشراء عقارات فاخرة.

حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة. أرشيف
وأشارت وزارة الخزانة الأميركية إلى أن سلامة "استخدم شركات وهمية في بنما، وصندوقاً ائتمانياً في لوكسمبورغ، لإخفاء هويته عند شراء أسهم في شركة عمل فيها ابنه كمستشار استثماري". ولاحقاً، باع هذه الأسهم إلى مصرف لبناني يخضع لتنظيم مصرف لبنان، مما يشكل تضارباً واضحاً في المصالح وانتهاكاً محتملًا للقانون اللبناني.

على أثر ذلك، أدرجت واشنطن سلامة على قائمة العقوبات، متهمة إياه بالتورط في ممارسات فاسدة وغير قانونية ساهمت في تدهور سيادة القانون في لبنان.

ولم تقتصر العقوبات على سلامة وحده، بل شملت أيضاً أفرادا من عائلته وشركائه. وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات جاءت بالتنسيق مع المملكة المتحدة وكندا، ضمن جهود مشتركة لمحاسبة من يسيئون استخدام مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الشعب اللبناني.

أرباح بالمليارات

فيما يتعلق بملف شركة "أوبتيموم"، كشف التدقيق الذي أعدته شركة "كرول"، أن مصرف لبنان قدّم قرضاً للشركة بقيمة 8.6 مليار دولار لشراء سندات خزينة من المصرف نفسه. ومع كل عملية، كان المصرف يعيد شراء السندات من الشركة، مما رفع القيمة الإجمالية إلى 16.6 مليار دولار، وفق وسائل إعلام لبنانية.

نتيجة لهذه العمليات، حققت الشركة أرباحاً بقيمة 8 مليارات دولار، وُضعت في حساب بمصرف لبنان قبل أن تسحب إلى جهة مجهولة. ولم يسمح لشركة "آلفاريز آند مرسال"، المتخصصة في تقديم الخدمات الاستشارية، بتتبع حركة الأموال خلال التدقيق الجنائي.

وأعيد فتح ملف "أوبتيموم" مؤخراً بناءً على تقرير وحدة الأسواق المالية، ودعوى قضائية مقدمة من مجموعة من المدعين بينهم محامون.

وعقب توقيف سلامة، الثلاثاء، انقسم اللبنانيون بين من يرون في هذه الخطوة "بداية جادة لمعالجة قضايا الفساد والشبهات المالية المرتبطة به"، ومن يعتبرون أن الأمر "لا يتعدى كونه مسرحية قضائية ستنتهي بتبرئته".

يذكر أن الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا، برزت في قضايا سلامة، حيث تم توقيفها عام 2022 من قبل القضاء اللبناني على خلفية تحقيقات تتعلق بشبهات "تبييض أموال وإثراء غير مشروع"، قبل أن يتم الإفراج عنها بعد ساعات.

سلامة ملاحق في أوروبا ولبنان بتهم اختلاس أموال
وارتبط اسم صليبا بسلامة بعد أن قامت بتصوير إعلان ترويجي لمصرف لبنان في أكتوبر 2019، حيث ظهرت في الفيديو مرتدية أزياء تحمل فئات من عملة الليرة اللبنانية تحت شعار "ليرتنا قوتنا"، لصالح مجلة الأزياء اللبنانية "Spécial Madame Figaro" الصادرة باللغة الفرنسية.

أثارت صورة صليبا وهي ترتدي قميصاً يحمل الليرة الواحدة، اهتماماً كبيراً آنذاك، لكنها واجهت انتقادات بعد الانهيار المالي الكبير الذي ضرب الاقتصاد اللبناني بعد فترة قصيرة من حملة "ليرتنا قوتنا"، مما جعل الممثلة في مرمى الانتقادات، باعتبار أنها "جزءا من الماكينة الإعلامية لسلامة والمقربين منه، الذين روجوا إلى وضع مالي لليرة بشكل مغاير للواقع".

"تلاعب وسوء إدارة"

كشف تقرير التدقيق الجنائي الصادر عن شركة "ألفاريز ومارسال" في 11 أغسطس 2023 عن "سوء إدارة" وثغرات كبيرة في عمل مصرف لبنان المركزي خلال السنوات الخمس الماضية، مع التركيز على دور سلامة.

التقرير، الذي جاء في 332 صفحة، أشار إلى أن "الوضع المالي للمصرف المركزي تدهور بسرعة بين عامي 2015 و2020".

ومع ذلك، لم يظهر هذا التدهور في الميزانية العمومية للمصرف، وذلك بفضل سياسات حسابية "غير تقليدية" سمحت للمصرف بالمبالغة في تقدير الأصول والأرباح وتجنب إظهار الخسائر الحقيقية.

وأكد التقرير أن الهندسات المالية التي أشرف عليها سلامة كانت "مكلفة للغاية"، وأبرز أن سلطته كصاحب القرار الرئيسي لم تكن تحت "رقابة كافية". كما كشف عن "دليل على دفع عمولات غير شرعية" بلغت 111 مليون دولار، مشيراً إلى احتمال وجود مخطط أكبر للعمولات.

وخلال استجوابه، أفاد سلامة للمحققين الأوروبيين بأن قيمة ممتلكاته النقدية والعقارية في عام 1993 بلغت 60 مليون دولار، منها 8 ملايين دولار من الأراضي العائلية الموروثة، وذلك وفقاً لتقرير "فايننشال تايمز"، مضيفا أن ثروته الحالية تقدر بنحو 200 مليون دولار، مما يعني أنها تضاعفت أكثر من 3 مرات خلال 3 عقود.

وأشارت الصحيفة، إلى أن سلامة أرجع تراكم ثروته إلى سنوات عمله كمصرفي استثماري وإلى استثماراته اللاحقة. إلا أن دراسة مالية أجراها محققون ألمان في عام 2022، خلصت إلى أنه "لم يكن بإمكان سلامة جمع كل هذه الثروة بالأموال التي كان يمتلكها بشكل شرعي قبل توليه منصب الحاكم".

مصادر مطلعة على التحقيقات أكدت للصحيفة أن تقديرات سلامة لثروته "قد تكون متحفظة"، حيث من المحتمل أن تكون "العديد من الأصول مخفية في ملاذات ضريبية أو محمية بسرية البنوك في لبنان".

تجدر الإشارة إلى أن شركة "ألفاريز ومارسال" كانت قد علقت عملها في التدقيق الجنائي لمدة تقارب العام، بعدما رفض مصرف لبنان تزويدها بكافة المستندات المطلوبة بحجة السرية المصرفية، قبل أن تستأنف عملها في أكتوبر 2021.

كبش فداء؟

وأعلنت وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية (يوروجست) في مارس 2022، عن تجميد فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ 120 مليون يورو من الأصول اللبنانية.

وكان هذا الإجراء جزءاً من تحقيق يستهدف سلامة، و4 من المقربين منه، بتهم غسل أموال واختلاس أموال عامة في لبنان، تجاوزت قيمتها 330 مليون دولار و5 ملايين يورو بين عامي 2002 و2021.

فرنسا صادرت بعض ممتلكات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة
وفي مارس 2023، تقدّمت الدولة اللبنانية بادعاء شخصي بحق سلامة، بجرائم الرشوة والتزوير وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع والتهرّب الضريبي. وشمل الادعاء اللبناني إلى جانب سلامة، شقيقه رجا، ومساعدته ماريان الحويك، وكل من يظهره التحقيق.

وفي مايو 2023، أصدر القضاء الفرنسي مذكرة اعتقال بحق سلامة بتهم اختلاس أموال عامة، بالإضافة إلى نشرة حمراء من الإنتربول للقبض عليه.

وكانت السلطات الألمانية قد أصدرت في ذات الشهر مذكرة اعتقال بحقه بتهم الفساد، إلا أن هذه المذكرة ألغيت "لأسباب فنية"، وفقاً لما صرّح به مكتب المدعي العام في ميونخ لرويترز. ومع ذلك، تواصل التحقيقات وتبقى أصول سلامة المالية مجمدة.

وفي يوليو 2023، وافق القضاء الفرنسي على نقل أصول مجمدة تخص سلامة وشركاءه إلى الدولة اللبنانية. وفي 14 أغسطس 2023، أصدرت هيئة التحقيق الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في مصرف لبنان، قراراً بتجميد الحسابات المصرفية لسلامة و4 من شركائه، بعد رفع السرية المصرفية عن حساباتهم.

وأثناء مقابلة تلفزيونية محلية أجريت مع سلامة في يوليو 2023، دافع الرجل عن فترة ولايته، زاعما أنه كان "كبش فداء" للأزمة المالية في البلاد، وأن المسؤولية عن إنفاق الأموال العامة "تقع على عاتق الحكومة وليس البنك المركزي"، مشيراً إلى نيته "طي صفحة من حياته"، مؤكداً أن "المنظومة غسلت يديها" منه منذ زمن.