معاصر السمسم التقليدية في اليمن.. تراث يقاوم التكنولوجيا
مع تراجع عدد معاصر إنتاج زيوت السمسم (الطبيعي) القديمة في اليمن بشكل ملحوظ بسبب التطور التكنولوجي، يشعر أحسن صالح (47 عاما)، وهو مالك "معصرة باب اليمن"، الواقعة في مدينة صنعاء القديمة، بالفخر لمحافظته على مهنة آبائه وأجداده.
وتعتبر معاصر زيوت السمسم من المعالم التراثية للبلاد، إذ يصل عمر بعضها لمئات السنين، وما زالت محافظة على أصالتها.
"معصرة باب اليمن"، التي ورثها أحسن صالح عن والده وأجداده، واحدة من 7 معاصر تقليدية فقط ما تزال قائمة في مدينة صنعاء القديمة، المدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث الإنساني العالمي.
وكانت مدينة صنعاء التاريخية تعج بعشرات المعاصر من هذا النوع قبل أن تندثر كغيرها من المهن والحرف العريقة في اليمن.
عناصر من الطبيعة
وتعتمد معاصر السمسم التقليدية على أربعة عناصر: الإنسان والحيوان والحجر والشجر.
ويعد "الجمل" العامل الرئيس في طحن الحبوب لاستخلاص جميع أنواع الزيوت بما فيها زيت السمسم في هذه المعاصر التقليدية، من خلال جره (الجمل) لعمود المعصرة الحجرية بحركة دائرية لساعات عديدة يومياً، وهو مغمض العينين، حتى لا يصاب بالدوار، على حد تعبير أحسن صالح.
وتتميز الزيوت المنتجة بالطريقة الحجرية والجمل، بالجودة والطعم والرائحة، خلافاً لتلك المنتجة في آلات كهربائية حديثة.
وتعتبر الطريقة الأفضل لاستخراج زيت السمسم متعدد الاستخدامات في اليمن، الطعام والعلاج وحتى التجميل.
ويستغرق إنتاج 5 لترات من زيت السمسم، بهذه الطريقة، أكثر من 6 ساعات، وفقاً لصالح، الذي يؤكد أن الإقبال على شراء هذه الزيوت جيد، "زبائني من اليمن، ودول الخليج، وجميع أنحاء العالم".
خالي من المواد الكيميائية
يقول أحسن صالح لموقع (ارفع صوتك) "عمر هذه المعصرة أكثر من 750 سنة، وهي مصدر رزقي الوحيد. نعصر جميع أنواع الزيوت كالسمسم والخردل وغيرها، ونقوم بتعبئتها في قناني بلاستيكية، ونجهزها للبيع. أشعر بالفخر وانا أحافظ على جزء من تاريخ بلادي".
ويضيف صالح أن زيت "الجلجل البلدي"، كما يطلق عليه اليمنيون، يتميز بخلوه من المواد الكيميائية والمواد الحافظة، ما يجعل الإقبال عليه كبيرا في الأسواق المحلية، رغم ارتفاع أسعاره.
ويصل سعر 0.75 لتر من بعض أنواع هذه الزيوت، إلى أكثر من 15 دولارا أمريكيا.
وبحسب أحسن صالح يتم جلب حبوب السمسم من عدة مناطق زراعية في اليمن بينها مزارع في محافظات الحديدة وذمار وصنعاء ومأرب وأبين.
ويقر صالح، بارتفاع أسعار الزيوت الطبيعية خلال فترة الحرب المستمرة في اليمن منذ أكثر من 5 سنوات، بسبب ارتفاع أسعار الحبوب بنسبة تجاوزت 100%، كما يقول.
وعزا ذلك إلى ارتفاع أسعار المشتقات النفطية التي ألقت بظلالها سلباً على مختلف القطاعات، بينها الإنتاج الزراعي، كواحدة من أبرز تداعيات الحرب التي أثرت سلباً على معيشة ملايين السكان في البلد العربي الفقير.
تصدير للخارج
من جانبه، يقول سليم القرماني، وهو مالك معصر "باب الحارة"، التي يتجاوز عمرها الـ300 عام، وورثها عن سلسلة طويلة من الآباء والأجداد، "ما زلت محافظا على النمط التقليدي في عصر السمسم وغيرها من البذور".
ويشرح القرماني لموقع (ارفع صوتك) سبب جودة زيت السمسم المعصور تقليديا عن زيت السمسم المعصور كهربائيا، بقوله إن "سرعة المحرك الكهربائي تولد حرارة كبيرة، تضفي نكهة احتراق للزيت وتفقده كثيرا من قيمته الغذائية والصحية، بعكس المعاصر التقليدية التي تعصر الحبوب ببطء لنحصل على زيت بني اللون ذو نكهة ورائحة نفاذة وزكية".
تبيع معصرة "باب الحارة" زيوتًا أخرى غير السمسم، مثل زيوت الخروع والزيتون والخردل والجوز والذرة واللوز.
ويقول القرماني إن هناك زبائن مخصصين لا يفضلون سوى الزيت التقليدي، وبعضهم من خارج اليمن، إذ تصدر معصرة بيت الحارة كميات من زيوتها لليمنيين خارج اليمن.
طعام وصحة
وإلى جانب استخدام هذه الزيوت في إعداد الأطعمة المختلفة، يستخدمها اليمنيون أيضاً كعلاج للأمراض.
يقول الستيني إسماعيل النهاري، أحد سكان صنعاء القديمة، والذي يستخدم زيت السمسم ضمن وجبات الطعام بشكل يومي "هذه الزيوت مهمة جدا لجسم الإنسان تقوي المناعة ومفيدة لكثير من الأمراض بما فيها السكر والصدر والمعدة والروماتيزم وتقوي النظر".
ويتناول النهاري زيت السمسم مع العصيدة والخبز والبقوليات، كما يستخدمه لدهن كل أجزاء جسده.
ويعتقد الرجل الستيني أن زيت السمسم "يقوي مخ الأطفال، خصوصا عندما يتم دهن رؤوسهم به بعد الولادة وفي مرحلة الطفولة".
"كثير من اليمنيين القدماء لم يذهبوا طوال حياتهم إلى أي طبيب بفضل استخدامهم زيت السمسم"، يقول إسماعيل النهاري بينما كان يشتري كمية من هذا الزيت من معصرة تقليدية في مدينة صنعاء التاريخية.
