العالم

مشردو اليمن.. لا سكن ولا حماية من كورونا

غمدان الدقيمي
16 يونيو 2020

أمام خيمة بلاستيكية ممزقة مدعّمة ببعض الأحجار في جوانبها برصيف شارع رئيس شمالي العاصمة اليمنية صنعاء، جلس سعد سالم وأطفاله الأربعة يترقبون من يأتي ليقدم لهم المساعدة.

يقطن سعد مع أسرته، منذ أكثر من أربعة أعوام في هذا المكان، بعدما أجبرته ظروف الحرب على العيش في الشارع.

"ليس بمقدورنا استئجار شقة"، يقول سعد (50 عاما) الذي أضطر للانتقال إلى العاصمة صنعاء، من مدينة تعز جنوبي غرب اليمن منتصف العام 2015، على أمل الحصول على فرصة عمل ووضع معيشي أفضل.

ويضيف في حديث لموقع (ارفع صوتك)، "تمر علينا أياما صعبة ونحن نعيش هنا على الرصيف أيام الأمطار في الشتاء والحر في الصيف، الموت أفضل من هذه العيشة".

حياة مهدورة

لا يكترث رب الأسرة لاحتمال إصابته أو أحد أطفاله بفيروس كورونا، ويقول إن الجائحة لن تشكل فارقا في حياته المنذورة للتشرد، فهو يضطر لمخالطة الناس على الدوام، الأمر الذي يضعه في مواجهة الخطر بشكل دائم، لكنه لا يبدي اهتماماً حيال الأمر.

ويواصل سعد ممارسة عمله في تجميع علب البلاستيك وبيعها، وهي مهنة ابتدعها لنفسه منذ أن وعى على مصيره كمشرد ملقى في الشارع، تدر عليه دخلاً يومياً بسيطاً يأتيه، لكن شرط البقاء هذه، تضعه وغيره من المشردين في صنعاء وباقي المدن أمام خطر الإصابة المحدق بكورونا.

ودفع الصراع الدامي في اليمن، وتداعياته الإنسانية والاقتصادية المدمرة الكثير من اليمنيين إلى افتراش أرصفة الشوارع واتخاذ حيطان بعض المنازل مساكنا لهم، في بلد تقول الأمم المتحدة إنه يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في التاريخ، مع ارتفاع أعداد السكان الذين يعانون من "ضائقة غذائية"، إلى نحو 24 مليونا.

نقص الغذاء

قبل نزوحه إلى العاصمة صنعاء، كان سعد سالم يعمل حمالاً في سوق شعبي غربي مدينة تعز، حيث يجني قليلا من المال الذي يسد به رمق أسرته الصغيرة.

يقول الرجل ذو البشرة السوداء، والذي تبدو على وجهه ملامح العناء، "الآن أنا من دون وظيفة، أجمع علب بلاستيك وأبيعها حيث أجني يوميا أقل من 1500 ريال (2.5 دولار أميركي) بالكاد تكفي لوجبتي طعام لي ولأطفالي".

ويضيف سعد، "نعاني نقصا في الغذاء ونستخدم الورق وأعواد الخشب لطهي وجبات الطعام، وليس لدينا مياه صالحة للشرب، حياتنا جحيم. نحن المشردون لا نحظى بأي اهتمام".

مستقبل مظلم

وأسوأ حالات التشرد هي تلك التي يكون ضحيتها الأطفال، حيث لوحظ ارتفاعا غير مسبوق لأعداد الأطفال المشردين في الشوارع خاصة في صنعاء والمدن الرئيسية.

ومن بين نحو 20 طفلا (لا يتجاوزون الـ15 عاما) يعملون كباعة متجولين أو متسولين في تقاطع رئيس وسط صنعاء، قال خمسة منهم لمراسل (ارفع صوتك) إنهم ينامون في منازل أو خيام تابعة لأسر أصدقائهم.

والأطفال المشردين في الشوارع يكونون عرضة للاستغلال ومختلف أنواع الاعتداءات الجسدية واللفظية والجنسية، فضلا عن الإدمان.

ويدفع أطفال اليمن ثمن باهظا للحرب القائمة، وينذر استمرار الصراع بهذه الطريقة على مستقبل مظلم لأطفال اليمن.

الحرب تضاعف الظاهرة

على مدى الأعوام الخمسة الماضية، شهدت صنعاء ومدن أخرى ازدياداً ملحوظاً لأعداد المشردين نتيجة الحرب، التي أفقدت المئات من اليمنيين مصادر دخلهم، وقذفت بهم في أتون البطالة والآثار النفسية السيئة التي قادتهم بدورها إلى الضياع.

لا توجد إحصائية رسمية لأعداد المشردين في اليمن، بيد أن مراقبين يقدرون أعدادهم بعشرات الآلاف، يتركز غالبيتهم في العاصمة صنعاء.

ويشكلون فئة اجتماعية تعيش في الهامش، ولا تحظى باهتمام السلطات الحكومية ومنظمات الإغاثة العاملة في اليمن.

باتت هذه الفئة اليوم وجهاً لوجه أمام تفشي وباء كورونا، ذلك أنها الأكثر ترشيحاً للإصابة بالوباء نظراً لطبيعة الحياة المكشوفة التي يعيشها المشردون في الشوارع، وحركتهم الدائمة التي تجعلهم على اختلاط مباشر بالناس في الأسواق والطرقات دون وسائل وقاية.

بدوره، يقلل عادل الشرجبي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة صنعاء، من إمكانية القضاء على ظاهرة أطفال الشوارع في ظرف كاليمن، ويوضح لموقع (ارفع صوتك) "من المستحيل القضاء عليها حاليا. لأن سببها الرئيس هو الفقر الذي تفاقم بسبب الحرب".

ويرى الشربجي أن "توقف الحرب أولاً وتحسين المستوى الاقتصادي والتعليمي، وإصدار قوانين تحظر عمالة الأطفال تحت سن 14، هذه العوامل مجتمعه يمكن أن تخفف من الظاهرة".

مخاطر جديدة

ويشكل المشردون بحكم تنقلهم الدائم بؤراً خطيرة لتفشي كورونا في اليمن، من خلال تحولهم إلى نواقل اجتماعية للفيروس بسبب اختلاطهم المتواصل بالناس في الأماكن المزدحمة.

ويحتاج المشردون في الوقت الراهن للرعاية الاجتماعية والصحية بسبب مخاطر جائحة كورونا، على الرغم من بقائهم خلال السنوات الماضية خارج اهتمام السلطات الحكومية ومنظمات الإغاثة الدولية العاملة في اليمن، وإلى اليوم لا يزالون منسيين من قبل الجميع.
 

غمدان الدقيمي

مواضيع ذات صلة:

الكعبة
ارتبطت شعيرة الحج بالسياسة منذ فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي.

يحظى الحج بأهمية كبرى عند المسلمين، فهو أحد أبرز الفرائض الرئيسية في الدين الإسلامي. إلى جانب مضامينه الروحية، ارتبط الحج -بشكل قوي- بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.  كيف تأثرت تلك الفريضة الدينية بالمتغيرات السياسية التي عرفتها البلاد الإسلامية؟ وما هي أبرز الحوادث التي اُستخدم فيها الحج للتعبير عن الخلافات والنزاعات حول السلطة؟

 

زمن الأمويين والعباسيين

ارتبطت شعيرة الحج بالسياسة منذ فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي. في ستينات القرن الأول الهجري، ثار عبد الله بن الزبير على السلطة الأموية. واتخذ من مكة عاصمة لحكمه، بينما بقي الأمويون يحكمون من دمشق. في تلك الأثناء، تم استغلال موسم الحج لإقناع الحجاج بالانضمام لابن الزبير. رد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على ذلك بمنع أهل الشام من الخروج للحج.

في سنة 73 هجرية، انقلبت الأوضاع رأساً على عقب. تمكن الجيش الأموي، بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي من حصار ابن الزبير في مكة. "وحَجَّ الحَجَّاج بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور... ولم يحج -أي ابن الزبير- ذلك العام ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة"، وذلك بحسب ما يذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك".

تكرر الموقف في أربعينيات القرن الثاني الهجري، وذلك بالتزامن مع اشتعال الثورة العلوية في الحجاز ضد الحكم العباسي. منع والي مصر العباسي خروج رعاياه لأداء فريضة الحج خوفاً من تأثرهم بالدعاية السياسية العلوية، "فلم يحجّ في تلك السنة أحد من مصر ولا من الشام؛ لما كان بالحجاز من الاضطراب من أمر بني الحسن"، وذلك بحسب ما يذكر ابن تغري بردي في كتابه "النجوم الزاهرة".

 

"درب زبيدة".. من قوافل الحج والتجارة إلى قائمة التراث العالمي
عُرف طريق الحج الكوفي باسم "درب زبيدة" نسبة إلى زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي تكفلت بعمارته، وأنشأت العديد من الآبار والبرك وأماكن الاستراحة على طول الطريق إلى مكة. بعد أن كان الحجاج يعانون من وعورة الطريق وشح المياه، ليُخلد الطريق ذكرها منذ ذلك التاريخ.

من جهة أخرى، تجلت أهمية الحج كحدث مركزي في العبادات الإسلامية في مجموعة من المواقف السياسية المهمة. على سبيل المثال، استغل الخليفة العباسي هارون الرشيد قيامه بالحج في سنة 186ه، ليعلن عهده إلى ولديه الأمين والمأمون. اصطحب الرشيد ابنيه معه في رحلة الحج "واستكتب كلاً منهما عهداً بما عليه وله قبل الآخر، وعلَّق العهدين بالكعبة"، وذلك حسبما يذكر الكاتب أحمد فريد رفاعي في كتابه "عصر المأمون".

في القرن الرابع الهجري، استغل القرامطة الأهمية الرمزية لشعيرة الحج في قلوب المسلمين لإثبات تفوقهم العسكري على الخلافة العباسية. في سنة 317هـ، تمكن القرامطة -بقيادة أبي طاهر الجنّابي- من مهاجمة مكة. وبعدها، اقتلعوا باب الكعبة والحجر الأسود. وحملوه معهم إلى هَجَر، الواقعة شرقي شبه الجزيرة العربية. وتسببت تلك الحوادث في تعطيل الحج لسنين متواصلة.

 

من عباس الصفوي إلى تأسيس السعودية

وقع الاستغلال السياسي للحج أيضاً في عصر الدولة العثمانية. سيطر العثمانيون على الحجاز، وأعلنوا حمايتهم للحرمين الشريفين. واستغلوا ذلك في دعايتهم السياسية ضد أعدائهم من الصفويين.

بالمقابل، حاول الشاه عباس الصفوي أن يقلل من منزلة الحج لدى رعيته في إيران. يذكر عبد العزيز بن صالح في كتابه "عودة الصفويين" إن الشاه حاول أن يقنع الإيرانيين بالتخلي عن أداء فريضة الحج. ووجه اهتمامه لتعظيم مقام الإمام علي الرضا، ثامن الأئمة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، في طوس. ودعا الإيرانيين لزيارة المقام والتبرك به. ولتشجيعهم على ذلك، سافر عباس سيراً على الأقدام من أصفهان إلى مشهد، وقطع في هذه الرحلة ما يزيد عن 1200 كيلو متر على مدار 28 يوماً.

الأهمية السياسية لشعيرة الحج ظهرت بشكل أكثر وضوحاً في بدايات القرن العشرين، بالتزامن مع اندلاع "الثورة العربية الكبرى" ضد العثمانيين في سنة 1916م. يذكر الباحث لوك شانتر في كتابه "الحج في الحقبة الاستعمارية" أن الإشراف على فريضة الحج كان أحد المسائل المُتنازع عليها بين علي بن الحسين، شريف مكة، وابن سعود، أمير نجد.

يقول شانتر إن شريف مكة كان يرى في الحج "رمزاً لاسترجاع استقلالية مملكته ووسيلة لتأكيد طموحاته بإقامة الخلافة، لكن إدارته العشوائية جداً للحج أسهمت في التقليل من قيمته في نظر القوى الاستعمارية والأمة الإسلامية الدولية، فالحج هو معيار للحكومة الرشيدة. وهذا ما أدركه أمير نجد، ابن سعود، الذي وضع الحج ضمن مخططه لاسترداد الحجاز ولعب بذكاء على هذين الجانبين، الجانب الدبلوماسي من خلال تسهيل حج الرعايا المسلمين التابعين للإمبراطوريات أثناء حرب الحجاز وحمايتهم، وجانب الشرعية من خلال تقديم نفسه كمجدد لمؤسسة أضاعت هيبتها المملكة الهاشمية".

من جهة أخرى، ارتبط موسم الحج بالمحمل المصري، والذي اختلطت فيه الرموز الدينية والسياسية معاً. مع وصول المماليك للحكم، بدأت عادة إرسال كسوة الكعبة سنوياً إلى مكة في موكب عظيم واحتفال مهيب. عُرف هذا الموكب باسم المحمل، ورمز إلى تبعية الحجاز لسلاطين مصر. ظلت تلك العادة المتبعة سارية لقرون عديدة. وفي سنة 1926م، دارت حولها بعض الأحداث الدامية. عندما وصل المحمل المصري إلى مكة، قام بعض الرجال المسلحين التابعين لابن سعود بإطلاق النيران على القافلة المصرية بسبب رفضهم عزف الموسيقى العسكرية المصاحبة لوصول المحمل. رد عليهم المصريون بإطلاق النيران، وسقط بعض القتلى والجرحى من الجانبين. بيّن ذلك الحدث رفض الدولة السعودية الناشئة الاعتراف بسلطة ملوك مصر. بعد تلك الحادثة، عاد المحمل المصري مرة أخرى إلى الحجاز. ولكن في سنة 1962م، توقفت تلك العادة بشكل نهائي. وذلك بسبب الخلافات السياسية الكبيرة التي نشبت بين الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، وملوك الدولة السعودية.

 

إيران وقطر

في العصر الحديث، ارتبط الحج بالعديد من الأحداث السياسية المهمة. على سبيل المثال، في سنة 1987، قام عدد كبير من الحجاج الإيرانيين بالتظاهر في مكة، وحملوا صور مرشدها الأعلى الخميني، كما رفعوا لافتات مهاجمة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. تسببت تلك المظاهرات في اندلاع أحداث عنف بين الحجاج الإيرانيين من جهة والشرطة السعودية من جهة أخرى. عبرت تلك الأحداث عن الخلافات السياسية العميقة بين الجمهورية الإيرانية، والمملكة العربية السعودية.

في سنة 2015م، تصاعد الخلاف بين إيران والسعودية مرة ثانية بسبب الحج. في تلك السنة، توفى ما يزيد عن 700 حاج في حادث تدافع بمنطقة منى في موسم الحج. على إثر تلك الحادثة، قام العديد من المسؤولين الإيرانيين بمهاجمة الحكومة السعودية. على سبيل المثال، قال المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي: "هناك الكثير من الأسئلة التي يطرحها العالم الإسلامي في هذا المجال، وعلى حكام السعودية أن يعتذروا للأمة الإسلامية وللأسر المفجوعة ويتحملوا المسؤولية عن هذا الحادث بدلاً من اللجوء إلى الإسقاط وإلقاء اللوم على الآخرين".

في السياق نفسه، هاجم نائب رئيس مجلس خبراء القيادة الأسبق، محمود الهاشمي الشاهرودي الإدارة السعودية للحج، ووصفها بأنها "لا تصلح بأي شكل كان لتولي إدارة الحرمين الشريفين" وطالب بـ"تولي إدارة إسلامية لائقة للحرمين الشريفين وشؤون الحج والعمرة الواجبين على المسلمين في كل العالم تشترك فيها كافة الدول الاسلامية بعيداً عن ممارسات الحكومة المحلية".

في سنة 2017م، ارتبط الحج بمجموعة من المشكلات الدبلوماسية التي نشبت بين بعض الدول العربية وبعضها البعض. في الخامس من يونيو من تلك السنة، أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر بسبب اتهامها بدعم جماعة الإخوان المسلمين وبعض التيارات الإسلامية. في هذا السياق، تم إغلاق الحدود بين السعودية وقطر، ورفضت الرياض نقل الحجاج القطريين إلى أراضيها عن طريق خطوط الطيران القطرية. اُعترض على تلك القرارات من جانب الحكومة القطرية. وأعربت وزارة الخارجية القطرية عن رفضها ما سمته الاستغلال السياسي لفريضة الحج، واستغربت إعلان السعودية قصر نقل الحجاج القطريين على الخطوط الجوية السعودية فقط، وقالت إنه" "أمر غير مسبوق وغير منطقي".

من جهته، ألقى وزير الخارجية السعودي الأسبق، عادل الجبير بالمسؤولية على عاتق الدوحة، واتهم قطر بتسييس قضية الحج بهدف النيل من المملكة العربية السعودية. على إثر تلك الاعتراضات المتبادلة، قررت الرياض في نهاية المطاف، فتح الحدود البرية أمام الحجاج القطريين. ووجه الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، بإعفاء الحجاج القطريين من التصاريح الإلكترونية لدخول المملكة العربية السعودية. ووافق على إرسال طائرات خاصة تابعة للخطوط الجوية السعودية إلى مطار الدوحة لنقل كافة الحجاج القطريين واستضافتهم بالكامل على نفقته الخاصة.