العالم

الرضاعة الطبيعية في الأماكن العامة.. هل أصبحت وصمة عار؟

رحمة حجة
27 يونيو 2020

كنت طفلة في السابعة أو الثامنة من العمر ربّما، حين شاهدت امرأة ترضع طفلتها أوّل مرة، كان ذلك أوائل التسعينيات.

شعرت وقتها أنني الوحيدة التي رأتها، حيث كانت الجلسة مختلطة من نساء ورجال، في بيت أحد معارفنا، وأكملوا حديثهم بشكل طبيعي، على الرغم أنها لم تضع غطاءً على صدرها.

تذكرت هذا المشهد، خلال مشاهدتي فيديو لمدونّة فيديو أميركية، يتابعها الملايين في مواقع التواصل، تنشر مقاطع كوميديا اجتماعية عن حياتها اليومية مع زوجها البريطاني وطفلها ابن العامين.

أعلنت عبر منشورها أنها تعرّضت للتنمّر عبر تطبيق "تك توك" بعد نشرها فيديو إرضاع ابنها، قائلة "تلقيت الكثير من تعليقات الكراهية والأحكام على فيديو إرضاعي طفلي. الرضاعة الطبيعية أصبحت وصمة عار"

ووجهت عبر صفحاتها في مواقع التواصل، رسائل تحفيزية للنساء اللواتي يخفن الشعور بالعار إذا هممن بإرضاع أطفالهن في الحيّز العام، بألا يترددن عن فعل ذلك.

واستهجت كيف يتقبّل الناس مثلاً رقصها في ثياب سباحة ضيّقة بينما لا يتقبّلون إرضاعها طفلها.

لقطات من حساب لورا كليري على تيك توك

ولورا كليري، شريكة في حملة "Normalize breastfeeding" النشطة في مواقع التواصل، للتشجيع على الرضاعة الطبيعية وأهميتها، من خلال نشر النساء لتجاربهن وصورهن مع أطفالهن.

 

"ليس مقرفاً ولا مثيراً جنسياً"

وفي ردّ كليري على التعليقات التي وردتها، كان هذا الفيديو، التهكمّي الساخر، تدعو فيه إلى تطبيع الرضاعة الطبيعية في الأماكن العامة، والتذكير بأهميتها للطفل والمرأة نفسها.

تقول "يسألونني لماذا نشرت الفيديو؟ ببساطة لقد شعرت أن ما يقوم به طفلي ظريفاً جداً، يلعب بينما يرضع. ولمن يقول إن هناك أطفالاً سيشاهدونني باعتباره محتوى حساس لهم، أقول إن الأطفال يمثلون المستقبل، دعم يرون ذلك ويتعلموا أن الرضاعة من الثدي أمر طبيعي وعاديّ وجزء من الحياة الصحية".

وتتابع كليري في هذا الفيديو "ولمن يقول (هذا شيء مقرف، والطفل كبير جداً) فعلياً لا يوجد شيء اسمه طفل كبير! كما أن منظمة الصحة العالمية تشجع على الرضاعة الطبيعية في الشهور الست الأولى للطفل، واستكمالها حتى عامين بجانب مكملّات غذائية أخرى".

أمّا لمن يدعوها للذهاب إلى الحمام من أجل إرضاع طفلها كونه فعلاً خاصاً يجب ألا يحدث في مكان عام، تقول كليري "معنى هذا أن لديك مشكلة مع رؤية الصّدر على افتراض أنه عضو جنسي هنا، ولكنه هنا مرتبط بتغذية الطفل والاعتياد على رؤيته بهذه الصورة قد يغيّر من النظرة له كشيء جنسي فقط".

كما انتقدت من يقارن الرضاعة الطبيعية في الأماكن العامة بالتبوّل هناك، وعدم رؤية التبوّل أمام الناس مشكلة، باعتبارهما شيئان غير متشابهين، حسب كليري.

لكن لماذا هذه قضية كبيرة يجب التركيز عليها؟ تقول كليري "ثقافتنا جعلتها هكذا، وحقيقة أن النساء لا يشعرن بالارتياح أثناء إرضاعهن أطفالهن في المجال العام سيقلل بشكل كبير من إقبال النساء على الرضاعة الطبيعية، بالإضافة إلى أن كمية التعليقات التي اعتبرت مشهد إرضاع طفلي مسيئاً كانت كبيرة جداً ما جعلني أقتنع بوجود هذه المشكلة في مجتمعنا".

وختمت كلامها بالتوكيد على أن الرضاعة الطبيعية في أي مكان هو حق للمرأة، وعليها أن تشعر بالارتياح أثناء ذلك لا أن تشعر بالعار.

Responding to Hate Comments 👀

Normalize Breastfeeding! 👶🏼♥️😆

Posted by Laura Clery on Thursday, June 25, 2020

 

Normalize Breastfeeding ♥️ ( and if this pic upsets you in anyway, make sure to check out my last video! Love ya! )

Posted by Laura Clery on Tuesday, June 23, 2020

 

ضد أو مع؟

في استطلاع "ارفع صوتك" لآراء نشطاء في موقعي تويتر وفيسبوك، كانت أغلب الإجابات من العراق وفلسطين،  وتشابهن آراء الرافضين والرافضات لإرضاع المرأة طفلها على الملأ مع الانتقادات التي توجهت لكليري. 

فيما أكدّ العديد من المشاركين في آرائهم على ضرورة أن تغطّي المرأة صدرها أثناء إرضاع طفلها في مكان عام وإن لم تستطع ذلك عليها أن تختبئ أو تذهب للحمام.

فلسطين

فيروز شحرور: "أنا ضد الرضاعة في مكان عام دون غطاء، فمعه المنظر عادي ومقبول، بينما فالمنظر مقرف".

دينا قاسم: "أنا ضد إرضاع طفلي بمكان عام بغطاء أو دونه، لكني لا أتنمر على من يقمن بذلك، وأحترم الأمهات اللاتي يخترن الرضاعة الطبيعية لأنها عملية متعبة أساساً، وأن يتعرضن فوقها للتنمر هذا أمر مؤذ".

شيرين صندوقة: "يبدو ابنها كبيراً (تعليقاً على صورة لورا كليري). أنا عودت بناتي على الرضاعة بعلبة الحليب بحكم عملي، ولم يحدث أن أرضعتهن في مكان عام ولا أتقبل الفكرة أبداً من مبدأ الحرام حسب ديننا (الإسلام) والطفل والأم بحاجة لخصوصية".

العراق

شهاب أحمد: "أنا ضد تخصيص مكان لهن و تفريقهن عن الرجال، فإرضاع أطفالهن أمر عادي جداً، وأكثر من مرة رأيت أمهات كذلك ولا يتعرضن للمضايقة".

طه الدليمي (مقيم في ولاية تكساس الأميركية): "قانون الولاية يمنع الرضاعة الطبيعية في الأماكن العامة، لكن بالنسبة لي لا أرى مشكلة فيه".

آمنة: "المنظر لطيف جداً وطبيعي، وبالعكس أشعر بالقهر إذا رأيت امرأة ترضع طفلها في الحمام". 

 

تجارب من الواقع

ومن جانب آخر، شارك رجال ونساء تجاربهم عبر مواقف شهدوها بأنفسهم، أو عبر ردّة فعل الناس على إرضاع المرأة لطفلها.

العراق

حسين: "الموضوع ليس له علاقة بالدين او دولة، هناك عقول لا تتبع ديناً معين، تعتبر الرضاعة الطبيعية في مكان عام أمراً مقززاً وبعضهم يعتبره إثاره جنسية. زوجتي تعرضت لهذا الأمر عشرات المرات في أمريكا. وفي إحدى الحالات اضطررنا إلى الاتصال بالشرطة".

زين: "مرة صار نقاش بمطعم بأمريكا، وبعض الناس اشتكوا من إرضاع سيدة لطفلها أمامهم، وطلبوا أن تذهب للحمام، لكنها مشكلة، فمن يقبل تناول طعامه في الحمام؟ ذلك الأمر بالنسبة للطفل أيضاً".

فلسطين

ربا عز: "كنت أرضع طفلتي في مكان جانبي ومع غطاء خاص، وتعرضت للتنمر 
من دون قصد من صديقة لي قالت (موضوع الرضاعة مقرف كأ، الأم بقرة حلوب)، بينما في مرة أخرى لفت نظري ردة فعل شخص غير عربي حين رآني أرضع طفلتي، كان إيجابياً جداً، وفعلياً زادت ثقتي بالرضاعة الطبيعية بعد أن قرأت الكثير عن فوائدها".

نداء عوينة: "أرضعت ابنتي في أماكن عامة عدة مرات، كنت آخذ مكاناً منزوياً، كنت أرى تفهماً من البعض والآخر ينظر بطريقة مزعجة، لكن لا أحد انتقدني بشكل مباشر.

عموماً  أشعر أن الموضوع عربياً، وربما فلسطينيا على الأقل، يلقى قبولا أكثر لدى الناس من الدول الغربية، ربما يعود السبب للإرث المجتمعي والديني المرتبط بأهمية الرضاعة الطبيعية وتكريم المرأة لدورها في الإنجاب والرضاعة، ويمكن أن بيئتي نفسها متسامحة وداعمة، بشكل استثنائي".

أمل راتب: "أرضعت ابنتي عدة مرات في أماكن عامة، لكنّي كنت أستخدم غطاءً مخصصاً لذلك.  أظن في المجتمع العربي موضوع الرضاعة الطبيعية عادي، وفي القرى الصغيرة أيضاً نرى العديد من النساء يرضعن أطفالهن في أماكن عامة.

الغطاء الخاص بالرضاعة، الذي ذكرته أمل

 

خلفية عن حملة تشجيع الرضاعة الطبيعية

المسألة ليست وليدة اليوم، بل ما يحدث هو استمرار لحملة بدأت منذ سنوات حول العالم، وأسهمت فيها نجمات أميركيات وأوروبيات في السينما والغناء وعروض الأزياء، عبر نشر صورهن أثناء إرضاع أطفالهن بطرق متعددة، إما بصدر مكشوف أو مغطّى أو عبر تعبئة حليب الثدي بعبوات للتمكن من تقديمها للطفل في أي وقت.

للاطلاع على بعض الصور: 24 نجمة تساعد في تطبيع الرضاعة الطبيعية

وحسب الموقع الإلكتروني لمركز "سان دييغو للرضاعة الطبيعية" فإن أوّل من أثار هذا الموضوع، وشكّل منظمة "نورمالايز بريست فييدينغ" كانت المصوّرة الأميركية الغانيّة فانيسّا سيمونز،  وهي أم لثلاثة أطفال، في شهر يونيو عام 2014.

وقال المركز "يسرّنا الإعلان أننا الراعي المحلي الأحدث لحملة تطبيع الرضاعة الطبيعية، وهو مشروع التخلص من التابوهات المرتبطة بفكرة الرضاعة الطبيعية في المجتمع الحديث، محرمات الرضاعة الطبيعية العامة في المجتمع الحديث، من خلال الصّور".

Vanessa A. Simmons, Photographer is one of 10 winning photographers for the WABA World Breastfeeding Week Photo Contest! Winning image featured on the cover.

Posted by Normalize Breastfeeding on Saturday, June 27, 2015
رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

ملصق فيلم حياة الماعز
| Source: social media

أورد موقع "منظمة هيومن رايتس ووتش"، الثلاثاء، تقريرا عن ردود الأفعال المتعلقة بفيلم "حياة الماعز" الذي أثار ضجة كبيرة في السعودية، ودول أخرى.

وبدأت منصة "نتفليكس"، قبل أيام، عرض فيلم "حياة الماعز" (The Goat Life) الذي يرتكز على تجربة نجيب محمد، وهو عامل هندي وافد عمل في السعودية أوائل تسعينيات القرن الماضي، أُجبِر على رعي الماعز بعد أن علق في الصحراء.

والفيلم مقتبس من رواية "أيام الماعز" التي نُشرت في 2008 وكانت من الأكثر مبيعا، وكتبها عامل وافد آخر تحت اسم مستعار "بنيامين".

وأثار الفيلم ضجة عارمة في السعودية، إذ دعا مواطنون سعوديون إلى مقاطعة نتفليكس، على منصات التواصل الاجتماعي، معتبرين أن الفيلم "يبالغ بشكل كبير" في وصف حالة فردية عن انتهاك حقوق عامل وافد، ويعزز الصور النمطية السلبية عن الثقافة السعودية، وهو وصف قديم وخاطئ بالأساس لمعاملة السعودية لعمالها الوافدين.

ويرى تقرير "هيومن رايتس ووتش" أن الفيلم يبالغ على الأرجح في بعض عناصر قصة نجيب، لأغراض سينمائية، ويستند إلى حالة من تسعينيات القرن الماضي، إلا أن الانتهاكات التي يسردها "لا تزال مع الأسف واسعة الانتشار أكثر مما يود المنتقدين السعوديين على التواصل الاجتماعي الاعتراف به".

والانتهاكات المصورة في الفيلم تتمحور حول عزلة رعاة الماعز، وتشمل السيطرة غير المتناسبة على حياة العمال التي يتيحها نظام الكفالة السعودي، وتفشي انتهاكات الأجور ورسوم التوظيف الباهظة، والتعرض للحرارة الشديدة، وغياب إشراف الدولة.

ويقول تقرير المنظمة إنه تم توثيق جميع هذه الانتهاكات في السعودية ودول خليجية أخرى على مدى عقود. ورعاة الماشية الوافدون، مثلهم مثل عاملات المنازل، يعانون من بعض أسوأ الانتهاكات بسبب استثنائهم من قانون العمل السعودي، وغالبا ما يقعون ضحية الإتجار بالبشر والعزلة والاعتداء الجسدي.

لكن "هيومن رايتس ووتش" ترى أن محاولة رفض الوصف المزعج لانتهاكات حقوق العمال الوافدين بصفته عنصرية أو تشهير، أو محاولة صرف النظر باللجوء إلى "الماذاعنية" هي أساليب للتقليل من شأن الانتهاكات التي يتيحها نظام الكفالة، وهو نظام عنصري لإدارة العمل. 

وتضيف: "صحيح أن نجيب احتُجز على يد كفيل محتال انتحل صفة صاحب عمله واصطحبه من المطار، إلا أن نظام الكفالة التعسفي لا يزال قائما بعد 30 عاما من مغادرة نجيب للسعودية".

و"الماذاعنية" أو Whataboutism مصطلح  يشير إلى طريقة الرد على اتهام بارتكاب مخالفات، من خلال الادعاء بأن الجريمة التي ارتكبها شخص آخر مماثلة أو أسوأ، بحسب تعريف قاموس "وبستر".

ولفتت المنظمة الحقوقية إلى أن تحقيق الطموحات العالمية للسعودية المذكورة بالتفصيل في خطط "رؤية 2030"، بما في ذلك تقديم عرض استضافة "كأس العالم لكرة القدم للرجال 2034"، يعتمد إلى حد كبير على العمال الوافدين.

واعتبرت أنه إذا لم تعطِ السعودية الأولوية لتدابير جريئة لحماية العمال بموازاة مشاريعها الطموحة، سنشهد مزيدا من الروايات المشابهة لرواية نجيب، التي تفضح انتهاكات مرعبة التي يعاني منها العمال الوافدون في السعودية.