العالم

من ينقذ آثار تعز التاريخية؟

27 يوليو 2020

تبدو آثار الحرب جلية على واجهتي المتحف الوطني في مدينة تعز في جنوب غرب اليمن.

إذ تذكّر إحداهما بعد ترميمها، بعظمة هذا المعلم التاريخي المجسّد للحضارة العربية، بينما تشهد الأخرى التي لا تزال مدمّرة ويلات الحرب التي تمزّق البلاد.

والمتحف الوطني، بأعمال الجبس المزخرفة وشرفات المشربية الخشبية، واحد من ثلاثة متاحف في المدينة، وهو قصر ملكي عثماني كان مقر إقامة الإمام أحمد حميد الدين، آخر أئمة اليمن قبل سقوط المملكة عام 1962، وقد أصبح متحفا في عام 1967.

ويشبه بناء المتحف نمط البناء في صنعاء القديمة، وهي أحد أربعة مواقع يمنية مسجّلة في قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم (يونسكو).

وتعرّض المتحف للقصف من جانب المتمردين الحوثيين في عام 2016 ما أدى الى تدمير مخطوطاته، وأغلقت أبوابه لأربع سنوات ثم بدأت إعادة ترميمه في كانون الثاني/يناير الماضي بعد حصوله على منحة.

وتعز إحدى أكثر المدن تأثّرا بالحرب منذ بداية النزاع في منتصف 2014.

وتخضع المدينة التي تحيط بها الجبال ويسكنها نحو 600 ألف شخص، لسيطرة القوات الحكومية، لكن المتمردين يحاصرونها منذ سنوات، ويقصفونها بشكل متكرر.

ويدور نزاع في اليمن بين حكومة يساندها منذ 2015 تحالف عسكري تقوده السعودية، والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران والذين يسيطرون على مناطق واسعة في شمال البلاد وغربها وكذلك على العاصمة صنعاء منذ بدء هجومهم في 2014.

خلال سنوات النزاع، قتل وأصيب عشرات آلاف الأشخاص معظمهم من المدنيين، بحسب منظمات إنسانية، بينما يعيش أكثر من ثلاثة ملايين مدني في مخيمات مكتظة.

قطع نادرة

من بين المعروضات في المتحف أدوات طبخ ومخطوطات موضوعة على طاولات خشبية قديمة مع أغطية ملوّنة ومطرّزة.

ويتذكّر مدير المتحف رمزي الدميني كيف كان المتحف "مليئا بقطع أثرية نادرة وهامة".

ويتابع "هناك قطع أثرية ومخطوطات وقطع حجرية ومنقوشات وسيوف ودروع أثرية هامة ونادرة نهبت من المتحف"، مضيفا "استعدنا البعض منها، لكن لا تزال هناك قطع هامة ونادرة مفقودة حتى هذه اللحظة".

ويشير الدميني إلى أنّه على تواصل مع السلطات ومنظمة اليونسكو لإعادة تأهيل المباني الأثرية وإعادة ترميم المتحف واستعادة القطع الأثرية التي تم تهريبها خارج اليمن.

بيع عبر الانترنت

لكن رئيس الهيئة العامة اليمنية للآثار مهند السياني يقول إن "العملية صعبة".

ويوضح لوكالة الصحافة الفرنسي، "لدينا حكومتان وبلاد في حالة حرب وتجارة الآثار كانت موجودة قبل الصراع بوقت طويل".

ويوضح السياني أنه في حين لا توجد أرقام حول عدد الآثار التي تم نهبها، فإن السلطات اليمنية واليونيسكو تقومان بعمليات جرد للعديد من المتاحف في البلاد ومشاريع ترميم مواقع أثرية في صنعاء وزبيد وشبام وعدن.

من جانبه، يؤكد الباحث في مجال الآثار منير طلال أن الحرب "أثرت بشكل كبير" على المواقع الأثرية، مشيرا إلى عمليات قصف استهدفت المدينة القديمة في صنعاء، ومتحف ذمار الذي دُمّر، وقلعة القاهرة في تعز.

ويضيف "تمّ تدمير أعلى القلعة وأربعة مبان في المكان نفسه، وبعض القصور التي تعود إلى العصر الرسولي (دولة بني رسول من القرن السابع الهجري) والعصر الأيوبي".

ويتابع طلال "يمكن الوقوع على الإنترنت على إعلانات عديدة تروّج لبعض الآثار المسروقة وتعرض أسعارها. وخلال فترة الحرب، حصلت مزادات علنية قدمت آثارا يمنية مسروقة للبيع". 

ويتساءل "هذه الآثار كيف خرجت من اليمن؟ من المسؤول عنها؟ لا نعلم".

رابط قوي

وبحسب الاختصاصي الفرنسي في علم الآثار في شبه الجزيرة العربية جيريمي شيتيكات، يمكن العثور على بعض التحف والآثار في بعض دول الخليج.

ويرى شيتيكات أنّ تدمير التراث اليمني لم يتسبّب بضجّة دوليّة كبيرة مثلما حدث في سوريا والعراق، لأن بعضها تسبّبت به الحملة التي يقودها التحالف العسكري بقيادة السعودية المقرّبة من دول غربية كثيرة والتي تعتبر شاريا رئيسيا للأسلحة.

ويوضح الباحث أن هناك "رابطا قويا للغاية يجمع اليمنيين مع تراثهم بما في ذلك التراث ما قبل الإسلام" الذي كان يشكّل "فخرا كبيرا" كونه يذكّر "بالفترة التي كانت فيها جنوب الجزيرة العربية (اليمن حاليا) الحضارة الأكثر تقدما في شبه الجزيرة".

ويشكو اليمني هشام علي أحمد في تعز من "إهمال المناطق الأثرية"، موضحا أنه يتمنّى "أن تعود الحياة والدولة وتهتم بالآثار، لأنها رمز الوجه الحضاري للبلاد".

وفي أواخر حزيران/ يونيو الماضي، تم توجيه الاتهام في باريس إلى خبير فرنسي وزوجته ضمن حملة لمكافحة الاتجار بآثار منهوبة في دول في الشرق الاوسط تشهد اضطرابات سياسية وحروبا.

ومن المقرر إعادة فتح متحف تعز في عام 2023، على أمل أن يكون الصراع قد توقّف، ما سيسهم في إنقاذ حياة كثيرين وقرون من التاريخ.

مواضيع ذات صلة:

الكعبة
ارتبطت شعيرة الحج بالسياسة منذ فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي.

يحظى الحج بأهمية كبرى عند المسلمين، فهو أحد أبرز الفرائض الرئيسية في الدين الإسلامي. إلى جانب مضامينه الروحية، ارتبط الحج -بشكل قوي- بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.  كيف تأثرت تلك الفريضة الدينية بالمتغيرات السياسية التي عرفتها البلاد الإسلامية؟ وما هي أبرز الحوادث التي اُستخدم فيها الحج للتعبير عن الخلافات والنزاعات حول السلطة؟

 

زمن الأمويين والعباسيين

ارتبطت شعيرة الحج بالسياسة منذ فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي. في ستينات القرن الأول الهجري، ثار عبد الله بن الزبير على السلطة الأموية. واتخذ من مكة عاصمة لحكمه، بينما بقي الأمويون يحكمون من دمشق. في تلك الأثناء، تم استغلال موسم الحج لإقناع الحجاج بالانضمام لابن الزبير. رد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على ذلك بمنع أهل الشام من الخروج للحج.

في سنة 73 هجرية، انقلبت الأوضاع رأساً على عقب. تمكن الجيش الأموي، بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي من حصار ابن الزبير في مكة. "وحَجَّ الحَجَّاج بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور... ولم يحج -أي ابن الزبير- ذلك العام ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة"، وذلك بحسب ما يذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك".

تكرر الموقف في أربعينيات القرن الثاني الهجري، وذلك بالتزامن مع اشتعال الثورة العلوية في الحجاز ضد الحكم العباسي. منع والي مصر العباسي خروج رعاياه لأداء فريضة الحج خوفاً من تأثرهم بالدعاية السياسية العلوية، "فلم يحجّ في تلك السنة أحد من مصر ولا من الشام؛ لما كان بالحجاز من الاضطراب من أمر بني الحسن"، وذلك بحسب ما يذكر ابن تغري بردي في كتابه "النجوم الزاهرة".

 

"درب زبيدة".. من قوافل الحج والتجارة إلى قائمة التراث العالمي
عُرف طريق الحج الكوفي باسم "درب زبيدة" نسبة إلى زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي تكفلت بعمارته، وأنشأت العديد من الآبار والبرك وأماكن الاستراحة على طول الطريق إلى مكة. بعد أن كان الحجاج يعانون من وعورة الطريق وشح المياه، ليُخلد الطريق ذكرها منذ ذلك التاريخ.

من جهة أخرى، تجلت أهمية الحج كحدث مركزي في العبادات الإسلامية في مجموعة من المواقف السياسية المهمة. على سبيل المثال، استغل الخليفة العباسي هارون الرشيد قيامه بالحج في سنة 186ه، ليعلن عهده إلى ولديه الأمين والمأمون. اصطحب الرشيد ابنيه معه في رحلة الحج "واستكتب كلاً منهما عهداً بما عليه وله قبل الآخر، وعلَّق العهدين بالكعبة"، وذلك حسبما يذكر الكاتب أحمد فريد رفاعي في كتابه "عصر المأمون".

في القرن الرابع الهجري، استغل القرامطة الأهمية الرمزية لشعيرة الحج في قلوب المسلمين لإثبات تفوقهم العسكري على الخلافة العباسية. في سنة 317هـ، تمكن القرامطة -بقيادة أبي طاهر الجنّابي- من مهاجمة مكة. وبعدها، اقتلعوا باب الكعبة والحجر الأسود. وحملوه معهم إلى هَجَر، الواقعة شرقي شبه الجزيرة العربية. وتسببت تلك الحوادث في تعطيل الحج لسنين متواصلة.

 

من عباس الصفوي إلى تأسيس السعودية

وقع الاستغلال السياسي للحج أيضاً في عصر الدولة العثمانية. سيطر العثمانيون على الحجاز، وأعلنوا حمايتهم للحرمين الشريفين. واستغلوا ذلك في دعايتهم السياسية ضد أعدائهم من الصفويين.

بالمقابل، حاول الشاه عباس الصفوي أن يقلل من منزلة الحج لدى رعيته في إيران. يذكر عبد العزيز بن صالح في كتابه "عودة الصفويين" إن الشاه حاول أن يقنع الإيرانيين بالتخلي عن أداء فريضة الحج. ووجه اهتمامه لتعظيم مقام الإمام علي الرضا، ثامن الأئمة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، في طوس. ودعا الإيرانيين لزيارة المقام والتبرك به. ولتشجيعهم على ذلك، سافر عباس سيراً على الأقدام من أصفهان إلى مشهد، وقطع في هذه الرحلة ما يزيد عن 1200 كيلو متر على مدار 28 يوماً.

الأهمية السياسية لشعيرة الحج ظهرت بشكل أكثر وضوحاً في بدايات القرن العشرين، بالتزامن مع اندلاع "الثورة العربية الكبرى" ضد العثمانيين في سنة 1916م. يذكر الباحث لوك شانتر في كتابه "الحج في الحقبة الاستعمارية" أن الإشراف على فريضة الحج كان أحد المسائل المُتنازع عليها بين علي بن الحسين، شريف مكة، وابن سعود، أمير نجد.

يقول شانتر إن شريف مكة كان يرى في الحج "رمزاً لاسترجاع استقلالية مملكته ووسيلة لتأكيد طموحاته بإقامة الخلافة، لكن إدارته العشوائية جداً للحج أسهمت في التقليل من قيمته في نظر القوى الاستعمارية والأمة الإسلامية الدولية، فالحج هو معيار للحكومة الرشيدة. وهذا ما أدركه أمير نجد، ابن سعود، الذي وضع الحج ضمن مخططه لاسترداد الحجاز ولعب بذكاء على هذين الجانبين، الجانب الدبلوماسي من خلال تسهيل حج الرعايا المسلمين التابعين للإمبراطوريات أثناء حرب الحجاز وحمايتهم، وجانب الشرعية من خلال تقديم نفسه كمجدد لمؤسسة أضاعت هيبتها المملكة الهاشمية".

من جهة أخرى، ارتبط موسم الحج بالمحمل المصري، والذي اختلطت فيه الرموز الدينية والسياسية معاً. مع وصول المماليك للحكم، بدأت عادة إرسال كسوة الكعبة سنوياً إلى مكة في موكب عظيم واحتفال مهيب. عُرف هذا الموكب باسم المحمل، ورمز إلى تبعية الحجاز لسلاطين مصر. ظلت تلك العادة المتبعة سارية لقرون عديدة. وفي سنة 1926م، دارت حولها بعض الأحداث الدامية. عندما وصل المحمل المصري إلى مكة، قام بعض الرجال المسلحين التابعين لابن سعود بإطلاق النيران على القافلة المصرية بسبب رفضهم عزف الموسيقى العسكرية المصاحبة لوصول المحمل. رد عليهم المصريون بإطلاق النيران، وسقط بعض القتلى والجرحى من الجانبين. بيّن ذلك الحدث رفض الدولة السعودية الناشئة الاعتراف بسلطة ملوك مصر. بعد تلك الحادثة، عاد المحمل المصري مرة أخرى إلى الحجاز. ولكن في سنة 1962م، توقفت تلك العادة بشكل نهائي. وذلك بسبب الخلافات السياسية الكبيرة التي نشبت بين الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، وملوك الدولة السعودية.

 

إيران وقطر

في العصر الحديث، ارتبط الحج بالعديد من الأحداث السياسية المهمة. على سبيل المثال، في سنة 1987، قام عدد كبير من الحجاج الإيرانيين بالتظاهر في مكة، وحملوا صور مرشدها الأعلى الخميني، كما رفعوا لافتات مهاجمة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. تسببت تلك المظاهرات في اندلاع أحداث عنف بين الحجاج الإيرانيين من جهة والشرطة السعودية من جهة أخرى. عبرت تلك الأحداث عن الخلافات السياسية العميقة بين الجمهورية الإيرانية، والمملكة العربية السعودية.

في سنة 2015م، تصاعد الخلاف بين إيران والسعودية مرة ثانية بسبب الحج. في تلك السنة، توفى ما يزيد عن 700 حاج في حادث تدافع بمنطقة منى في موسم الحج. على إثر تلك الحادثة، قام العديد من المسؤولين الإيرانيين بمهاجمة الحكومة السعودية. على سبيل المثال، قال المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي: "هناك الكثير من الأسئلة التي يطرحها العالم الإسلامي في هذا المجال، وعلى حكام السعودية أن يعتذروا للأمة الإسلامية وللأسر المفجوعة ويتحملوا المسؤولية عن هذا الحادث بدلاً من اللجوء إلى الإسقاط وإلقاء اللوم على الآخرين".

في السياق نفسه، هاجم نائب رئيس مجلس خبراء القيادة الأسبق، محمود الهاشمي الشاهرودي الإدارة السعودية للحج، ووصفها بأنها "لا تصلح بأي شكل كان لتولي إدارة الحرمين الشريفين" وطالب بـ"تولي إدارة إسلامية لائقة للحرمين الشريفين وشؤون الحج والعمرة الواجبين على المسلمين في كل العالم تشترك فيها كافة الدول الاسلامية بعيداً عن ممارسات الحكومة المحلية".

في سنة 2017م، ارتبط الحج بمجموعة من المشكلات الدبلوماسية التي نشبت بين بعض الدول العربية وبعضها البعض. في الخامس من يونيو من تلك السنة، أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر بسبب اتهامها بدعم جماعة الإخوان المسلمين وبعض التيارات الإسلامية. في هذا السياق، تم إغلاق الحدود بين السعودية وقطر، ورفضت الرياض نقل الحجاج القطريين إلى أراضيها عن طريق خطوط الطيران القطرية. اُعترض على تلك القرارات من جانب الحكومة القطرية. وأعربت وزارة الخارجية القطرية عن رفضها ما سمته الاستغلال السياسي لفريضة الحج، واستغربت إعلان السعودية قصر نقل الحجاج القطريين على الخطوط الجوية السعودية فقط، وقالت إنه" "أمر غير مسبوق وغير منطقي".

من جهته، ألقى وزير الخارجية السعودي الأسبق، عادل الجبير بالمسؤولية على عاتق الدوحة، واتهم قطر بتسييس قضية الحج بهدف النيل من المملكة العربية السعودية. على إثر تلك الاعتراضات المتبادلة، قررت الرياض في نهاية المطاف، فتح الحدود البرية أمام الحجاج القطريين. ووجه الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، بإعفاء الحجاج القطريين من التصاريح الإلكترونية لدخول المملكة العربية السعودية. ووافق على إرسال طائرات خاصة تابعة للخطوط الجوية السعودية إلى مطار الدوحة لنقل كافة الحجاج القطريين واستضافتهم بالكامل على نفقته الخاصة.