العالم

أهالي مفقودي انفجار بيروت: نريد أبناءنا ولو أشلاء!

12 أغسطس 2020

منذ أسبوع، لم تذق ريتا طعم النوم في انتظار أن تسمع خبراً عن ابنها وابن عمّه وزوج ابنتها، ثلاثة شبان من فوج إطفاء بيروت كانوا أول من وصلوا الى المرفأ ولم يعودوا منه.

بألم يعتصر قلبها، تردّد "قطعة، قطعتان.. نريد أولادنا" لدفنهم.

في منزل عائلة حتّي في بلدة قرطبا الجبلية شمال شرق بيروت، يخيّم الوجوم على وجوه متعبة أضناها الحزن. في صالون المنزل ذي القناطر الحجرية وعلى شرفته الواسعة، يتجمع عشرات الأشخاص من أفراد العائلة والجيران والأصدقاء: سيدات لا ينطقن بكلمة ورجال يهمسون بأحاديث جانبية وشبان يقفون على الطريق خارج المنزل.

على جدار قرب المدخل، رفعت صورة عملاقة لثلاثة شبان وسيمين بزي رسمي هم نجيب حتي (27 عاماً) وابن عمّه شربل حتي (22 عاماً) وزوج شقيقته شربل كرم (37 عاماً)، مذيّلة بتعليق "الأبطال".  في خلفية الصورة انفجار المرفأ وثلاثة إطفائيين يحاولون إخماد النيران.

قبل وقت قصير من دوي الانفجار الضخم الذي دمّر مرفأ بيروت وأجزاء كبيرة من العاصمة، وقتل 171 شخصاً وأصاب ستة آلاف آخرين بجروح، تلقى فوج إطفاء بيروت اتصالاً عن اندلاع نيران في المرفأ الذي يبعد دقائق عن مركزهم. استقّل عشرة من عناصر الفوج سيارتي إطفاء وهرعوا إلى الموقع، من دون أن يعلموا ما ينتظرهم داخل العنبر 12.

وهرع جورج حتي، والد شربل وعمّ نجيب الى موقع الانفجار ليل الثلاثاء بعدما تيّقنوا أن الشبان الثلاثة كانوا في عداد الفوج الذي توجّه إلى المرفأ.

ويروي جورج لفرانس برس "بدأت أصرخ يا نجيب، يا شربل.. كنت كالمجنون. في النهاية بدأت أبكي.. بقينا حتى السادسة صباحاً ننتظر إشارة عمّا حصل" من دون جدوى.

وينقل جورج عن عنصر أمن كان موجودا في المرفأ لحظة وصول فوج الإطفاء ونجا بأعجوبة من الانفجار، أن "عناصر الإطفاء لم يعثروا على مفتاح باب العنبر فحاولوا خلعه". وفي هذه الأثناء، وقع الانفجار.

بعد بحث لثلاثة أيام، قطع جورج الذي يخفي عينيه خلف نظارات شمسية سوداء ويحاول أن يبقى متماسكاً، الأمل بنجاتهم. لكنّ الأمهات كنّ "يحتفظن بالأمل"، على حد قوله، بينما جلست قربه زوجته سناء تنساب دموعها ولا تقوى على الكلام.

وعثرت فرق الإنقاذ على جثتي عنصرين على الأقل من فوج الإطفاء.

قبل يومين، تمّ العثور على دفتر قيادة يعود لنجيب حتي الذي يقود إجمالا سيارة الإطفاء، وعلى أشلاء يُفترض أن تُحدّد هوية أصحابها في اليومين المقبلين.

بحرقة وانفعال، تتحدّث ريتا حتّي (48 عاماً) التي وضعت طوقاً طبياً حول عنقها عن ساعات انتظار مضنية. وتقول "ستة أيام ونحن ننتظر أشلاء أولادنا".

وتضيف "قطعة، قطعتان... نحن راضون. نريد أولادنا فقط" لتنظيم دفن لائق تريده أن يكون بمثابة "حفل زفاف".

على الأريكة قربها، جلست ابنتها كارلن المفجوعة بزوجها وشقيقها وابن عمّها في آن. تحاول أن تكتم دموعها حيناً وتهدّئ روع والدتها حيناً آخر، من دون أن تنطق بكلمة.

 

"أعرف رائحتهم" 

وتتابع ريتا أن أفراد العائلة أرادوا الدخول الى موقع الانفجار ولم يسمح لهم. "قلت لهم أعرف أولادي من رائحتهم، دعونا ندخل لنبحث عنهم، عندما نشتمّ رائحتهم سنعرف مكانهم".

وتضيف "نحترق في النهار مئة مرة.. ومليون مرة كما أحرقوا أولادنا هناك في المرفأ".

وعلقت الوالدة المفجوعة على قميصها  شارة مستديرة عليها صورة الشبان الثلاثة. ووسط دموعها تقول بسخط "بأي حقّ يفعلون ذلك؟. أعطيناهم أبطالاً وأعادوهم إلينا شهداء. شهداء ماذا؟ عمّا دافعوا؟ عن موبقاتهم (المسؤولين) التي خبأوها في المرفأ؟".

ثم تجيب بغضب "أولادنا ذهبوا شهداء الغدر".

ونجم الانفجار، وفق السلطات، عن حريق في عنبر تمّ تخزين 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم فيه قبل ست سنوات. ويتقاذف المعنيون الاتهامات بالمسؤولية عن وجودها من دون أي "تدابير وقاية".

وتشكو عائلات حوالى عشرين شخصا لا يزالون بين المفقودين منذ الانفجار أن أي جهة رسمية لم تتصل بهم أو تبلغهم بما حصل، أو حتى تواسيهم.

على وسائل الإعلام وعبر الإنترنت، في الشوارع والأحياء المتضررة وداخل سيارات الأجرة، يتكرّر على لسان المواطنين الغاضبين السؤال ذاته "أين الدولة"؟.

في قرطبا على بعد 55 كيلومتراً من بيروت، تقول مايان ناصيف، قريبة الشبان الثلاثة، لوكالة "فرانس برس": "كل ما نعرفه يصلنا عبر جهد خاص وعلاقات العائلة. لم نتلق أي معلومة رسمية ولم تتابع معنا أو تتصل بنا أي جهة من الدولة".

ويقول الوالد إن المطلوب اليوم هو "تحقيق دولي" في الانفجار "لأن لا ثقة لنا أساساً بالدولة".

لكن قبل ذلك، جلّ ما يتمنّاه أن "تأتي فحوص الـ"دي أن إيه" مطابقة لشربل ونجيب وشربل".

يضيف بحرقة "تخيّلي ماذا أصبحنا نتمنى؟... ننتظر أن يصل الشباب حتى نقيم لهم عرساً. لن نقيم لهم مأتماً".

 

ليسوا أرقاماً

في مواقع التواصل، ينشط لبنانيون في رفع شعارات مناهضة لتوقيف عمليات البحث عن المفقودين، وآخرون من الأهالي، يصرّون على المطالبة باستكمال البحث، من أجل العثور على أبنائهم، حتى لو كانوا جثثاً.

وكان الجيش اللبناني أعلن الأحد الماضي، عن وقف عمليات البحث عن ناجين في مرفأ بيروت، كما أشارت وسائل إعلامية إلى انسحاب عدة فرق بحث من المكان.

وعلّقت أخت المفقود غسّان حصروتي، إيميلي حصروتي المقيمة في ولاية كاليفورنيا الأميركية، بغضب على هذا القرار، كما أكد أبناؤه عبر مواقع التواصل ووسائل إعلامية مطالباتهم باستمرارية البحث وأملهم بأن يكون أبوهم من الناجين.

وقالت إيميلي "نحن لسنا أ{قاما، أو أسماءً، أو أرجل مقاعد في هذا البلد، نحن بشر. أخي هو فرحة أمي الأولى فهو أكبرنا، وهو حبيب زوجته، وهو كل شيء في حياة أبنائه، وإذا كنتم أصحاب الأمر والقرار فنحن أصحاب الدم، القرار الذي اتخذتوه نحترمه لكننا نرفضه، لن نسمح به، أو نسكت عنه، وهناك الكثير من الإثباتات الدولية على نجاة مفقودين بعد مدة من البحث".

وأضافت في فيديو نشرته على حسابها في تويتر "أخي تعرّض للغدر ويتعرض له الآن مجدداً، وهو ما لن نسمح بحصوله.. لماذا الاستعجال وإزالة الأنقاض؟ هذا مرفوض؟ هل أنتم مستعجلون لتلقّي الهبات والمساعدات؟ ليس لديكم الحق، فنحن أبناء المفقودين".

مواضيع ذات صلة:

Annual haj pilgrimage in Mecca
صورة حديثة من موسم الحج هذا العام 2024- رويترز

قرابة الألف حاج لقوا حتفهم بسبب درجات الحرارة المرتفعة التي لم تتحملها أجسادهم وهم يؤدّون المناسك الشاقة في مكة هذا العام.

بحسب تقديرات دولية، فإن أغلب المتوفين كانوا مصريين بعدما تجاوز عددهم 658 ضحية بسبب الحر، وكان البقية من إندونيسيا والهند والأردن وتونس وإيران.

تذكرنا هذه الوفيات بوقائع شهدتها مواسم حج سابقة، أدت لمصرع مئات الحجيج، لأسباب متعددة، هذه أبرزها.

 

1- نفق المعيصم

في يوليو 1990 وقع تدافع كبير بين الحجاج داخل نفق المعيصم قرب مكة، أدى إلى وفاة 1426 حاجاً معظمهم من الآسيويين.

خلال هذا الوقت كان النفق قد مرَّ على إنشائه 10 سنوات ضمن حزمة مشروعات أقامتها المملكة السعودية لتسهيل أداء المشاعر المقدسة، شملت إنشاء شبكة واسعة من الطرق والجسور والأنفاق.

السبب الأكثر شيوعاً بحسب ما تداولت وسائل إعلامية آنذاك، هو حدوث عطل في نظام التهوئة داخل النفق، لكن السُلطات الرسمية نفت ذلك.

في صبيحة يوم الحادث -أول أيام عيد الأضحى- احتشد داخل النفق حوالي 50 ألف حاج كانوا في طريقهم لأداء شعيرة رمي الجمرات، سقط بعضهم بسبب التزاحم، الأمر الذي أحدَث حالة من الذعر وسط بعض حشود الحجاج، ما دفعهم لمحاولة الخروج عنوة فوقع التدافع المميت، حسب الرواية التي أعلنتها السُلطات السعودية وقتها.

لاحقًا جرت أعمال تطوير على الجسر وتحويله إلى نفق مزدوج لمنع تكرار هذه الكارثة.

2- مظاهرة الإيرانيين

في عام 1987 إبّان حُكم الثورة الإسلامية، حاولت مجموعة من الحجاج الإيرانيين تنفيذ تعليمات آية الله الخميني بإقامة ما أسماه "مراسم البراءة" وشملت هتافات تهاجم أميركا وإسرائيل وتدعو المسلمين للتوحد.

اعتبرت السُلطات السعودية هذه الطقوس "مظاهرة غير مرخصة" فتدخلت أجهزة الأمن للتعامل معها، مما أسفر عن اشتباكات بين الطرفين أدّت إلى حادث تدافع في مرحلة لاحقة.

انتهت هذه الأحداث بمقتل 402 حاج من بينهم 275 إيرانياً و85 رجل أمن سعودياً وإصابة 649 فردا، بحسب الحصيلة الرسمية المعلنة.

3- حوادث مِنى

في أبريل 1997، ونتيجة اشتعال النيران في خيام الحجاج المتجمعين في مِنى نتيجة استخدام سخّان يعمل بالغاز، قُتل 340 فرداً وأصيب 1500 آخرين.

كرّر هذا الحادث المأساة التي سبَق أن وقعت في ديسمبر 1975 حين اندلع حريق ضخم داخل مخيم للحجاج بسبب انفجار إحدى أسطوانات الغاز، الأمر الذي أدّى إلى مقتل 200 فرد.

بسبب هذين الحادثين تقرر الاعتماد على خيام مُصنّعة من موادٍ غير قابلة للاشتعال كما مُنع استعمال سخانات الغاز خلال أداء المناسك.

4- جسر الجمرات

في مايو 1994 وقع تدافع بين الحجاج خلال عبورهم فوق جسر الجمرات بمنطقة منى في مكة، ما أدى لوفاة 270 حاجاً.

بعدها بأربع سنوات تكرّر التدافع بين الحجاج خلال رمي الجمرات، ما أدى لمصرع 118 فرداً وإصابة 180 آخرين.

5- طريق جسر الجمرات

في سبتمبر 2015 قُتل أكثر من 2230 شخصاً بعدما وقع ازدحام كبير نتيجة تداخل موجتين كبيرتين من الحجاج وصلتا في نفس الوقت إلى تقاطع طُرق في منى خلال سيرهم نحو جسر الجمرات، ليقع أسوأ حادث عرفه موسم الحج خلال 25 عاماً سبقت هذا العام.

بحسب ما ذكرته السُلطات السعودية حينها، فإن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة أدى إلى زيادة الخسائر في الأرواح.

سبَق أن وقعت تلك المأساة في 2006 حين تُوفي 362 حاجاً قبل وصولهم جسر الجمرات بعدما حدث تدافع كبير بينهم عند المدخل الشرقي للجسر.

أيضاً في فبراير 2004 حدث تدافع كبير قرب الجسر، أسفر عن وفاة 251 حاجاً.

6- رافعة الحرم

في 2015 انهارت رافعة ثُبتت فوق المسجد الحرام خلال تنفيذ مشروع ضخم لتوسعته، كانت تنفذه شركة "بن لادن" السعودية منذ أواخر 2012.

وبتأثير الأمطار الغزيرة والرياح العاتية التي اجتاحت المكان، سقطت الرافعة فوق رؤوس الحجاج، لتقتل 110 حجاج وتتسبب في إصابة 209 آخرين.

بسبب هذا الحادث تقرر وقف إسناد مشاريع حكومية لشركة "بن لادن"، كما أمر الملك سلمان بن عبد العزيز بصرف مليون ريال تعويضاً لكل حالة وفاة ونصف مليون ريال لكل مصاب.