العالم

بعد ويلات الحرب الأمطار تهدد بقاء تراث اليمن

13 أغسطس 2020

في صنعاء القديمة التي تشتهر ببيوتها المتعدّدة الطبقات ومنازل الآجر القديمة، تهدد سيول من المياه الموحلة الحي الأثري المأهول منذ أكثر من 2500 سنة والمدرج على لائحة المواقع الأثرية العالمية، وكذلك سكانه الذين يعانون من حرب مدمرة مستمرة منذ سنوات.

ومناطق العاصمة القديمة التي "تسقط وتذوب" على حد قول مسؤولة يمنية، ليست الوحيدة التي تهددها الأمطار إذ حذرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) من أن "الظروف المناخية تهدد بقاء التراث الثقافي الفريد لليمن".

ويحاول علي الورد الذي يقيم في أحد بيوت صنعاء القديمة إزالة المياه.

يقول الرجل اليمني المسن "منذ الفجر نحاول صيانة الأسقف بالطين وإزالة المياه منها، لكن كل الذي قمنا به بلا جدوى".

ويتابع بأسى "ننام ونحن خائفون، والله نحن بين الحياة والموت".

وتسبّبت الأمطار والسيول التي ضربت اليمن في الأسابيع الأخيرة بوفاة 172 شخصا على الأقل في أنحاء البلاد بينهم أطفال ونساء وإصابة المئات، بحسب مصادر رسمية ومسؤولين محليين.

وأدت الأمطار الغزيرة منذ منتصف تموز/ يوليو الماضي أيضا إلى تدمير العديد من المباني والمنشآت وألحقت أضرارا بمواقع مدرجة على لائحة التراث العالمي لمنظّمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، وخاصة في صنعاء القديمة وشبام وزبيد.

ففي صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أعلنت "وزارة الصحة" في الحكومة غير المعترف بها دوليا التابعة للمتمردين أن "106 منازل ومنشآت خاصة وعامة تضررت كليا، و156 (أخرى) تضررت جزئيا" حتى السابع من آب/اغسطس.

ودمّرت بعض المباني في صنعاء القديمة كليا أو جزئيا نتيجة استمرار هطول الأمطار الغزيرة.
يقول محمد الخميسي الذي يقطن في المدينة القديمة، شاكيا إن "بيوتنا شعبية (قديمة) من الطين. نرجو من المنظمات المجتمعية أن تجد لنا حلا".

أما المسؤولة في الهيئة اليمنية للمحافظة على المدن التاريخية دعاء الواسعي، فترى أن "حجم الضرر الذي تعرضت له صنعاء هو نتاج الإهمال وعدم الصيانة منذ زمن".

وتضيف أن "صنعاء تسقط وتذوب بكل معنى الكلمة"، مشيرة إلى أن "أسقف منازل صنعاء القديمة تضررت سابقا بسبب الضربات التي تعرضت لها المدينة والقصف الجوي، تسبب في اختلال أساسات المنازل".
وتتابع "الآن جاءت الأمطار وقضت على ما تبقى".

وبحسب الواسعي، فإنّه على الرغم من أن "الميزانية محدودة ونحن في حرب ولدينا مشاكل كثيرة تواجهنا ولكن هذه هويتنا. ومثلما ندافع عن بلادنا، لا بد أن ندافع عن هويتنا التاريخية".

ودعت إلى المزيد من "التنسيق" وإلى "دعم المبادرات الشبابية والمجتمع المدني" من أجل الحفاظ على التراث.

وتعتبر الأمم المتحدة أن الوضع في اليمن يشكل أسوأ أزمة إنسانية إذ يحتاج أكثر من ثمانين بالمئة من السكان إلى شكل من أشكال المساعدة والحماية.

كارثة حقيقية

على بعد نحو 500 كيلومتر من صنعاء، في محافظة حضرموت، لم تسلم مدينة شبام التي يصفها خبراء الآثار بـ"مانهاتن الصحراء"، نسبة إلى مبانيها البرجية الشاهقة القديمة، من الأحوال الجوية السيئة.

ويقول مسؤول محلّي إنّ أربعة منازل على الأقل دمّرت بشكل كلي و15 أخرى دمرت جزئيا.

ويحاول العمال رأب التصدعات على عجل.

ويقول مدير عام مديرية شبام عبد الوهاب عبد الله بن علي جابر "بسبب هذه الامطار والسيول، تعرضت المدينة لشبه كارثة حقيقية لم تشهدها المدينة في أوقات سابقة".

ويضيف أن شبام "كان لها النصيب الاكبر في عمليات المتابعة والحصر لأنها مدينة تاريخية ومدينة ذات معلم إنساني وتاريخي".

من جهتها، أعربت اليونسكو في بيان الثلاثاء عن "أسفها الشديد للخسائر في الأرواح والممتلكات في عدد من المراكز التاريخية في اليمن، بما في ذلك مواقع التراث العالمي في زبيد وشبام وصنعاء، وخاصة في الأيام الأخيرة في أعقاب الظروف الجوية القاسية التي اكتسحت البلاد".

وقالت المنظمة إن الأضرار الناجمة عن الأمطار تعرض "حياة سكان هذه المراكز التاريخية للخطر، تاركةً البعض دون مأوى ملائم، مع تفاقم الوضع المتردي بالفعل بالنسبة للعديد من الآخرين".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة الأفغانية كابول
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة الأفغانية كابول

دعا زعيم تنظيم "القاعدة" الحالي محمد صلاح الدين زيدان المعروف باسم "سيف العدل"، الجهاديين في جميع أنحاء العالم إلى السفر إلى أفغانستان، للاستفادة والتعلم من تجربة طالبان، والانضمام إلى معسكرات تدريب لشنّ هجمات على "الصهاينة والغرب" بحسب تعبيره.

سيف العدل كتب مقالاً تحت اسم مستعار يستخدمه منذ فترة وهو "سالم شريف"، نُشر في مجلة تصدرها "القاعدة" حمل عنوان "هذه غزة... حرب وجود.. لا حرب حدود"، قال فيه "لا بد للمخلصين من أبناء الأمة والمهتمين بالتغيير من زيارة أفغانستان والاطّلاع على أحوالهم والاستفادة من تجاربهم".

ورأى أن تجارب "أفغانستان واليمن والصومال ومغرب الإسلام تلهم أمتنا بركن تأسيسي وهو الأمة المسلّحة".

تكتسب علاقة تنظيم "القاعدة" بطالبان بعداً تاريخياً عميقاً، ولطالما كانت أفغانستان ملجأً لقيادات التنظيم، وضمت في فترات زمنية طويلة معسكرات تدريب ينطلق منها "جهاديون" لضرب أهداف حول العالم، كان أبرزها على الإطلاق أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية.

وكان مؤسس "القاعدة" أسامة بن لادن متواجداً في أفغانستان، وتحديداً في جبال طورا بورا ومنها أدار العمليات، قبل أن تشنّ أميركا حرباً واسعة النطاق على الإرهاب وتقتل بن لادن في باكستان حيث لجأ بعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان.

كما أن أيمن الظواهري زعيم القاعدة السابق، انتقل إلى أفغانستان مباشرة بعد الانسحاب الأميركي وسيطرة حركة طالبان، ثم قُتل في كابول داخل منزل تابع لشبكة سراج الدين حقاني، بغارة أميركية.

انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في عام 2021 سمح بعودة حركة طالبان للسيطرة على أفغانستان، ويبدو أن الروابط القديمة بين تنظيم "القاعدة" وطالبان قد عادت إلى الواجهة، مع وجود مصالح مشتركة بين الطرفين.

لا شك أن تنظيم "القاعدة" يحاول أن يعيد بناء نفسه في أفغانستان، كما يشرح الباحث في مجال الفلسفة السياسية والفكر الإسلامي حسن أبو هنية لـ"ارفع صوتك". فـ"التقارير الميدانية تشير إلى وجود قواعد عدة يقوم ببنائها التنظيم في أفغانستان، وقد تحدث (الديبلوماسي الأميركي السابق) سلمان خليل زاد في إحدى الجلسات أنه "لا وجود للقاعدة"، لكن التقارير تخالف ذلك، مؤكدة أن هناك بالفعل "إعادة احياء لهذا التنظيم، وتركيز على حضور القاعدة في شبه القارة الهندية".

أبو هنية يذكّر بأن حركة طالبان لديها علاقات وثيقة تاريخياً مع "القاعدة". واليوم، يتابع الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية "هناك علاقات جيدة وصعود للقاعدة بطبيعة مختلفة عن السابق تتحكم فيها حركة طالبان، ولا تسمح للقاعدة بتنفيذ أي عمليات أو مخططات إلا بإشراف طالبان بشكل مباشر".

"ولذلك يجب أن نعتاد على شكل آخر من العلاقة تقوم فيه طالبان باستخدام القاعدة على غرار ما فعلت إيران في فترات سابقة، حيث استضافت القاعدة لكن لخدمة أجندة إيران"، يقول أبو هنيّة.

ويوضح أن طالبان "تستفيد من القاعدة في مناهضة ولاية خوراسان التابعة لتنظيم داعش وفي نفس الوقت يعيد القاعدة تنظيم نفسه، خصوصاً في ما يتعلق بالهند والسياسات في ذلك الجزء من العالم".

على صعيد آليات عمل "القاعدة" في أفغانستان، فإن بناء هياكلها يحدث ببطء، يضيف أبو هنيّة، مبيّناً "هناك دعوات شهدناها موجهة للجهاديين للالتحاق بالمعسكرات، وبالفعل هناك أشخاص من العالم العربي أو من جنوب شرق آسيا وأفريقيا بدأوا بالالتحاق بمعسكرات القاعدة في أفغانستان".

ويعتقد أن "ازدهار شبكة القاعدة في أفغانستان لا يزال تحت السيطرة، ولن يكون بمقدور التنظيم توجيه ضربات كبيرة انطلاقاً من أفغانستان على غرار ١١ سبتمبر".

كما لا يتوقع أبو هنية أن نشهد تداعيات قريبة للتعاون بين طالبان و"القاعدة"، لكن خلال سنوات قد يتغير الأمر، مردفاً "هذا رهن علاقات طالبان بمحيطها الإقليمي مع باكستان والصين وروسيا، وهذه الدول تحاول بناء علاقات جيدة مع طالبان حتى تتجنب أي ردة فعل للجهاديين سواء في آسيا الوسطى أو الصين أو في شبه القارة الهندية".

بهذا المعنى، يصف أبو هنية تنظيم "القاعدة" اليوم بأنه "ورقة بيد طالبان"، التي تحدد متى تستخدمها وكيف.