العالم

وزير الهجرة البلجيكي: لن نرحّل أحداً لبلده ونحن نعلم أنه معرّض للقتل

رحمة حجة
21 أكتوبر 2020

أكّد وزير اللجوء والهجرة البلجيكي من أصل عراقي سامي مهدي في تصريح خاص لموقع (ارفع صوتك) أنّ ما تناقلته وسائل إعلام عربية مؤخراً على لسانه بأنّه "يعتزم ترحيل مهاجرين عراقيين"، "لا تعكس صورة دقيقة لما قاله"، مؤكداً أنّ بلاده لن ترحّّل أحداً إلى بلاده "ونحن نعلم أنّه مهدّد بالقتل". 

وقال مهدي: "في البداية أود التأكيد أنّ معظم ما تمّ تناقله في وسائل الإعلام لا يعكس صورة دقيقة لما قلته، فأنا لم أقصد جنسية بعينها، إنما كان حديثي مرتبطاً بالمهاجرين المقيمين بشكل غير قانوني في بلجيكا".

وكانت تصريحات للوزير  نشرتها في الأيام القليلة الماضية وسائل إعلامية ناطقة بالعربية  قد أثارت ردود فعل مضادّة من قبل العديد من المغردّين العرب وخاصة العراقيين، واعتبروها صادمة وربمّا غير متوقعة لأن والد الوزير البلجيكي "مهاجر ولاجئ" في الأساس، حسب تعبيرهم وما تناقلته وسائل الإعلام.

 

 

رد الحكومة العراقية

ااستدعى الجدل المتداول رداً حكومياً من وزيرة الهجرة والمهجرّين العراقية إيفان فائق جابرو، حسبما أورد الموقع الرسمي للوزارة.

وقالت جابرو "نرفض أي ترحيل قسري للاجئين العراقيين، كما ويجب مراعاة ظروفهم، مضيفةً "نحن مع العودة الطوعية وليس القسرية، وسندعو السفير البلجيكي إلى لقاء للتباحث في هذا الملف".

 

رداً على تصريحات #وزير_الهجرة_البلجيكي #وزيرة_الهجرة_والمهجرين #لاعودة_قسرية_لأي_عراقي_في_دول_المهجر المكتب الاعلامي لوزارة الهجرة والمهجرين ١٧_١٠_٢٠٢٠

Posted by ‎وزارة الهجرة والمهجرين العراقية‎ on Friday, October 16, 2020

 

بناء جسور

وعزا مهدي في حديثه لـ(ارفع صوتك) ردّ الوزارة العراقية إلى "سوء فهم في الترجمة المتداولة للتصريحات" وهو ما "يؤدي عادة لنتائج سيئة من قبل جميع الأطراف"، حسب تعبيره.

وقال مهدي "نحن مستعدّون للتعاون وبناء الجسور بيننا والزملاء في العراق ومختلف الدول، من أجل حركة هجرة ولجوء منظمة وقانونية".

وتعقيباً على الآراء المتداولة والهجوم عليه بسبب التصريحات، قال مهدي "من المهم أن نعلم أننا لا نحصل على المعلومات الدقيقة دائماً".

وأكّد الوزير أنّ "طلب اللجوء والحماية هو حق لأي شخص في بلجيكا، والأولوية في القبول للمهددين بفقدان حياتهم بسبب الحروب وغيرها من الكوارث التي تشكّل خطراً عليهم".

"أما الذين يقصدون بلجيكا ويطلبون اللجوء فيها لمجرد تحسين وضعهم الاقتصادي، فأقول لهم إن وضعهم لا يمكن أن يصبح أفضل ما داموا سيعيشون بشكل غير قانوني"، تابع الوزير مهدي.

 

التصريحات

وكان مهدي قد قال خلال مقابلته مع تلفزيون "Vtm" البلجيكي التي تداولتها وسائل الإعلام وأثارت الجدل "سيتم زيادة عدد مراكز الترحيل" لتضم المهاجرين الذين رُفضوا كلاجئين في بلجيكا، من أجل إعادتهم لبلادهم، حسب القانون.

 

Mahdi gaat voor een "goed, kordaat en humaan beleid" en wil inzetten op het verhogen van de terugkeercijfers. Lees hier meer over het studiogesprek van vanmiddag: s.hln.be/bde54ba/

Posted by VTM NIEUWS on Sunday, October 4, 2020

 

ووفق ترجمة موقع "أخبار بلجيكا" للمقابلة، كانت تصريحاته كالآتي:

- ضمان ترحيل الأشخاص الذين استوفوا جميع الإجراءات الخاصة بطلب اللجوء وتم إخطارهم بضرورة العودة.

- اتخاذ سياسات حازمة وإنسانية أيضا في مجال الترحيل، والتركيز بشكل أساسي على مسألة العودة، إذ يجب رفع الأرقام في هذا المجال.

- تقديم الدعم للأشخاص المرشحين للعودة بالتعاون مع المدن والبلديات. 

- إجراءات طلب اللجوء ستكون أقصر.

 

تطبيق القانون والاستمرارية

وحسب مهدي، فإن سلسلة من الإجراءات يقوم بها المهاجر لتقديم طلب اللجوء، وخلال ستة أشهر كحد أقصى يمكن معرفة النتيجة. فإن كان الرد إيجابياً يصبح لاجئاً بشكل قانوني، وإذا كان سلبياً سيتم إعلامه بضرورة المغادرة، إذ يُعدّ بقاؤه غير قانونيّ.

وحول مراكز إقامة المهاجرين وترحيلهم في بلجيكا، أوضح مهدي "حين يقدّم المهاجرون طلبات اللجوء، يقيمون بانتظار الإجابة في أماكن ترعاها الحكومة، وتحددها لهم، وهي أماكن مفتوحة" وحين يتم قبول الطلب يحصلون على شرعية البقاء في بلجيكا.

"وفي حال رفضهم، يُطلب منهم أن يعودوا إلى بلدانهم، لأن إقامتهم ليست قانونية، فإذا رفضوا القيام بذلك بأنفسهم، يتم نقلهم إلى مراكز الترحيل (المشار لها سابقاً) وهي مغلقة، ويتم حينها التنسيق مع حكومات بلدانهم من أجل تيسير عودتهم إليها"، تابع الوزير مهدي.

ماذا لو رفضت بلاد اللاجئ عودته أو منعته من الدخول، خصوصاً أن الكثير من العراقيين والسوريين هربوا بالأساس من حكوماتهم، التي تسببت بمقتلهم؟ يجيب مهدي "سنقوم بمباحثات وعقد اتفاقيات مع حكومات الدول الديمقراطية موطن المهاجرين المقرّر ترحيلهم، ولن نرسل أي شخص لبلده ونحن نعلم أنه معرّض للقتل هناك".

كما أشار مهدي أن بعض المهاجرين قد يتم ترحيلهم لدول أخرى، ليس بالضرورة بلدانهم الأصلية، وذلك تبعاً لظروفهم، وسياسات التعاون الأوروبية.

وفي هذا السياق، أكد مهدي على أهمية التعاون بين دول الاتحاد الأوربي، التي تواجه بمجملها حركة لجوء ضخمة منذ سنوات طويلة، بدأت بأوروبا الشرقية، لتتجه فيما بعد  لألمانيا وهولندا وبلجيكا.

وقال "هذا يضع ضغطاً كبيراً على عاتقنا، بالتالي يجب أن تكون الإجراءات منظمة وقانونية وحازمة أيضاً" مؤكداً أن "تسريع الإجراءات في إرسال الموافقة أو الرفض، وترحيل المرفوضة طلبات لجوئهم، يتيح استمرار هذه العملية، ومنح الأولية للمهاجرين الذين يستحقون بالفعل، وهم أولئك المهددة حياتهم بالفقدان إذا بقوا في بلدانهم". 

وتابع مهدي "من المهم أن نعلم أن بلجيكا مستعدة للتعاون دائماً مع مختلف البلدان من أجل ضمان الهجرة الشرعية".

"أطمح لتحسين سياسة العودة لأولئك الذين تم رفض طلبات لجوئهم في بلجيكا، وسأقوم بكل شيء ممكن لتطبيق القانون، الناظم في بلادنا"، قال الوزير، مضيفاً أن حقيقة كون والده عراقياً "لا تغيّر شيئاً". 

ولفت إلى عودة الكثير من العراقيين بشكل طوعي إلى بلدهم حين رُفضت طلبات اللجوء التي قدّموها، في وقت سابق.

والجدير بالذكر، أن الوزير الشاب (32 عاماً) هو مرشح الحزب (CD & V) المسيحي الديمقراطي والفلمنكي (Christian Democratic and Flemish)، وتقلّد منصبه في بداية أكتوبر الجاري، ضمن تشكيلة وزارية جديدة، بعد مرور سنة و4 شهور من دون حكومة رسمية في البلاد.

سامي مهدي، أصغر وزير في الحكومة البلجيكية الجديدة بمنصب وزير “الدولة للهجرة واللجوء”، من مواليد 1988 لأب عراقي وأم...

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Friday, October 2, 2020

 

ويوجد في بلجيكا حالياً ما بين 120 إلى 150 ألف شخص مهاجر غير شرعي، حسب  منظمة منصة المواطن لدعم اللاجئين "Plateforme citoyenne de soutien aux réfugiés".

وتقول المنظمة، حسبما نقل موقع "DW" الألماني إن "الوضع يحتاج إلى مسؤولية أكبر من قبل الحكومة من حيث الدعم المادي وتسهيل الوصول إلى الرعاية الصحية، بالإضافة إلى تجاوز لائحة دبلن، من أجل السماح للمهاجرين خصوصا السودانيين والإريتيريين (وهم الغالبية بين طالبي اللجوء)، باستكمال إجراءات طلب اللجوء في بلجيكا".

FR : "Nous n'allons pas changer les politiques du gouvernement précédent", a déclaré Sammy Mahdi (Nouveau secrétaire d'...

Posted by Plateforme Citoyenne -BxlRefugees- Burgerplatform on Thursday, October 1, 2020
رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.