العالم

تعرضت للعنف من والديها.. سعودية تقاوم اكتئابها بالقراءة واليوغا

رحمة حجة
25 نوفمبر 2020

أصبح عُمر ليلى (اسم مستعار) 22 عاماً، ولا تزال تجهل سبب تعنيفها من قبل والديها، مذ كانت طفلة لم تكمل السابعة.

وتعيش اليوم في بيت العائلة، لكن "منعزلة عنهم" حسب تعبيرها، بسبب كل ما أورثوه إياها من ألم نفسي على مرّ السنين الماضية. 

وفي حوار مع الشابة السعودية، عبر بريد موقع "تويتر"، تطلعنا على قصّة حياتها، المطويّة في رحلة علاجها النفسي، التي تخوضها وحدها.

تقول ليلى بعبارة حازمة "توقف العنف قبل ثلاث سنوات فقط، بعد مقاطعتي أمي وأبي".

 

"أنا المذنبة"

تعرّضت ليلى إلى العنف الجسدي واللفظي، والموجع أكثر بينهما، هو "التلاعب النفسي" حسبما تقول.

أما عن أسباب وحجج أبيها وأمها لضربها وتوبيخها، تقول إنها كانت "مبهمة" مضيفة "للآن لم أجد تفسيراً منطقياً لكل ما قاما به".

وليلى هي الأخت الكبرى بين إخوتها، تشعر أيضاً أن بقية الإخوة لا يعون العنف الذي تعرضت له، ولذلك يرفضون مقاطعتها لوالديها.

هل حاولت التواصل مع شخص ليساعدك، سواء مؤسسة رسمية أو أحد أقاربك؟ "لا، فمنذ طفولتي حتى سنيّ المراهقة كنت أحاول التقرب من أمّي وكسب رضاها وتجنب الأذى في كل موقف معها، بلا جدوى" تقول ليلى.

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "نظرتي لنفسي كانت سوداوية، لاعتقادي بأن الخطأ منّي في الأساس، وبأنني المذنبة العاقّة، وهذا نتيجة التلاعب النفسي من طرف أمّي".

 

العلاج النفسي

مرّت ليلى بانهيارات نفسية عديدة، تقول لـ"ارفع صوتك": "أصبت بالقلع والهلع والاكتئاب، لكن منذ سنتين بدأت رحلة علاج مستمرة، وقطعتُ الكثير، حيث تخلصت من القلق وصححت مفاهيم كثيرة، إلا أنني ما زلت أمرّ بنوبات اكتئاب وأعاني من نظرة دونية لشخصي.. أكره ضعفي".

"كنتُ أتمنى لو أن أحداً  أوقف أمي عن تعنيفي، ولو أن أبي تواجد في البيت أكثر، وإن أمكنني تغيير شيء في حياتي سابقاً، كنت سأمضي وقتاً أكثر مع جدي وجدتي" تقول ليلى.

وتصف التجربة في منزل العائلة بأنها "مأساوية"،  مستدركةً "لكن حين أستذكر الماضي ككل، أرى شيئاً جميلاً وعظيماً غير موجود اليوم، وهو طاقتي على استيعاب الألم والصبر على كل الوجع".

وتتابع ليلى سردها "كان أملي وسعادتي يتجددان يومياً. فمع كل شروق شمس أنسى وجع ضربة الأمس وامضي بيومي مع صديقاتي ولبيت جدي وجدتي. وهو ما أفتقده اليوم..."

ما الذي ساعدك على البدء -ربما- بحياة جديدة؟ تقول ليلى "انهياري النفسي كان اللحظة الفاصلة بين أنا القديمة وأنا الجديدة،حينها فقدت طاقتي كلها، واتخذت قرارات حازمة منها الانفصال عن هذه العائلة والتخلص من كل علاقة مؤذية، حتى لو هدد هذا حياتي وحقوقي الاجتماعية، ولا قيمة لبرّي أو طاعتي للمعتدين عليّ".

واتجهت ليلى للقراءة في مكتبة الجامعة، لمساعدتها في تخطّي الآثار النفسية الثقيلة، توضح "حاولت إجراء التحليل النفسي لنفسي، وتشريح مشاكلي للتمكن من حلها بالتدريج، فبنيت إستراتجيات دعمت صحتي النفسية، والتزمت بالرياضة واليوغا وجلسات التأمل".

"هذه كانت بداية استعادتي لنفسي، بالتالي البداية لحياة جديدة" تختم ليلى قصتها.

 

سجن وغرامة مالية

وبمناسبة اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، المقر من الأمم المتحدة، أصدرت النيابة السعودية بياناً تعلن عبره العقوبات التي تقع على المعتدي، في حسابها الرسمي على تويتر، وهو ما احتفى به عشرات المغرّدين السعوديين، اليوم الأربعاء.

وجاء في التغريدة "يُعزّز نظام الحماية من الإيذاء جملة من الضمانات للقضاء على حالات العنف ضد المرأة، ويُقرّر حزمة من الإجراءات والعقوبات الجزائية التي تتسم بالحزم والصرامة تجاه أي تجاوزات في هذا الشأن. مركز بلاغات حالات العنف الأسري ١٩١٩".

وفي تفاصيل البيان "يُحظر كل شكل من أشكال العنف ضد المرأة، أو إساءة المعاملة الجسدية أو النفسية أو الجنسية أو التهديد به".

والعقوبات تتمثل في "السجن مدة لا تقل عن شهر وتصل إلى السنة، وغرامة مالية لا تقل عن خمسة آلاف ريال سعودي وتصل إلى 50 ألف ريال، وإن عاد المعتدي لممارسة العنف، تتضاعف العقوبة" حسب البيان.

97% نسبة الإيذاء النفسي

وحسب دراسة بحثية، نُشرت أوائل يونيو 2020، يتعرّض الأطفال للعنف في المملكة السعودية بأكثر من طريقة وفي أكثر من مكان، حيث يمكن أن يكون العنف ضدهم ناجماً عن العنف بين الأبوين، أو يتعرّضون له مباشرة منهما، أو من أحدهما.

ومن نتائج هذه الدراسة أن 52% من الأطفال شهدوا عنفاً بين الوالدين، وأن مشاهدة الأطفال والمراهقين لعنف الوالدين ترفع من نسب تعرضهم للإيذاء، سواء النفسي أو الجسدي أو الجنسي أو الإهمال، مقارنة مع من لم يشاهدوا العنف بينهما.

وتصدر الإيذاء النفسي بنسبة 97%، ويمكن أن يؤدي تعرض الأطفال للعنف إلى ضرر جسدي وعقلي وعاطفي، سواء كان الطفل ضحية مباشرة أو شاهدًا على أحداث عنف.

وشملت الدراسة التي أعدها "برنامج الأمان الأسري في الرياض" حوالي 17 ألف طالب وطالبة في المرحلة الثانوية (مدارس حكومية وخاصة) من مختلف المحافظات، في الفئة العمرية (15- 18) عاماً.

وفي دراسة أخرى، نشرتها جمعية المودة للتنمية الأسرية في مكة مارس 2019،  وُجد أن (60- 70)% من الأبناء المُعنّفين لفظياً، آباؤهم وأمهاتهم حاصلون على شهادات دراسات عُليا، و57% منهم من أُسر مستقرة.

وبيّنت الدراسة 10 آثار نفسية على الأطفال المُعنّفين، هي: "العناد، الجُبن والخوف، النقص والعُزلة، انخفاض روح المُبادرة والإبداع، الإصابة بالتردد والقلق،عدم القدرة على التعبير، عدم الإحساس بالأمان، الهروب الذهني، الإحجام عن تعلم مهارات جديدة، ضعف الشخصية".

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.