العالم

من جهينة إلى التوحيد والنور.. اعترافات محمود عزت تلاحق رجلي أعمال في مصر

13 ديسمبر 2020

داخل شقة كانت تستخدم كمخبأ في القاهرة، عثرت الشرطة المصرية على "الزئبق" الذي كانت تلاحقه طيلة سبع سنوات مضت. وبعد مرور شهرين على هذه العملية، قبضت على اثنين من أشهر رجال الأعمال في البلاد.

وكان "الرجل الزئبقي" محمود عزت، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين تولى منصب المرشد العام بالإنابة في 20 أغسطس 2013، عقب القبض على المرشد محمد بديع، بعد أيام من فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة الكبرى.

ومنذ ذلك الحين، لم تعلن الجماعة عن مكان تواجد عزت أو حالته الصحية أو كيفية إدارته للجماعة وتواصله مع باقي القيادات داخل أو خارج البلاد، في وقت كانت تصدر باسمه بيانات دورية في مناسبات مختلفة، بصفته قائما بأعمال المرشد العام.

واعتُقل عزت أواخر أغسطس الماضي، وهو متهم بالإشراف على اغتيال عسكريين ومسؤولين في الدولة، بمن فيهم النائب العام السابق هشام بركات، والوقوف وراء انفجار سنة 2019، وقيادة ما يعرف بـ"كتائب إلكترونية".

وفي أولى جلسات محاكمته، الخميس الماضي، بدأت تتضح أسباب القبض على رجلي الأعمال، وهما صفوان ثابت رئيس مجلس إدارة شركة جهينة للصناعات الغذائية أكبر منتج للألبان والعصائر المعبأة في مصر، وسيد رجب السويركي مالك محلات التوحيد والنور للتجزئة.

وحتى الآن لم يصدر أي بيان رسمي بشأن احتجاز صفوان والسويركي لكن صحفا محلية مصرية نقلت عن مصادر قضائية أنه بسؤال عزت "عمن كان يساعده في عمليات الهروب، ويدفع له الأموال اللازمة للتخفي وإيجار الشقة التي يقيم فيها، أجاب بأنها مساعدات من فاعلي خير".

وبتعقب دافعي فواتير الكهرباء والماء للشقة التي يقيم فيها عزت، توصلت التحقيقات إلى أن ثابت والسويركي كانا من بين مجموعة من رجال الأعمال قاموا بسداد الفواتير، بحسب ما نقلت صحيفة "المصري اليوم".

سيناريوهان للأزمة

وفي ظل صمت جهات التحقيق الرسمية في مصر عن مضمون التحقيق مع محمود عزت، يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، أحمد بان: "إننا أمام سيناريوهين". 

الأول: هو أن تكون شركتا جهينة والتوحيد والنور قدمتا معونات مالية للجماعة في ظل الأزمة التي تعيشها، ومن الطبيعي أن يعتبر الأمن هذا الأمر شكلا من أشكال الدعم والتمويل، ويستلزم ملاحقة قضائية". 

أما السيناريو الثاني، يقول بان لموقع "الحرة" إنه "ربما يعتمد على معلومات غير موثقة عن علاقة تربط السويركى وثابت بالإخوان. الأمر قد يكون خضع لمبالغة ما في تقدير العلاقة". 

وكمتابع ومتخصص وقيادي سابق منشق عن الجماعة في مصر، لا يعتقد بان أن يتورط السويركي وثابت في تمويل الإخوان، مدللا على ذلك بما وصفها بـ"تراكم الخبرات الحركية والتنظيمية للإخوان، مما جعلهم يفضلون الحفاظ على الأموال خارج مصر مع إبقاء جزء كمصروفات تشغيل".

ويقول بان إن هذه المصروفات تأتي "من عوائد مشروعات صغيرة يصعب متابعة نشاطها"، مستبعدا أن تكون محلات التوحيد والنور المشهورة للملابس في مصر واجهة لتمويل نشاط الإخوان.

وكانت لجنة قضائية شكلتها الحكومة المصرية أصدرت قرارا، في أغسطس 2015، بالتحفظ على أموال وممتلكات صفوان ثابت رئيس جهينة، بسبب صلات مزعومة له بالإخوان.

وتأسست جهينة عام 1983، وهي شركة تعمل في مجال إنتاج الحليب والزبادي والعصائر، وتصديرها إلى أسواق في الشرق الأوسط وأميركا والدول الأوروبية.

الأثر الاقتصادي

ويشدد بان على ضرورة إطلاع الرأي العام في مصر على تفاصيل هذه القضية، قائلا: "التوثيق مهم في قضية من هذا النوع، حتى بالنظر إلى الأثر الاقتصادي على الاستثمار، إضافة إلى التداعيات الأخرى المرتبطة بحقوق وحريات الأفراد".

وفي بيان لبورصة مصر، قالت جهينة إنه تم احتجاز رئيس مجلس إدارتها على ذمة تحقيقات، وأنها ليست "لديها معلومات عن مضمون التحقيقات، وليست لديها أي معلومات أخرى في هذا الشأن".

وأكدت جهينة أن التحفظ على رئيس مجلس إدارتها "ليس له تأثير على الشركة أو التشغيل اليومي... وأنها مستمرة في مزاولة كافة أنشطتها وتقديم منتجاتها، والمحافظة على العاملين بها، وعلى تعاملاتها مع كافة الجهات الحكومية وغير الحكومية، مع المحافظة على حقوق المساهمين فيها".

وقال رئيس قطاع البحوث في برايم لتداول الأوراق المالية عمرو الألفي: "أي تأثير سلبي سيحدث على السهم سيكون بشكل وقتي فقط... صفوان ثابت هو مؤسس الشركة.. التحفظ عليه لن يؤثر على نشاط الشركة أو حتى أداء بورصة مصر".

لكن سهم جهينة في بورصة مصر أُغلق على انخفاضات متتالية منذ القبض على ثابت.

وفي نفس السياق، وعلى فيسبوك قال السفير السابق فوزي العشماوي: "التوحيد والنور يمثل ظاهرة في مجال تجارة التجزئة، فقد قدمت سلسلة المحلات الشهيرة للملايين من أبناء الشعب في مختلف المحافظات بضاعة جيدة بأسعار معقولة، وهامش ربح بسيط، (...) أتمنى أن تحافظ الدولة قدر الإمكان على كيان المؤسسة (...) فهي تسد ركنا مهما في المجتمع، وانهيارها أو اختفاؤها سيتضرر منه الكثير من أبناء الطبقتين الوسطى والدنيا، بل لا أبالغ إذا قلت أنه أصبح قبلة للكثير من أبناء الطبقة العليا!".

"توسيع دائرة الاشتباه"

ويقول بان إن "هناك رؤية داخل الأجهزة الأمنية المصرية أصبحت لا تفرق كثيرا بين الإخوان أو السلفيين أو الجهاديين أو المتعاطفين، مهما كانوا أفرادا أو أعيانا أو رجال أعمال أو كيانات اقتصادية (كالتوحيد والنور وجهينة)".

وأضاف "ربما هناك توسيع لدائرة الاشتباه" الأمر الذي وصفه بان بـ"غير المناسب في حصار الجماعة، بل قد يخلق دوائر تعاطف جديدة معها".

ويستبعد الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أن تكون جهات الرقابة المالية، المتعددة في مصر، قد غضت الطرف طيلة السنوات الماضية، عن نشاط هذه الكيانات. 

وتابع "أتصور أن محاكمة عادلة هي الطريق الوحيد لتوثيق وإثبات تهمة بتلك الخطورة".

وعلى مدار عقود ظلت شركتا جهينة والتوحيد والنور تعملان في مصر، منذ حكم الرئيس الراحل أنور السادات وحتى التاريخ المصري الحديث الذي شهد "تحولات دراماتيكية في العلاقة بين أنظمة الحكم والمجموعات الإسلامية"، على حد قول بان.

وفي ظل رقابة مشددة على الجماعات الإسلامية منذ الإطاحة بحكم محمد مرسي، يثير القبض على ثابت والسويركي تساؤلات بشأن إغفال الأمن عن ملاحظة تمويلهما للإخوان، طيلة السنوات الماضية.

"التحقيق معقد"

لكن الخبير الأمني، سمير راغب، رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية يقول: "لم يخرج تصريح رسمي من الجهات الأمنية المصرية عن اعترافات محمود عزت، وما يتم تداوله هي مجرد اجتهادات على مواقع التواصل الاجتماعي".

وأضاف "اعترافات متهم بخطورة محمود عزت لا يتم نشرها أثناء فترة التحقيق والمحاكمة، بل هناك بعض المعلومات لا تنشر إلا بعد عقود".

وأوضح أن التحقيق في تمويل جماعة الإخوان المسلمين، وغيرها من الجماعات التي تصنفها مصر إرهابية "عملية معقدة، تتم بطريقة الجريمة المنظمة، وتحوي عمليات غسيل أموال عبر شبكات محلية وإقليمية ودولية، وكيانات اقتصادية إخوانية وغير إخوانية".

ويرى راغب أن صعوبة هذا التحقيق تتمثل في "كيفية كشف كامل الشبكة وليس فرع أو عقدة من التنظيم العنقودي، قائلا: "يبلغ أعضاء هذا التنظيم في مصر أكثر من نصف مليون على الأقل، ويتواجد في أكثر من 80 دولة".

وشدد على أن التحقيق يلتزم بـ"بالإجراءات القانونية التي تحقق الوصول للمجرمين والعدالة، دون التسبب في إرباك للمنظومة الاقتصادية، أو الوصول لمتهم مع فرار آخرين".

"الاعتراف سيد الأدلة"
وفيما يتعلق بالأدلة التي جعلت الأمن يلاحق ثابت والسويركي مؤخرا، قال راغب: "لا شك أن هناك قرائن بعلاقة كيانات اقتصادية ورجال أعمال بتمويل جماعة الإخوان. القرائن تكفي لتحرك أجهزه البحث الجنائي، لكن القضاء يحكم بما حوته أوراق القضية من أدلة، بالإضافة لمحاضر أقوال وشهادة شهود وتحريات المباحث".

وتابع "اعتراف محمود عزت سيد الأدلة لإدانته، لكنه ليس سيد الأدلة في إدانة غيره".

وعن أسباب عدم صدور بيانات رسمية بشأن احتجاز السويركي وثابت من وزارة الداخلية أو النيابة العامة، قال راغب: "عندما تكتمل إجراءات أجهزة الأمن بخصوص الدعوة القضائية والوصول لعناصر الشبكة الإجرامية، يأمر النائب العام بالقبض على المتهمين ويصدر باقي القرارات بخصوص التحفظ على أموال أو أصول، ويتم مباشرة الدعوة وإحالتها إلى المحكمة المختصة".

وختم قائلا: "هذه العملية تعتمد على إجراءات وليس على المدة أو ما يتناوله الرأي العام والتواصل الاجتماعي".

يذكر أن الجلسة التالية لمحاكة عزت أمام محكمة بسجن طرة تحددت في الرابع من يناير المقبل".

نهى محمود/ الحرة- دبي

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة الأفغانية كابول
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة الأفغانية كابول

دعا زعيم تنظيم "القاعدة" الحالي محمد صلاح الدين زيدان المعروف باسم "سيف العدل"، الجهاديين في جميع أنحاء العالم إلى السفر إلى أفغانستان، للاستفادة والتعلم من تجربة طالبان، والانضمام إلى معسكرات تدريب لشنّ هجمات على "الصهاينة والغرب" بحسب تعبيره.

سيف العدل كتب مقالاً تحت اسم مستعار يستخدمه منذ فترة وهو "سالم شريف"، نُشر في مجلة تصدرها "القاعدة" حمل عنوان "هذه غزة... حرب وجود.. لا حرب حدود"، قال فيه "لا بد للمخلصين من أبناء الأمة والمهتمين بالتغيير من زيارة أفغانستان والاطّلاع على أحوالهم والاستفادة من تجاربهم".

ورأى أن تجارب "أفغانستان واليمن والصومال ومغرب الإسلام تلهم أمتنا بركن تأسيسي وهو الأمة المسلّحة".

تكتسب علاقة تنظيم "القاعدة" بطالبان بعداً تاريخياً عميقاً، ولطالما كانت أفغانستان ملجأً لقيادات التنظيم، وضمت في فترات زمنية طويلة معسكرات تدريب ينطلق منها "جهاديون" لضرب أهداف حول العالم، كان أبرزها على الإطلاق أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية.

وكان مؤسس "القاعدة" أسامة بن لادن متواجداً في أفغانستان، وتحديداً في جبال طورا بورا ومنها أدار العمليات، قبل أن تشنّ أميركا حرباً واسعة النطاق على الإرهاب وتقتل بن لادن في باكستان حيث لجأ بعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان.

كما أن أيمن الظواهري زعيم القاعدة السابق، انتقل إلى أفغانستان مباشرة بعد الانسحاب الأميركي وسيطرة حركة طالبان، ثم قُتل في كابول داخل منزل تابع لشبكة سراج الدين حقاني، بغارة أميركية.

انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في عام 2021 سمح بعودة حركة طالبان للسيطرة على أفغانستان، ويبدو أن الروابط القديمة بين تنظيم "القاعدة" وطالبان قد عادت إلى الواجهة، مع وجود مصالح مشتركة بين الطرفين.

لا شك أن تنظيم "القاعدة" يحاول أن يعيد بناء نفسه في أفغانستان، كما يشرح الباحث في مجال الفلسفة السياسية والفكر الإسلامي حسن أبو هنية لـ"ارفع صوتك". فـ"التقارير الميدانية تشير إلى وجود قواعد عدة يقوم ببنائها التنظيم في أفغانستان، وقد تحدث (الديبلوماسي الأميركي السابق) سلمان خليل زاد في إحدى الجلسات أنه "لا وجود للقاعدة"، لكن التقارير تخالف ذلك، مؤكدة أن هناك بالفعل "إعادة احياء لهذا التنظيم، وتركيز على حضور القاعدة في شبه القارة الهندية".

أبو هنية يذكّر بأن حركة طالبان لديها علاقات وثيقة تاريخياً مع "القاعدة". واليوم، يتابع الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية "هناك علاقات جيدة وصعود للقاعدة بطبيعة مختلفة عن السابق تتحكم فيها حركة طالبان، ولا تسمح للقاعدة بتنفيذ أي عمليات أو مخططات إلا بإشراف طالبان بشكل مباشر".

"ولذلك يجب أن نعتاد على شكل آخر من العلاقة تقوم فيه طالبان باستخدام القاعدة على غرار ما فعلت إيران في فترات سابقة، حيث استضافت القاعدة لكن لخدمة أجندة إيران"، يقول أبو هنيّة.

ويوضح أن طالبان "تستفيد من القاعدة في مناهضة ولاية خوراسان التابعة لتنظيم داعش وفي نفس الوقت يعيد القاعدة تنظيم نفسه، خصوصاً في ما يتعلق بالهند والسياسات في ذلك الجزء من العالم".

على صعيد آليات عمل "القاعدة" في أفغانستان، فإن بناء هياكلها يحدث ببطء، يضيف أبو هنيّة، مبيّناً "هناك دعوات شهدناها موجهة للجهاديين للالتحاق بالمعسكرات، وبالفعل هناك أشخاص من العالم العربي أو من جنوب شرق آسيا وأفريقيا بدأوا بالالتحاق بمعسكرات القاعدة في أفغانستان".

ويعتقد أن "ازدهار شبكة القاعدة في أفغانستان لا يزال تحت السيطرة، ولن يكون بمقدور التنظيم توجيه ضربات كبيرة انطلاقاً من أفغانستان على غرار ١١ سبتمبر".

كما لا يتوقع أبو هنية أن نشهد تداعيات قريبة للتعاون بين طالبان و"القاعدة"، لكن خلال سنوات قد يتغير الأمر، مردفاً "هذا رهن علاقات طالبان بمحيطها الإقليمي مع باكستان والصين وروسيا، وهذه الدول تحاول بناء علاقات جيدة مع طالبان حتى تتجنب أي ردة فعل للجهاديين سواء في آسيا الوسطى أو الصين أو في شبه القارة الهندية".

بهذا المعنى، يصف أبو هنية تنظيم "القاعدة" اليوم بأنه "ورقة بيد طالبان"، التي تحدد متى تستخدمها وكيف.